أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية















المزيد.....

إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 13:10
المحور: الادب والفن
    


إيفو أندريتش Ivo Andrić من ذاكرة المكان إلى مصائر الإنسان

وُلد إيفو أندريتش في 10 أكتوبر 1892 في دولاتس قرب ترافنيك، في البوسنة التي كانت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية النمساوية المجرية. فقد أباه في طفولته المبكرة، وعاش فترة في فيشغراد، حيث أكمل دراسته الابتدائية قبل انتقاله إلى سراييفو. هناك، بين المدن البوسنية وما تختزنه من آثار الحكم العثماني والتحولات الأوروبية، بدأت تتشكل ذاكرته الأدبية. لم تكن البوسنة بالنسبة إليه مجرد موطن؛ فقد أصبحت عالمًا تتجاور فيه الثقافات والأديان، وتتقاطع فيه حياة الناس مع تاريخ السلطات المتعاقبة.
درس في جامعات زغرب وفيينا وكرakov، وتوقفت دراسته مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، بعد اعتقاله بسبب نشاطه المناهض للحكم النمساوي. ترك السجن والاضطراب السياسي أثرهما في كتاباته الأولى، حيث يظهر الفرد وحيدًا أمام الخوف والألم وأسئلة الحرية. لكنه لم يبقَ أسير تجربته الشخصية فقد أخذ يبحث عن أشكال أدبية تنقل القلق من الذات إلى مصائر الآخرين.
بدأ بالشعر، وشارك عام 1914 في مجموعة Hrvatska mlada lirika، أي «الشعر الغنائي الكرواتي الشاب». ثم نشر Ex Ponto عام 1918، وNemiri عام 1919، وهما من أعمال النثر الشعري التي حملت آثار الحرب والسجن والعزلة. تبدو الذات فيهما منشغلة بمواجهة الألم وفهم العالم، فيما تتخذ اللغة شكل الاعتراف والتأمل. كانت هذه بداية وجدانية، لا محطة انتهى عندها؛ فالسؤال عن الإنسان الذي تحاصره الظروف سيبقى حاضرًا، وإن تغيّرت طريقة التعبير عنه.
عام 1920 نشر Put Alije Djerzeleza، المعروف بالإنجليزية باسم The Journey of Ali Djerzelez. هنا أخذت الكتابة تبتعد عن الاعتراف المباشر، وتتجه إلى الحكاية والشخصية والمجتمع. يصطدم البطل بصورته عن نفسه وبالواقع الذي لا يستجيب لتوقعاته، وتظهر المسافة بين البطولة المتخيلة والإنسان الفعلي. لم تعد البوسنة خلفية للأحداث، بل صارت عالمًا تتكشف فيه الرغبة والكرامة والضعف من خلال سلوك الناس وعلاقاتهم.
خلال عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، تركز عمل أندريتش على القصة القصيرة، ونشر مجموعات بعنوان Pripovetke، أي «قصص»، في أعوام 1924 و1931 و1936. في هذه المرحلة اتسعت قدرته على تحويل الوقائع المحدودة إلى حكايات تحمل تاريخ المكان وذاكرته. في الجسر على نهر جيبا (The Bridge on the Žepa)، يتقدم البناء الحجري من واقعة تاريخية إلى سؤال عن العمل والخلود وما يتركه الإنسان وراءه. وفي أزمنة أنيكا (Anika’s Times)، يتشابك مصير الفرد مع نظرة المجتمع وأحكامه. أما محظية الباشا (The Pasha’s Concubine) فتضع المرأة في مواجهة علاقات القوة والتبعية، وتكشف كيف يمكن للسلطة أن تدخل أكثر المساحات خصوصية في الحياة.
لم يكن تطور أندريتش انتقالًا من الشعر إلى النثر فحسب، بل انتقالًا من التعبير عن القلق إلى تجسيده في شخصيات وأمكنة وعلاقات. ما كان يظهر في البدايات شعورًا فرديًا صار يتكشف من خلال حكاية تتناقلها الألسن، أو مدينة تتغير سلطاتها، أو شخصية تضيق حياتها حول خوف لا تستطيع التحرر منه. وبهذا أخذت القصة عنده تجمع بين ملاحظة النفس البشرية وذاكرة الجماعة، من دون أن تفقد التفاصيل اليومية الصغيرة التي تمنح الحكاية حياتها.
حصل أندريتش على الدكتوراه من جامعة غراتس عام 1923، بأطروحة تناولت الحياة الروحية في البوسنة تحت تأثير الحكم العثماني. وعمل في السلك الدبلوماسي اليوغوسلافي، وتنقل بين عواصم أوروبية، قبل أن ينتهي به الأمر في برلين قبيل الحرب العالمية الثانية. وقد أتاح له العمل الدبلوماسي الاطلاع على السياسة الأوروبية، فيما ظل اهتمامه الأدبي منصبًا على البوسنة، وعلى الطريقة التي تتقاطع بها القوى الخارجية مع حياة سكانها. وعندما عاد إلى بلغراد بعد الغزو الألماني ليوغوسلافيا عام 1941، عاش سنوات الحرب في عزلة نسبية، وكتب الأعمال الروائية الثلاثة التي نُشرت عام 1945.
في الجسر على نهر درينا (Na Drini ćuprija)، لا يستند البناء إلى حياة بطل واحد، بل إلى جسر يبقى في مكانه بينما تتغير الأجيال من حوله. تبدأ الرواية من إنشاء الجسر في القرن السادس عشر، وتتبع حياة البلدة عبر قرون من التحولات، حتى الحرب العالمية الأولى. عند الجسر تجتمع الحكايات والأفراح والمآسي، وتتجاور الجماعات في العمل والخصومة والعيش اليومي. يمنح البناء الثابت الرواية استمراريتها، لكنه لا يجعل الجسر خارج الزمن؛ فهو أيضًا يتعرض للتغير والضرر. ومن خلال هذا المركز، تتراكم حيوات الأفراد لتصنع ذاكرة مجتمع لا يستطيع أي شخص منفرد أن يمثلها كاملة.
أما وقائع ترافنيك (Travnička hronika) فتنتقل إلى مطلع القرن التاسع عشر، حين تتقاطع المصالح العثمانية والنمساوية والفرنسية في مدينة بوسنية. لا يتقدم العمل عبر قرون طويلة كما في رواية الجسر، بل من خلال الاحتكاك بين ثقافات ومصالح ونظرات مختلفة إلى العالم. لكل طرف تصوراته ومخاوفه، ولا يملك أحدهم تفسير المدينة أو سكانها وحده. تكشف الرواية قدرة أندريتش على بناء مشهد تاريخي متعدد الأصوات، لكنها تفتح أيضًا مجالًا للسؤال النقدي هل تمنح هذه الرؤية الشخصيات العادية حضورًا مستقلًا، أم يطغى أحيانًا منظور القوى السياسية والثقافية على حياتها الخاصة؟
وفي الآنسة (Gospođica، المعروفة بالإنجليزية باسم The Woman from Sarajevo)، يضيق المشهد من التاريخ العام إلى مصير فردي. تعيش الشخصية تحت وطأة خوفها من خسارة المال، حتى يتحول الحرص الذي تتخذه وسيلة للأمان إلى قوة تستنزف حياتها وعلاقاتها. لا تحتاج الرواية هنا إلى جسر يجمع الأجيال أو مدينة تتصارع فيها الإمبراطوريات؛ يكفي أن نرى كيف تستولي فكرة واحدة على الإنسان، وتعيد تشكيل اختياراته حتى يصبح ما يحميه هو نفسه ما يسجنه. وتكشف الأعمال الثلاثة المنشورة عام 1945 عن تنوع نضجه: تاريخ جماعة في الجسر على نهر درينا، وصراع ثقافي وسياسي في وقائع ترافنيك، وحياة فرد تنغلق حول هاجسها في الآنسة. ولا يعني هذا التنوع أن جميع الشخصيات تتمتع بالدرجة نفسها من الاستقلال؛ ففي الرواية التي تهيمن عليها فكرة نفسية مركزية، يبقى السؤال قائمًا حول مقدار ما يتجاوز به الإنسان هاجسه، ومقدار ما يصبح تجسيدًا له.
عاد أندريتش إلى أجواء الاحتجاز والسلطة والحكايات المتشابكة في الفناء الملعون (Prokleta avlija)، الصادر عام 1954. يُحتجز الراهب الفرنسيسكاني فرا بيتر في سجن بإسطنبول، حيث تتداخل روايات السجناء وأحكام الآخرين، وتصبح الحقيقة صعبة الفصل عن الشائعة والتأويل. لا يقتصر السجن على الجدران؛ فكل شخصية محاصرة بما تعرفه وما تجهله عن الآخرين. ومن خلال الحكايات المتداخلة، يعود أندريتش إلى سؤال قديم في تجربته: كيف نفهم مصائر الناس حين لا نملك سوى أجزاء من قصصهم؟
وفي مجموعة وجوه (Lica) الصادرة عام 1960، واصل اهتمامه بالشخصيات والطبائع الإنسانية. كما تكشف *ملاحظات عن غويا* (Zapisi o Goji) عن تأمله في الفن والفنان وعلاقته بالعالم. لم يكن التاريخ عند أندريتش سجلًا للأحداث والحكام والحروب، بل مادة تكشف أثر الزمن في البشر، وما يصنعونه من حكايات وذكريات لمواجهة زوالهم. وتمتاز كتابته بالوضوح والتفاصيل الدقيقة، وبقدرتها على منح الحكاية مجالًا كي تكشف معناها من غير أن تشرح كل ما يمكن للقارئ أن يستنتجه بنفسه.
نال أندريتش جائزة نوبل للآداب عام 1961، تقديرًا «للقوة الملحمية التي تتبع بها الموضوعات وتصوّر المصائر البشرية المستمدة من تاريخ بلاده». لم يكن التكريم احتفاءً بتاريخ البوسنة وحده، بل بالطريقة التي جعل بها هذا التاريخ مجالًا لفهم الإنسان. ومع ذلك، لا تجعل الجائزة جميع جوانب تجربته بمنأى عن النقد؛ فقد يؤدي اتساع المشهد التاريخي أحيانًا إلى تفاوت حضور الشخصيات، كما أن تصوير التعدد الثقافي لا يعفينا من مساءلة الزوايا التي تنظر منها الرواية إلى الجماعات المختلفة. لكن هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية مشروعه، بل تجعل قراءته أكثر جدية من الاكتفاء بتمجيد مكانته.
انتقل أندريتش من نثر شعري ينصت إلى قلق الفرد إلى فن سردي يتتبع مصائر الناس عبر الأجيال، ومن التجربة الشخصية إلى التاريخ، من دون أن يفقد اهتمامه بما يحدث داخل الإنسان. لم يكن مؤرخًا يضيف إلى الوقائع لغة أدبية، بل روائيًا وجد في التاريخ مادة لفهم الإنسان، وفي الإنسان طريقًا إلى قراءة التاريخ. وربما تكمن قوة أدبه في أن الجسر، بعد أن حمل أجيالًا من العابرين، لم يعد مجرد بناء في مدينة بعيدة؛ صار صورة لما يتركه البشر وراءهم، ولما يبقى من حياتهم حين يمضي الزمن وتتغير السلطات وتختفي الوجوه.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
- سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ...
- بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...
- الكتاب المحفوظ
- بار لاغركفيست Pär Lagerkvist الوجود في مرآة الشر والشك
- برهان دوغانجاي Burhan Doğançay مدينة تُقرأ على الجدران
- سهراب سپهري Sohrab Sepehri الأشياء حين تستعيد دهشتها
- شوان كمال النحت بين الجذور الكردية والفضاء الأوروبي
- ضياء العزاوي Dia al-Azzawi تعدد التجربة ووحدة الفن
- برتراند راسل Bertrand Russell الفيلسوف والمفكر والكاتب
- العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك


المزيد.....




- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...
- فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي ...
- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...
- تضميد جراح الحرب والذكريات.. أب وابنته يرممان سجادا عمره قرو ...
- فرقة -آي يولا- البشكيرية تدخل الجولة الأولى من التصويت لجوائ ...
- الذكاء الاصطناعي يعيد بانديراس شابا في فيلم عن غزو المكسيك
- بمشاركات قياسية.. -كتارا- تتوج الفائزين بجائزتها للرواية الع ...
- رواية -صفر فاصل خمسة-.. كيف يهرب الإنسان من واقعه إلى سجون ا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية