أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية















المزيد.....

بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 13:58
المحور: الادب والفن
    


بوريس باسترناك Boris Pasternak حياة الفرد في قبضة التاريخ

ولد بوريس باسترناك في موسكو عام 1890، في بيت جمع الرسم والموسيقى والأدب. كان أبوه ليونيد رسامًا معروفًا، وأمه روزا كوفمان عازفة بيانو، ونشأ في محيط ثقافي عرف عددًا من أبرز أدباء روسيا وفنانيها. بدأ دراسة الموسيقى، ثم اتجه إلى الفلسفة، وسافر عام 1912 إلى جامعة ماربورغ الألمانية، قبل أن يعود إلى روسيا ويختار الكتابة. لم يكن انتقاله بين هذه المجالات مجرد تبديل للمهن؛ فقد تركت الموسيقى أثرها في إيقاع لغته، وأمدته الفلسفة بأسئلة عن الوجود والوعي، فيما منحه الشعر وسيلته الخاصة لالتقاط العالم.
ظهر صوته الشعري بوضوح في مجموعة «أختي الحياة» عام 1922، التي عدّها كثيرون من أبرز أعماله المبكرة. لم تكن الطبيعة في قصائده منظرًا محايدًا، بل قوة حية تتداخل مع الذاكرة والحب والقلق، وتدخل في تكوين التجربة الإنسانية نفسها. المطر والثلج والأشجار والحدائق ليست عناصر تزيينية، وإنما علاقات متحركة تتولد منها الصور والمعاني. وكان يبتعد عن العبارة الشعرية المألوفة، باحثًا عن تركيب يلتقط العالم في لحظة تجدده، حتى تبدو الأشياء كأنها تتكلم بلغة لم تستقر بعد على شكل نهائي.
تكوّن هذا الصوت في مرحلة شهد فيها الشعر الروسي تحولات عميقة، من الرمزية إلى المستقبلية والتجريب الطليعي. اقترب باسترناك في بداياته من أوساط المستقبلية، لكنه لم يجعل القطيعة مع الماضي غاية في ذاتها. وإذا كان فلاديمير ماياكوفسكي قد منح القصيدة طاقة خطابية واسعة وصوتًا يواجه الجماعة والتاريخ مباشرة، فإن باسترناك اتجه إلى التجربة الحسية والفردية، حيث يمكن لحركة صغيرة في الطبيعة أن تكشف عالمًا كاملًا. ويلتقي مع آنا أخماتوفا وأوسيب ماندلشتام في الدفاع عن استقلال التجربة الشعرية، وإن اختلفت طرائقهم في بناء الصورة والإيقاع ومواجهة زمنهم. لم يكن الشعر الروسي صوتًا واحدًا، وكان تعدده نفسه جزءًا من قوته.
لم يبق باسترناك شاعرًا محصورًا في القصيدة. عمل طويلًا في الترجمة، فنقل أعمالًا لشكسبير وغوته وشيلر، وترجم شعرًا من اللغة الجورجية. وقد أتاحت له هذه التجربة أن يختبر العلاقة بين المعنى والصوت، وأن يرى الترجمة بوصفها إعادة خلق للعمل في لغة أخرى. لم يكن المطلوب عنده نقل الكلمات وحدها، بل استعادة الحركة الداخلية للنص، بحيث يحتفظ بحياته حين يدخل لغة جديدة. وتكشف ترجماته جانبًا من حرفيته، كما تساعد على فهم امتداد حساسيته الموسيقية إلى الحوار الروائي وإيقاع السرد.
كانت روسيا، في غضون ذلك، تعيش تحولات أعادت تشكيل المجتمع ومؤسساته الثقافية. ومع ترسخ السلطة السوفيتية، ضاقت المساحة المتاحة للأدب الذي لا ينسجم مع التصور الرسمي لوظيفة الفن. لم يكن باسترناك معزولًا عن عصره، لكنه لم يقبل أن تصبح الكتابة مجرد أداة لتأكيد رواية سياسية جاهزة. أخذت المسافة بينه وبين المؤسسة الثقافية تتسع، ووجد في الترجمة مجالًا للعمل، فيما ظل مشروعه الأدبي يتجه نحو أسئلة الإنسان والحرية والحب ومصير الفرد داخل التحولات الكبرى.
من هنا جاءت «دكتور زيفاغو»، الرواية التي عمل عليها سنوات حتى اكتملت في منتصف الخمسينيات. تتبع حياة الطبيب والشاعر يوري زيفاغو خلال الثورة الروسية والحرب الأهلية وما أعقبهما من اضطراب اجتماعي وسياسي. لكن زيفاغو ليس مجرد شاهد على الأحداث، ولا شخصية صيغت لإثبات موقف سياسي محدد. إنه إنسان يحاول أن يحتفظ بحياته الداخلية، وبحقه في الحب والتأمل والكتابة، بينما تتدخل الأحداث في بيته وعلاقاته وعمله، وتنتزع منه شيئًا فشيئًا القدرة على اختيار مساره.
تستدعي الرواية تقاليد الأدب الروسي الكبرى، وخصوصًا أعمال ليو تولستوي، حيث تتداخل الحياة الفردية مع التحولات التاريخية. غير أن تولستوي يبني عالمًا اجتماعيًا واسعًا، تتشابك فيه العائلات والطبقات والجيوش والشخصيات العامة، بينما يقترب باسترناك من التاريخ عبر الوعي الفردي والتجربة الحسية وما تتركه الأحداث في حياة البشر. وإذا كان دوستويفسكي يضع شخصياته في مواجهة أسئلة أخلاقية وفكرية حادة، فإن باسترناك يمنح الطبيعة والذاكرة والحب مساحة أكبر للكشف عن الإنسان. لا يواجه زيفاغو التاريخ بفلسفة مكتملة، بل يحاول الاحتفاظ بقدرته على الإحساس داخل عالم يريد إخضاع الأفراد لضروراته.
وتظهر أهمية هذا الاختيار حين ننظر إلى مصير الرواية نفسها. رفضت مجلة «نوفي مير» الروسية نشرها عام 1956، ثم صدرت بالإيطالية عام 1957 عن دار نشر جيانجياكومو فيلترينيلي، قبل أن تنتشر بلغات أخرى. أثار الكتاب اعتراض السلطات السوفيتية، لأنه قدّم الثورة ومآلاتها من زاوية لا تنسجم مع الصورة الرسمية. لم تكن الرواية سجلًا تاريخيًا محايدًا، ولا بيانًا سياسيًا مباشرًا، بل عالمًا روائيًا يمنح الشخصيات حقها في التردد والخسارة والحب، ويجعل الحياة أوسع من التفسير الذي تفرضه السلطة عليها.
في 23 أكتوبر 1958، مُنح باسترناك جائزة نوبل في الأدب تقديرًا لإنجازه في الشعر الغنائي المعاصر ومساهمته في تقاليد الملحمة الروسية. قبل الجائزة في البداية، لكنه واجه حملة سياسية وثقافية شديدة، وانتهى إلى رفضها تحت الضغط. تعرّض للإقصاء من اتحاد الكتاب، وعاش سنواته الأخيرة في بيريديلكينو قرب موسكو، حتى وفاته في 30 مايو 1960. ولم يشهد عودة «دكتور زيفاغو» إلى القراء في بلاده، فيما تسلّم ابنه الجائزة نيابة عنه عام 1989.
يمكن أن نستحضر، في هذا السياق، ألبير كامو، لا بوصفه شبيهًا بباسترناك، بل لأن كليهما أعاد السؤال إلى الإنسان الذي يجد نفسه في عالم تضغط عليه قوى أكبر منه. غير أن كامو يذهب في أعمال مثل «الطاعون» إلى مساءلة العبث والمسؤولية والتضامن، بينما يترك باسترناك ثقلًا أكبر لاستمرار الحياة الفردية، وللحب والفن والذاكرة بوصفها خبرات لا تستنفدها السياسة. إنهما يلتقيان في رفض اختزال الإنسان، لكنهما يختلفان في الطريق الذي يسلكه كل منهما للوصول إليه.
ولم تحظَ «دكتور زيفاغو» بإجماع نقدي كامل فقد رأى بعض النقاد في بنائها تفاوتًا، وفي بعض شخصياتها ميلًا إلى الرومانسية والميلودراما. وكان فلاديمير نابوكوف من منتقديها. وهذه الملاحظات لا تنتقص من أهمية الرواية بقدر ما تساعد على تحديد طبيعة إنجازها فقوتها لا تقوم دائمًا على إحكام الحبكة أو اكتمال الشخصيات وفق النموذج الروائي التقليدي، وإنما على قدرتها على وصل المصير الفردي بالتاريخ، وعلى اللحظات التي تتحول فيها اللغة إلى وسيلة لاستعادة ما يتعرض للضياع.
من الشعر إلى الرواية، ظل باسترناك يلاحق سؤالًا واحدًا بأشكال مختلفة: كيف يحتفظ الإنسان بحياته الداخلية حين يحاول العالم الخارجي أن يحدد له معنى وجوده؟ لم تكن إجابته شعارًا، بل طريقة في الكتابة؛ أن يمنح الطبيعة والذاكرة والحب والألم حقها في الظهور، وأن يرى في الفرد أكثر من موقعه في الصراع السياسي. لهذا تجاوزت «دكتور زيفاغو» ظروف نشرها الأولى، وبقيت رواية عن الإنسان الذي يجرفه التاريخ، من دون أن يفقد حقه في أن يشعر ويفكر ويبحث عن معنى حياته.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...
- الكتاب المحفوظ
- بار لاغركفيست Pär Lagerkvist الوجود في مرآة الشر والشك
- برهان دوغانجاي Burhan Doğançay مدينة تُقرأ على الجدران
- سهراب سپهري Sohrab Sepehri الأشياء حين تستعيد دهشتها
- شوان كمال النحت بين الجذور الكردية والفضاء الأوروبي
- ضياء العزاوي Dia al-Azzawi تعدد التجربة ووحدة الفن
- برتراند راسل Bertrand Russell الفيلسوف والمفكر والكاتب
- العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك
- وليم فوكنر William Faulkner صناعة العالم في الرواية
- العفوي الجميل
- ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في الطريق الطويل للشعر


المزيد.....




- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية