أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - الشعر العراقي الحديث… حوار الأجيال وتحولات القصيدة















المزيد.....

الشعر العراقي الحديث… حوار الأجيال وتحولات القصيدة


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 14:14
المحور: الادب والفن
    


حداثة الشعر في العراق… ذاكرة تتسع لأكثر من صوت

إن الاحتفاء برواد الحداثة الشعرية في العراق مناسبة ثقافية مهمة، تستعيد أثر بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري في تغيير مسار القصيدة العربية. غير أن قيمة هذه المناسبة لا تمنعنا من طرح سؤال أوسع هل نقرأ الحداثة بوصفها لحظة تأسيس ارتبطت بأسماء محددة، أم حركة متواصلة أسهمت فيها أجيال وتجارب متعددة. إن تكريم الرواد لا يقتضي إغلاق التاريخ عندهم، والاعتراف بمن جاء بعدهم لا ينتقص من مكانتهم بل يساعدنا على فهم ما أنجزوه وما فتحوه من طرق أمام الشعر.
ولا يستقيم الحديث عن بدايات الشعر الحر من دون نازك الملائكة، التي أسهمت مع السياب في التحول المبكر نحو القصيدة الجديدة. فقد نشرت «الكوليرا» عام 1947، ثم وسّعت تجربتها النقدية في «قضايا الشعر المعاصر». ولم تكن أهميتها في تغيير الإيقاع وحده، بل في مشاركتها في بناء وعي جديد بشكل القصيدة وشروطها. ولا يعني إنصافها إقصاء السياب أو غيره من رواد المرحلة فالأدق أن نفهم الريادة بوصفها تفاعل تجارب متقاربة، لا سباقًا ينتهي إلى فائز واحد. وقد اختلفت تجارب الرواد في علاقتها بالمدينة والأسطورة والسياسة والإنسان، وهو ما يمنح تلك المرحلة ثراءها الحقيقي.
أما سعدي يوسف، فقد مثّل مسارًا لاحقًا في تجديد القصيدة العربية، واتخذ من الحياة اليومية مجالًا أساسيًا لشاعريته. وُلد في أبي الخصيب بالبصرة عام 1934، وعاش تجربة سياسية ومنفى طويلًا، وتنقل بين بلدان عربية وأوروبية قبل أن يستقر في لندن، حيث توفي عام 2021. عمل في التعليم والصحافة والتحرير والترجمة، ولم تكن حياته منفصلة عن التحولات العراقية التي شهدها عصره. لكن أهميته الشعرية لا تقوم على سيرته السياسية وحدها، ولا على ما عاشه من غربة، بل على ما استطاع أن يحوّله من التجربة إلى قصيدة.
خصوصية سعدي يوسف أنه اكتشف الشعر في الأشياء المألوفة, الشارع والبيت والشجرة والوجه العابر، وفي تفاصيل قد تمر من دون أن نلتفت إليها. لم يكن ينقل الواقع كما تراه العين فحسب، بل يعيد بناءه بحساسية الشاعر، فتكتسب الأشياء العادية دلالة تتجاوز ظاهرها. ومن هنا تأتي أهمية الاقتصاد في لغته، ودقة صوره، وابتعاده عن الخطابة والتفخيم. فاليومي عنده ليس موضوعًا بسيطًا في ذاته؛ إنه طريقة في النظر إلى الحياة، يستطيع من خلالها أن يلامس الذاكرة والمنفى والفقد والتحولات الاجتماعية من غير أن يحمّل كل مشهد عبء الرمز الكبير.
هذه الخصوصية هي الحجة الأهم في الدفاع عن مكانته ضمن تاريخ الحداثة. فالتجديد لا يعني تغيير شكل القصيدة وحده، ولا استخدام لغة غريبة أو صور معقدة إنه تغيير في علاقتنا بالعالم، واكتشاف لما لم نكن نراه في الأشياء المألوفة. وقد استطاع سعدي، عبر مسار طويل ومتعدد، أن يمنح الحياة اليومية مكانة مركزية في شعره، وأن يجعل التفاصيل الصغيرة حاملة لتجربة إنسانية أوسع. وتتيح أعماله، ومنها «الأخضر بن يوسف ومشاغله» و«أشجار إيثاكا» و«الشيوعي الأخير»، قراءة تحولات صلته بالمكان والذاكرة والسياسة والمنفى. كما أن ترجماته لشعراء من ثقافات مختلفة أسهمت في توسيع حوار الشعر العربي مع التجارب العالمية. ومن هنا يمكن مناقشة حضوره خارج العربية على أساس منجزه وخصوصيته، لا من خلال ادعاءات غير موثقة عن ترشيحه لجائزة نوبل أو استحقاقه لها بوصفه حقيقة محسومة.
