أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - جورجوس سيفيريس Giorgos Seferis ماضي اليونان وأسئلة الإنسان















المزيد.....

جورجوس سيفيريس Giorgos Seferis ماضي اليونان وأسئلة الإنسان


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 11:55
المحور: الادب والفن
    


جورجوس سيفيريس ذاكرة اليونان في اغتراب الإنسان

وُلد جورجوس سيفيريس (Giorgos Seferis)، واسمه الأصلي جورجيوس سيفرياديس، في 29 فبراير 1900 في أورلا، قرب سميرنا على ساحل آسيا الصغرى، في منطقة تقع اليوم ضمن تركيا. نشأ في أسرة مثقفة كان والده ستيليوس أستاذاً للقانون ومحامياً ومترجماً، وانتقلت الأسرة إلى أثينا عام 1914. وفي عام 1918 سافر سيفيريس إلى باريس لدراسة القانون في جامعة السوربون. غير أن التحولات التي عاشها وطنه تركت أثراً أعمق من الدراسة ففي عام 1922، بعد انهيار الحملة العسكرية اليونانية في آسيا الصغرى، شهدت سميرنا أحداثاً عنيفة رافقها تهجير واسع لليونانيين، وفقدت أسر كثيرة موطنها القديم. ظل هذا الاقتلاع حاضراً في ذاكرة الشاعر، لا باعتباره حادثة تاريخية فحسب، بل تجربة كشفت له هشاشة العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين ما يظنه المرء ملكاً دائماً وما يمكن أن يفقده في لحظة. ومن هذه التجربة أخذ يتشكل أحد المحاور الأساسية في شعره: وطن يسكن الذاكرة حتى حين يتعذر الرجوع إليه.
عاد سيفيريس إلى اليونان والتحق بالخدمة الدبلوماسية عام 1926، فتنقل بين بلدان عدة، وجمع بين عمله الرسمي واشتغاله بالأدب والترجمة. أتاح له السفر الاطلاع على تجارب ثقافية مختلفة، لكنه عمّق أيضاً إحساسه بالاغتراب، خصوصاً حين اضطر إلى مغادرة بلاده خلال الحرب العالمية الثانية مع الحكومة اليونانية التي واصلت نشاطها في الخارج أثناء الاحتلال. عاش في كريت ومصر وجنوب أفريقيا وإيطاليا، ثم عاد إلى أثينا بعد الحرب. لم يكن المنفى في تجربته موضوعاً منفصلاً عن حياته، بل حالة امتزج فيها فقد المكان باضطراب التاريخ، وأصبح الرحيل سؤالاً عن الهوية والذاكرة والمصير. وفي المسافة بين الوطن الغائب والإنسان الذي يحاول الاحتفاظ بصلته به، وجد سيفيريس مادته الشعرية، من دون أن يحوّل تجربته إلى شكوى مباشرة أو يكتفي برثاء الماضي.
صدرت مجموعته الأولى «ستروفي» (Strofí) عام 1931، ويُترجم معناها إلى «الانعطاف» أو «نقطة التحول»، ثم «ستيرنا» (Sterna) عام 1932، التي تعني «الصهريج». وفي عام 1935 نشر «ميثيستوراما» (Mythistorema)، وهو من أهم أعماله الشعرية. كان يبحث عن لغة تتجاوز الأساليب الموروثة من دون أن تقطع صلتها بجذورها، مستفيداً من الشعر الرمزي ومن التحولات التي شهدها الأدب الأوروبي الحديث. لم يكن التجديد عنده مجرد تغيير في الشكل أو استعراض للصور، بل محاولة للوصول إلى التجربة الإنسانية بلغة أكثر اقتصاداً وإيحاءً. وقد أسهم اطلاعه على الشعر الحديث، ولا سيما تجربة ت. س. إليوت، في توسيع رؤيته للعلاقة بين الماضي والحاضر؛ فالتاريخ والأسطورة يمكن أن يظهرا في القصيدة الحديثة لا بوصفهما زينة ثقافية، بل جزءاً من وعي الإنسان بأزمته. ترجم سيفيريس «الأرض الخراب» لإليوت إلى اليونانية، لكن علاقته بالشعر الأوروبي لم تعنِ التخلي عن خصوصيته الوطنية؛ فقد كان يبحث عن حداثة تنبع من لغته وتجربته، لا عن تقليد نموذج أجنبي.
يتألف «ميثيستوراما» من أربعة وعشرين مقطعاً شعرياً يستلهم فيها الشاعر الأسطورة الإغريقية، وخصوصاً أصداء رحلة أوديسيوس، ليقرأ بها واقع الإنسان الحديث. لم تعد الأسطورة حكاية مكتملة تنتمي إلى زمن بعيد، بل أصبحت ذاكرة تتحرك داخل الحاضر، وتكشف التناقض بين ما يرثه الإنسان من تاريخ وما يواجهه في حياته الفعلية. فاليوناني المعاصر يحمل لغة وثقافة وذاكرة عريقة، لكنه يعيش عالماً لا تمنحه فيه تلك الموروثات خلاصاً جاهزاً. ومن هنا جاءت خصوصية سيفيريس: لم يستدعِ الماضي ليحتفي بأمجاده وحدها، بل ليختبر ما بقي منه في الوعي الإنساني، وما يثيره من أسئلة عن الانتماء والفقد والمصير. تتسم لغته بالاقتصاد، وصوره بالقدرة على الإيحاء، وتظل المسافة بين الصورة ومعناها مفتوحة، من دون أن ينقطع الشعر عن الحياة التي منحته ضرورته.
تتجلى هذه الرؤية بوضوح في قصيدته «ملك أسيني»، التي ظهرت ضمن «دفتر يوميات السفينة الأولى» (Logbook I) الصادر عام 1940. استلهم سيفيريس ملكاً ورد ذكره بإشارة مقتضبة في «الإلياذة»، ولم يبقَ من عالمه سوى الاسم وآثار مدينة قديمة. وخلال زيارته الموقع الأثري لأسيني، وجد الشاعر في الحجارة الصامتة مدخلاً إلى سؤال يتجاوز التاريخ والآثار: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يمضي زمنه؟ لا يستعيد الشاعر الملك المنسي ولا يعيد بناء حياته، بل يواجه حدود المعرفة والذاكرة؛ فالأثر يدل على وجود سابق، لكنه لا يستطيع أن يعيد صاحبه كاملاً. هكذا تتحول الآثار إلى تأمل في الفناء، وتصبح المدينة القديمة صورة لكل ما يتركه الإنسان خلفه من دون أن يضمن بقاء معناه. لا تكمن قوة القصيدة في تمجيد الماضي، بل في الإصغاء إلى صمته، وفي جعل الغياب نفسه حاضراً في التجربة الشعرية.
جاءت سنوات الحرب لتمنح هذه الأسئلة بعداً أشد قسوة. نشر سيفيريس «دفتر التمارين» و«دفتر يوميات السفينة الأولى» عام 1940، ثم صدرت «دفتر يوميات السفينة الثانية» في طبعة خاصة بالإسكندرية عام 1944، تلتها طبعة أثينا عام 1945. وفي عام 1947 نشر «كيخلي» (Kíchli)، وهو عنوان يوناني يُترجم في الإنجليزية إلى *The Thrush*، أي طائر السُّمنة؛ لذلك نحتفظ هنا بالعنوان منقولاً صوتياً، من دون افتراض وجود ترجمة عربية منشورة ومعتمدة. تتداخل في أعمال هذه المرحلة الذاكرة والبحر والرحيل والخراب، فيما يتحول الوطن إلى تجربة يحملها الإنسان معه حتى حين يفقد القدرة على العودة إليه. ثم عاد إلى أجواء التاريخ والمنفى في «دفتر يوميات السفينة الثالثة» عام 1955، الذي صدر أولاً بعنوان «قبرص، حيث قُدّر لي» قبل أن يستقر ضمن أعماله المجموعة تحت العنوان المعروف. لم يتعامل سيفيريس مع الحرب بوصفها مناسبة لصناعة البطولة أو الخطابة، بل اهتم بما تتركه في الإنسان من تصدع، وبالمصير الذي يواجهه حين يفقد المكان الذي يمنحه الاستقرار. وفي شعره لا تتحول الذاكرة إلى ملاذ مريح؛ فهي تحفظ الوطن، لكنها تذكّر أيضاً باستحالة استعادته كما كان.
لم تقتصر تجربة سيفيريس على الشعر فقد كتب المقالات والدراسات الأدبية، وصدرت مجموعته النقدية «دوكيميس» (Dokimes)، أي «دراسات» أو «مقالات»، في القاهرة عام 1944، ثم ظهرت لها طبعات موسعة لاحقاً. كما ترجم أعمالاً أدبية من لغات أخرى. وكان اهتمامه باللغة اليونانية الحية متصلاً برؤيته للثقافة بوصفها تجربة متواصلة، لا تراثاً محفوظاً في الكتب وحدها. وعندما منحته الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للأدب عام 1963، أصبح أول يوناني ينالها، تقديراً لشعره الغنائي المستلهم من عمق الثقافة الهيلينية. غير أن أهمية الجائزة لم تكن في تكريم شاعر يستعيد ماضي بلاده فحسب، بل في الاعتراف بقدرته على تحويل ذلك الماضي إلى تجربة حديثة تتجاوز حدودها المحلية. وفي محاضرته في ستوكهولم تحدث عن تقاليد الأدب اليوناني الحديث، وعن اللغة والشعراء الذين أسهموا في تشكيلها، مؤكداً، في جوهر تجربته، أن التراث لا يظل حياً إلا حين يدخل في حركة الحياة ويستجيب لأسئلة الأجيال الجديدة.
وعندما استولى الحكم العسكري على اليونان عام 1967، لم يتردد سيفيريس في اتخاذ موقف علني منه. ففي 28 مارس 1969 أصدر بياناً بثته هيئة الإذاعة البريطانية، انتقد فيه الدكتاتورية وما أحدثته من قمع للحريات وإفساد للحياة العامة. كان موقفه امتداداً لعلاقة لم تنقطع بين الشعر ومسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه؛ فالكلمة التي تبحث عن الحقيقة في التجربة الفردية لا تستطيع أن تتجاهل ما يحدث في المجال العام. توفي سيفيريس في أثينا في 20 سبتمبر 1971، وشهدت جنازته مشاركة شعبية واسعة ارتبطت بالاحتجاج على الحكم العسكري. ترك تجربة شعرية لا تقوم على كثرة الإنتاج بقدر ما تقوم على تماسك رؤيتها واقتصاد لغتها وقدرتها على وصل الذاكرة الشخصية بالتاريخ الوطني. لقد ظل الماضي اليوناني حاضراً في شعره، لكنه لم يكن عالماً مثالياً يعود إليه هرباً من الحاضر كان مرآة يرى فيها الإنسان ما فقده، وما بقي منه، وما لا يستطيع أن يحسمه من أسئلة الوجود. ومن هنا جاءت قوة سيفيريس أن يجعل خصوصية المكان طريقاً إلى تجربة الإنسان، وأن يمنح الذاكرة صوتاً من دون أن يوهمنا بأن ما ضاع يمكن استعادته كاملاً.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معتز رشدي حديث الجراح بالشعر
- جون شتاينبك John Steinbeck واقعية تنصت إلى المقهورين
- منازل الحياة
- إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية
- سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
- سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ...
- بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...
- الكتاب المحفوظ
- بار لاغركفيست Pär Lagerkvist الوجود في مرآة الشر والشك
- برهان دوغانجاي Burhan Doğançay مدينة تُقرأ على الجدران
- سهراب سپهري Sohrab Sepehri الأشياء حين تستعيد دهشتها


المزيد.....




- الحياة الاجتماعية العثمانية في سياحتنامه أوليا جلبي.. التعلي ...
- الإعلان عن 11 مسرحية مصرية في النسخة الـ 7 من موسم الرياض
- العودة إلى الأساطير.. لماذا يتهافت الإيرانيون على ملحمة الفر ...
- -لا تقولي حظا سعيدا-.. فيلم عن النضج والحزن ومواصلة الحياة
- -كلايفيس-.. رهان جديد يمزج الرعب بأفلام الأبطال الخارقين
- فيلم «بَكْمَة».. صرخة سينمائية تونسية في وجه التهميش والعنف ...
- روسيا.. هرم من الطراز المصري يزين حدائق كاترين الثانية في ضو ...
- سياسة الرغبة.. كيف يؤيد الإنسان السلطة التي تستغله وتقمعه؟
- -يمكنك رؤية كل شيء- يحقق أكبر افتتاحية لفيلم وثائقي منذ عقود ...
- نبيل فهمي: دعم لبنان ووحدة أراضيه أولوية عربية.. ونسعى لترجم ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - جورجوس سيفيريس Giorgos Seferis ماضي اليونان وأسئلة الإنسان