أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ووجع العالم















المزيد.....

سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ووجع العالم


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 08:38
المحور: الادب والفن
    


سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo من عزلة الشعر إلى جراح الإنسان

وُلد سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo في 20 أغسطس 1901 بمدينة موديكا في صقلية، حيث ستظل ذاكرة المكان حاضرة في شعره حتى بعد ابتعاده عنه. درس الهندسة في روما، لكنه لم يتمكن من إكمال دراسته بسبب ضيق الموارد المالية، وعمل في وظائف مختلفة، بينها الرسم الهندسي، متنقلًا بين مدن إيطاليا، فيما كان يبحث عن لغته الشعرية الخاصة.
صدرت مجموعته الأولى «المياه والأرض» Acque e terre عام 1930، ثم «الناي المغمور» Oboe sommerso عام 1932. كان الشعر الإيطالي يشهد تحولًا في اللغة والبناء، بعيدًا عن البلاغة التقليدية. اتجه كوازيمودو إلى التكثيف، وإلى صورة لا تشرح نفسها، بل تترك بين الكلمات فراغًا يشارك القارئ في ملئه. ومنحت صقلية، بطبيعتها وذاكرتها وشعور الشاعر بالابتعاد عنها، هذه اللغة نبرتها الخاصة.
كان إلى جانبه جوزيبي أونغاريتي Giuseppe Ungaretti وأوجينيو مونتالي Eugenio Montale، يختبران بدورهما إمكانات القصيدة الحديثة. اشترك الثلاثة في رفض التعبير المستهلك، لكنهم اختلفوا في بناء المعنى. اختزل أونغاريتي التجربة في كلمات قليلة مشحونة، وجعل مونتالي الأشياء اليومية منافذ إلى الشك والقلق، فيما اتجه كوازيمودو إلى صور تستعيد المكان والذاكرة وتختصر التجربة الوجودية. لم يكن التجديد مجرد تغيير في الشكل لقد تبدلت علاقة اللغة بالعالم.
تتجلى هذه القدرة في قصيدته «وما إن يحل المساء» Ed è subito sera، التي كانت في الأصل خاتمة قصيدة أطول بعنوان «الوحدة» Solitudini، قبل أن يفردها الشاعر في مجموعة تحمل عنوانها عام 1942. يقول فيها:
«كلُّ إنسان يقف وحيدًا على قلب الأرض،
مطعونًا بشعاع من الشمس:
وما إن يحل المساء».
في هذه الترجمة، تتجاور الوحدة والضوء والمساء. يتحول شعاع الشمس إلى طعنة، ويأتي المساء قبل أن يطمئن الإنسان إلى امتداد نهاره. لا يشرح الشاعر مصير الإنسان يضعه داخل صورة تترك الزمن يؤدي فعله. هنا لا يكون التكثيف حذفًا للكلمات فحسب، بل طريقة لإنتاج المعنى.
وتستدعي القصيدة مقارنة بأونغاريتي، الذي اختزل في قصيدته «جنود» Soldati هشاشة الحياة في صورة الجنود الشبيهة بأوراق الخريف على الأشجار. تتقاطع التجربتان في الاقتصاد اللغوي، لكن صورة أونغاريتي ترتبط بخطر الحرب، فيما يوسع كوازيمودو المشهد نحو الإنسان في مواجهة مصيره. الاختلاف ليس في مقدار الإيجاز، بل في المجال الذي تفتحه الصورة.
لم تحظَ لغة كوازيمودو المبكرة بإجماع نقدي. فقد رأى بعض النقاد أن كثافة الصور قد تتحول أحيانًا إلى غموض مغلق، بينما وجدوا في قصائد أخرى قدرة على تحويل الإيحاء إلى تجربة إنسانية محسوسة. وكان هذا الخلاف متصلًا بمشكلة الحداثة نفسها كيف يستطيع الشعر أن يبتكر علاقات جديدة بين الكلمات والصور من دون أن يفقد صلته بالحياة؟ لقد بلغت تجربته في بعض أعمالها الأولى درجة عالية من الصفاء، لكنها لم تحقق المستوى نفسه في جميع القصائد.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتوسع المجال الذي تتحرك فيه كتابته. في «يومًا بعد يوم» Giorno dopo giorno، الصادرة عام 1947، دخل الخراب التاريخي إلى الغنائية، وأصبح الإنسان مسؤولًا عن العنف الذي يمارسه ضد الإنسان. وفي قصيدته «إنسان زماني» Uomo del mio tempo، يواجه الإنسان الحديث بما ورثه من وحشية، على الرغم من تقدمه العلمي والتقني. لم يعد الخطر قدرًا غامضًا إنه فعل بشري يتكرر بأدوات أكثر تطورًا.
هنا يتغير موقع الشاعر من العالم. لم تعد القصيدة مكتفية بتأمل وحدة الفرد، بل أخذت تواجه مسؤولية الإنسان عن مصير الآخرين. ومع ذلك، لم يكن الانتقال من الشعر المحكم إلى الشعر الإنساني قطيعة كاملة مع المرحلة الأولى فقد بقيت الصورة والإيقاع عنصرين أساسيين، وإن اتسعت موضوعاتهما نحو الوقائع التاريخية والاجتماعية.
في دراسته عن شعر كوازيمودو، رأى الناقد فريدريك ج. جونز أن التحول بعد الحرب منح الشاعر مجالًا أوسع للتعبير عن القضايا الإنسانية، لكنه كشف أيضًا حدود تجربته. ففي بعض القصائد، حين تتقدم الوقائع والمواقف الأخلاقية على البناء الفني، تفقد اللغة شيئًا من توترها وإيحاءاتها. كان كوازيمودو يريد أن يجعل الشعر وسيلة لإعادة بناء الإنسان، لكنه لم ينجح دائمًا في التوفيق بين قوة الموقف واستقلال القصيدة. وتظل أفضل أعماله اللاحقة تلك التي استطاعت أن تحول التجربة التاريخية إلى صورة شعرية، بدل الاكتفاء بوصفها أو إدانتها.
ساعدته ترجماته للشعر اليوناني القديم على تعميق صلته بالإيقاع والصورة وبالتجربة الإنسانية المشتركة. لم تكن العودة إلى التراث تراجعًا عن الحداثة؛ فقد وجد في الشعراء القدماء لغة مقتصدة قادرة على وصل الفرد بأسئلة المصير والذاكرة. وهكذا التقى القديم والجديد في تجربته من دون أن يتحول التراث إلى نموذج جامد أو يصبح التجديد قطيعة معه.
عمل كوازيمودو منذ عام 1941 أستاذًا للأدب الإيطالي في معهد جوزيبي فيردي الموسيقي في ميلانو، وواصل الكتابة والترجمة حتى سنواته الأخيرة. وفي محاضرته بمناسبة نوبل، «الشاعر والسياسي» Il poeta e il politico، تناول العلاقة بين الشعر والسلطة، وما يواجهه الشاعر من محاولات لتوظيف صوته. كان استقلال الفن مهمًا لديه، لكنه لم يكن دعوة إلى الانسحاب من العالم؛ فالشاعر الذي يبدأ وحيدًا يبحث في النهاية عن لغة تصل إلى الآخرين.
حصل على جائزة نوبل للأدب عام 1959، وأثار اختياره نقاشًا بين النقاد، خصوصًا في ضوء مكانة أونغاريتي ومونتالي. ولم يكن الخلاف متعلقًا بالجائزة وحدها، بل بتفاوت أعمال كوازيمودو وبمدى نجاح انتقاله من الغنائية المكثفة إلى الشعر المدني. غير أن الجائزة لا تحسم القيمة الأدبية فهذه تتحدد في قدرة النصوص على البقاء بعد زوال الظروف التي أحاطت بها، وعلى استعادة معناها في قراءات جديدة.
توفي كوازيمودو في نابولي في 14 يونيو 1968. وتبقى خصوصية تجربته في المسافة التي قطعها الشعر من وحدة الإنسان أمام الزمن إلى مواجهة الإنسان مع التاريخ، من دون أن يتخلى في أفضل أعماله عن التكثيف الذي منح لغته قوتها الأولى. لم تكن الحداثة عنده شكلًا جديدًا فحسب، بل بحثًا عن قدرة القصيدة على حمل جراح العالم من غير أن تفقد استقلالها الفني. وفي التوتر بين الإيحاء والشهادة، وبين الغنائية والمسؤولية، تكمن قيمة شاعر لم تكن تجربته نجاحًا متصلًا ولا تحولًا خاليًا من التعثر، بل محاولة دائمة لتوسيع حدود الشعر.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...
- الكتاب المحفوظ
- بار لاغركفيست Pär Lagerkvist الوجود في مرآة الشر والشك
- برهان دوغانجاي Burhan Doğançay مدينة تُقرأ على الجدران
- سهراب سپهري Sohrab Sepehri الأشياء حين تستعيد دهشتها
- شوان كمال النحت بين الجذور الكردية والفضاء الأوروبي
- ضياء العزاوي Dia al-Azzawi تعدد التجربة ووحدة الفن
- برتراند راسل Bertrand Russell الفيلسوف والمفكر والكاتب
- العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك
- وليم فوكنر William Faulkner صناعة العالم في الرواية
- العفوي الجميل


المزيد.....




- من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين ...
- بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق ...
- فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
- -الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش ...
- اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة سواحل تركيا
- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...
- فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي ...
- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ووجع العالم