ويستحق عبد الكريم كاصد أن يُقرأ ضمن هذا المسار اللاحق، لا بوصفه نسخة من سعدي يوسف، بل صاحب تجربة مستقلة. وُلد في البصرة عام 1946، ودرس الفلسفة في دمشق، وعمل في التعليم والصحافة، ثم عاش تجربة المنفى متنقلًا بين بلدان عدة قبل إقامته في لندن. وتكشف دواوينه، من «الحقائب» إلى «النقر على أبواب الطفولة» و«الشاهدة»، عن مسار شعري يستحق قراءة خاصة في علاقته بالذاكرة والمكان واللغة. كما أن عمله في الترجمة وانفتاحه على أشكال شعرية مختلفة يضيفان بعدًا إلى تجربته. وليس المطلوب أن نساويه بسعدي في المكانة أو التأثير، بل أن نقرأ ما يخصه ونحدد إضافته من خلال نصوصه، لا من خلال المجاملة أو المقارنة وحدهما.
لكن الذاكرة الشعرية العراقية تظل ناقصة إذا حصرت تاريخ الحداثة في الشعر المكتوب بالعربية وحدها. فالشعر الكردي شهد بدوره تحولات مهمة، ويبرز عبد الله كوران، الذي عاش بين عامي 1904 و1962، بوصفه أحد الأسماء الأساسية في تحديث القصيدة الكردية. فقد أسهم في تجديد أشكالها وإيقاعاتها، وفي توسيع موضوعاتها وتعبيراتها، مع الإفادة من التراث الشعبي والانفتاح على الشعر الحديث. ولا ينبغي أن نفصل إسهامه عن السياق الثقافي والاجتماعي الذي نشأ فيه، أو أن نحوله إلى مؤسس وحيد لحركة شاركت في تشكيلها تجارب متعددة.
أما شيركو بيكس، الذي عاش بين عامي 1940 و2013، فقد جاء في مرحلة لاحقة، ووسّع إمكانات الشعر الكردي الحديث عبر التجريب وتطوير الصورة والبناء الشعري، مع حضور واضح لقضايا الإنسان والطبيعة والذاكرة والحرية. وتتيح تجربته أن نرى كيف تواصلت الحداثة الكردية وتغيرت عبر الأجيال، وكيف استطاع الشعر أن ينطلق من تجربة محلية إلى أسئلة إنسانية أوسع. وليس من الدقة دمج كوران وبيكس في تاريخ الشعر العربي أو التعامل معهما بوصفهما ملحقًا به؛ فلكل منهما لغته وسياقه وإسهامه، وكلاهما جزء من تاريخ الحداثة الشعرية في العراق بلغاته المتعددة.
إن الجمع بين هذه الأسماء لا يعني المساواة بين تجاربها أو تجاهل الفروق التاريخية بينها. فهناك فرق بين ريادة التأسيس، والتجديد الذي تلاها، وتطور الحداثة في تقاليد شعرية مكتوبة بلغات أخرى. لكن اختلاف المسارات لا يبرر أن تتحول قائمة تكريم محددة إلى صورة نهائية لتاريخ الشعر. فالمهرجان الذي يخصص برنامجه لثلاثة شعراء ليس ملزمًا بأن يضم كل الأسماء الجديرة بالدراسة غير أن الحديث الأوسع عن الحداثة يظل مفتوحًا على أسئلة تتجاوز حدود أي فعالية.
ومن هنا فإن استعادة سعدي يوسف، والتنبيه إلى مكانة نازك الملائكة، وقراءة تجربة عبد الكريم كاصد، والاعتراف بإسهام عبد الله كوران وشيركو بيكس، ليست مطالبة بإزاحة أسماء لصالح أخرى، بل دعوة إلى توسيع مفهوم الريادة نفسه. ولا نحتاج إلى افتراض محاباة أو إقصاء متعمد كي نطرح هذا السؤال يكفي أن نؤمن بأن التاريخ الأدبي يحتاج إلى مراجعة مستمرة، وأن الاعتراف الثقافي ينبغي أن يستند إلى المنجز، لا إلى العلاقات أو الاصطفافات.
إن الحداثة الشعرية في العراق ليست ملكًا لجيل واحد أو لغة واحدة. لقد تأسست في تجارب، ثم واصلت التحول في تجارب أخرى، وتعددت رؤاها وأشكالها وصلاتها بالواقع. والوفاء للرواد لا يتحقق بتكرار أسمائهم وحده، بل بقراءة ما أنجزوه، ومتابعة ما تفرع عن تجاربهم، والاعتراف بكل شاعر أسهم، بلغته وطريقته، في توسيع إمكانات القصيدة. فالمطلوب ليس أن تصبح قائمة المكرّمين أطول فحسب، بل أن تصبح ذاكرتنا الأدبية أوسع وأدق وأكثر إنصافًا.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جان بول سارتر... حرية الاختيار وثقل الوجود
- جورجوس سيفيريس Giorgos Seferis ماضي اليونان وأسئلة الإنسان
- معتز رشدي حديث الجراح بالشعر
- جون شتاينبك John Steinbeck واقعية تنصت إلى المقهورين
- منازل الحياة
- إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية
- سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
- سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ...
- بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...
- الكتاب المحفوظ
- بار لاغركفيست Pär Lagerkvist الوجود في مرآة الشر والشك


المزيد.....




- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...
- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - الشعر العراقي الحديث… حوار الأجيال وتحولات القصيدة