|
|
جون شتاينبك John Steinbeck واقعية تنصت إلى المقهورين
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 11:59
المحور:
الادب والفن
جون شتاينبك John Steinbeck من ذاكرة المكان إلى مصائر الإنسان
وُلد جون إرنست شتاينبك في 27 شباط 1902، في ساليناس بولاية كاليفورنيا، وسط وادٍ زراعي سيصبح لاحقًا قلب عالمه الروائي. نشأ في أسرة متوسطة الحال؛ كان والده يعمل في وظائف مختلفة، وكانت والدته أوليف هاملتون، المعلمة السابقة، تشجع أبناءها على التعليم والقراءة. وفي هذا المكان الذي تتجاور فيه خصوبة الأرض مع مشقة العمل، أخذت تتكون ذاكرته الأولى، لا من الطبيعة وحدها، بل من حياة الناس الذين يرتبط معاشهم بها. أحب الكتابة منذ صباه، وقرر في الرابعة عشرة أن يصبح كاتبًا. التحق بجامعة ستانفورد عام 1919، لكنه لم يحصل على شهادة، إذ كان يختار من الدروس ما يوافق اهتماماته، فيما ظل انجذابه إلى الحياة خارج الجامعة أقوى من التزامه بمسار أكاديمي منتظم. عمل في المزارع والمصانع وأعمال مختلفة، ثم حاول في نيويورك أن يجد طريقه إلى الصحافة والكتابة المستقلة، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا. لم تكن هذه التجارب مجرد مصاعب في بداية حياته؛ فقد قربته من العمال ومن الذين يعيشون على هامش الاستقرار، ومنحته معرفة بالتفاصيل اليومية التي ستصبح مادة أساسية في رواياته. نشر روايته الأولى *كأس من ذهب* (Cup of Gold) عام 1929، مستلهمًا حياة القرصان هنري مورغان، لكنها لم تحقق له الشهرة. وفي السنوات التالية، أخذ يقترب أكثر من المكان الذي يعرفه، ومن الشخصيات التي شاهدها وعاشرها. ومع *شقق تورتيلا* (Tortilla Flat، 1935)، التي تدور حول جماعة من الفقراء في مونتيري، بدأ اسمه يلفت الأنظار. جمع في الرواية بين الفكاهة والحكاية الشعبية والتعاطف مع شخصيات لا تقيس حياتها بمقاييس النجاح الاجتماعي المعتادة. لم يكن المهم أن يقدم الفقراء بوصفهم ضحايا فحسب، بل أن يكشف حياتهم بما فيها من صداقة وعبث وحرية محدودة. انتقل في *في معركة مشكوك فيها* (In Dubious Battle، 1936) إلى إضرابات عمال قطاف الفاكهة، حيث تتداخل حاجة العمال إلى الأجر مع مصالح أصحاب الأراضي وحسابات المنظمين السياسيين. لا يكتفي شتاينبك بتصوير الظلم، بل يراقب أيضًا ما يفعله الصراع بالناس، وكيف يمكن أن تتحول الجماعة إلى قوة مقاومة، أو إلى أداة تتجاذبها مصالح أخرى. ومن هنا بدأت واقعيته تتجاوز وصف الفقر إلى فحص العلاقات التي تنتجه، من دون أن تجعل الرواية بيانًا سياسيًا مباشرًا. وفي *فئران ورجال* (Of Mice and Men، 1937)، اختصر عالمًا اجتماعيًا واسعًا في علاقة بين عاملين متنقلين، جورج وليني، يحلمان بامتلاك قطعة أرض صغيرة تمنحهما الاستقرار. يقوم البناء على بساطة ظاهرة، لكن الحلم يكشف مقدار ما يحتاج إليه الإنسان من أمان ورفقة، ومدى هشاشته أمام ظروف لا يملك السيطرة عليها. وقد أحسن شتاينبك هنا الاقتصاد في السرد فالشخصيات والمواقف والحوار تحمل المأساة من دون حاجة إلى تفسير مطول. وتظهر في الرواية إحدى أبرز خصائصه: قدرته على جعل الحلم الصغير مرآة لحياة اجتماعية كاملة. بلغ هذا المسار ذروته في *عناقيد الغضب* (The Grapes of Wrath، 1939)، حيث تغادر عائلة جود أرضها في أوكلاهوما بعد أن يطحنها الجفاف والاقتلاع الاقتصادي، متجهة إلى كاليفورنيا بحثًا عن العمل. لكن الوصول لا يعني الخلاص؛ فالعمال الذين يبحثون عن لقمة العيش يواجهون سوقًا يستفيد من حاجتهم، وأجورًا لا تضمن لهم حياة كريمة. تتسع الحكاية العائلية لتكشف أزمة مجتمع، ويغدو الطريق الذي تسلكه الأسرة صورة عن حركة بشرية تدفعها الضرورة أكثر مما يقودها الاختيار. وقد نالت الرواية جائزة بوليتزر عام 1940، وأثارت جدلًا واسعًا بسبب تصويرها للمهاجرين الزراعيين وأصحاب المزارع. وتكمن قوتها في أنها لا تفصل مأساة العائلة عن النظام الاقتصادي الذي يحيط بها، ولا تختزل الإنسان في موقعه الطبقي؛ فالجوع حاضر، لكن الكرامة والتضامن والرغبة في البقاء حاضرة أيضًا. لم يبق شتاينبك أسير هذا اللون من الكتابة. ففي *صف السردين* (Cannery Row، 1945)، عاد إلى مونتيري، لكنه منح شخصياته الهامشية مساحة للفكاهة والتعايش والمواقف اليومية، في رواية لا تعتمد على حبكة تقليدية محكمة بقدر ما تتشكل من حياة المكان وسكانه. وفي *اللؤلؤة* (The Pearl، 1947)، استخدم حكاية صياد يعثر على لؤلؤة ثمينة ليختبر العلاقة بين الثروة والطمع والخوف. تتكثف الحكاية في رمز واضح، وتتحول اللؤلؤة من وعد بتحسين الحياة إلى قوة تهدد صاحبها. هنا تظهر براعة شتاينبك في بناء الحكاية الرمزية، كما تظهر حدودها حين يصبح المعنى أحيانًا مباشرًا أكثر مما تحتمله الشخصيات. أما *شرق عدن* (East of Eden، 1952)، فتتسع إلى تاريخ عائلتين في وادي ساليناس، وتستعيد قصة قابيل وهابيل لتبحث في الغيرة والميراث الأخلاقي وإمكان الاختيار. لا يظل الإنسان في هذه الرواية أسير الظروف الاقتصادية؛ إذ تدخل الأسرة والذاكرة والصراع بين الأبناء في تشكيل المصير. ويصبح السؤال عما إذا كان المرء قادرًا على اختيار طريق مختلف عن ماضيه سؤالًا مركزيًا. وتكشف الرواية اتساع اهتمام شتاينبك من المجتمع إلى النفس والأخلاق، وإن كانت بعض رموزها ومناقشاتها الأخلاقية تميل إلى التصريح بالفكرة بدل تركها تنمو كاملة داخل الحدث. وفي *شتاء السخط* (The Winter of Our Discontent، 1961)، اتجه إلى المجتمع الأمريكي في زمن الوفرة المادية، متأملًا أثر المال والمكانة في الضمير. يحاول إيثان ألن هاولي أن يحافظ على نزاهته، لكنه يجد نفسه أمام إغراءات تكشف سهولة التنازل حين يصبح النجاح الاجتماعي مقياسًا للقيمة. وهكذا عاد شتاينبك إلى سؤاله القديم من جهة أخرى إذا كانت رواياته المبكرة قد كشفت قسوة مجتمع يحرم الفقراء من فرص الحياة، فإن روايته المتأخرة تتساءل عما يحدث للإنسان حين تتوفر له الفرصة ويصبح مستعدًا للتخلي عن مبادئه من أجل المكسب. تتحدد خصوصية شتاينبك في صلته الوثيقة بالمكان والعمل والناس العاديين. فالأرض عنده ليست خلفية طبيعية مستقلة عن البشر إنها مصدر للعيش، وموضوع للملكية والصراع، وقوة تؤثر في العلاقات والمصائر. كما أنه لا يجعل شخصياته مجرد أمثلة لأفكار مسبقة، بل يمنحها أحلامًا وحاجات وعلاقات تجعل القضايا الاجتماعية قابلة للتجربة الإنسانية. وتأتي لغته واضحة وقريبة من الكلام اليومي، ويعتمد على الحوار والحركة والتفاصيل الملموسة أكثر من اعتماده على التعقيد الأسلوبي. هذه المباشرة هي إحدى نقاط قوته، لكنها قد تصبح موضع ضعف حين تقترب بعض الشخصيات من النماذج الثابتة، أو تتقدم العبرة الأخلاقية على التعقيد النفسي. ومن المفيد مقارنته بإميل زولا، الذي جعل الرواية مجالًا لفحص أثر البيئة والظروف الاجتماعية في حياة الإنسان. يلتقي الكاتبان في الاهتمام بالعمل والفقر والعلاقات الاقتصادية، لكن شتاينبك يترك مساحة أكبر للتضامن والاختيار، ولا يحصر الإنسان في قوة الظروف التي تحيط به. ومع إرنست همنغواي، يلتقي في الاقتصاد اللغوي والابتعاد عن الزخرفة، غير أن همنغواي يميل إلى تكثيف التجربة في اختبار الفرد أمام الخطر والفقد، بينما يوسع شتاينبك الحكاية لتشمل عائلة أو جماعة، ويكشف من خلالها بنية اجتماعية كاملة. أما وليم فوكنر، فيلتقي معه في استعادة المكان والتاريخ العائلي، لكنه يذهب أبعد في تفكيك الزمن وتعدد الأصوات وتعقيد الوعي، فيما يفضل شتاينبك غالبًا سردًا أكثر استقامة ووضوحًا. ليست هذه الفروق درجات في سلم واحد، بل اختيارات فنية مختلفة في الوصول إلى الإنسان. لم تكن تجربة شتاينبك متساوية المستوى. ففي بعض أعماله تتقدم الفكرة على تطور الشخصية، ويصبح الرمز واضحًا أكثر من اللازم، وتقترب العاطفة من استدرار التعاطف. كما أن شهرته ارتبطت بقوة خاصة بأعمال الثلاثينيات، حتى صار من الصعب على بعض القراء والنقاد أن يتعاملوا مع كتبه اللاحقة بمعزل عن المقارنة بتلك الذروة. ومع ذلك، فإن الحكم على تجربته لا يستقيم إذا اختُزل في رواية واحدة أو في تفاوت أعماله. فقد ظل يوسع مجال اهتمامه، من العمال الزراعيين إلى العلاقات العائلية، ومن الفقر إلى فساد الضمير، ومن المكان الذي يعرفه إلى صورة المجتمع الأمريكي الأوسع. في عام 1962، مُنح شتاينبك جائزة نوبل في الأدب تقديرًا لكتاباته الواقعية والخيالية التي تجمع بين الفكاهة المتعاطفة والنظرة الاجتماعية الثاقبة. أثار الاختيار جدلًا نقديًا، خصوصًا أن بعض المعترضين رأوا أن إنجازه الأكبر يعود إلى مرحلة سابقة. لكن مكانته لا تقوم على ادعاء الكمال، بل على ما استطاعت أفضل أعماله إنجازه تحويل حياة المهمشين إلى موضوع أدبي مركزي، وإظهار الصلة بين مصير الفرد والظروف التي تصنعها المصالح الاجتماعية والاقتصادية. توفي شتاينبك في نيويورك في 20 كانون الأول 1968، لكن أعماله بقيت حاضرة لأنها لا تتوقف عند وصف زمنها. فالعامل الذي يحلم ببيت، والعائلة التي تُقتلع من أرضها، والإنسان الذي يساوم ضميره من أجل النجاح، شخصيات تظل أسئلتها مفتوحة خارج حدود كاليفورنيا وخارج سنوات الكساد. لقد منح شتاينبك هؤلاء الناس مكانًا في الأدب لا لأنهم مثاليون أو معصومون، بل لأن حياتهم تكشف ما قد تخفيه لغة الازدهار والنجاح من خسائر بشرية. ومن هنا تنبع قيمة تجربته ليس من خلوها من العيوب، بل من قدرتها، في أفضل لحظاتها، على جعل مصائر الناس العاديين مقياسًا لفهم المجتمع الذي يعيشون فيه.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
منازل الحياة
-
إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية
-
سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
-
سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر
...
-
بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
-
آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
-
أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
-
ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
-
خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا
...
-
هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
-
مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
-
ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار
...
-
عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ
...
-
فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن
...
-
الكتاب المحفوظ
-
بار لاغركفيست Pär Lagerkvist الوجود في مرآة الشر والشك
-
برهان دوغانجاي Burhan Doğançay مدينة تُقرأ على الجدران
-
سهراب سپهري Sohrab Sepehri الأشياء حين تستعيد دهشتها
-
شوان كمال النحت بين الجذور الكردية والفضاء الأوروبي
-
ضياء العزاوي Dia al-Azzawi تعدد التجربة ووحدة الفن
المزيد.....
-
من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين
...
-
بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق
...
-
فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
-
-الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش
...
-
اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة سواحل تركيا
-
أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و
...
-
باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس
...
-
فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي
...
-
تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف-
...
-
فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|