هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 23:36
المحور:
الادب والفن
جان بول سارتر... حرية الإنسان في مواجهة العالم
Jean-Paul Sartre (1905–1980)
وُلد جان بول سارتر في باريس عام 1905، وفقد أباه وهو رضيع، فنشأ في كنف أمه وجده لأمه، الذي عرّفه إلى الأدب. درس الفلسفة في المدرسة العليا للأساتذة، وتعرّف إلى سيمون دو بوفوار، التي أصبحت شريكته الفكرية والإنسانية طوال عقود. عاش في زمن الحروب والاحتلال وصعود الأنظمة الشمولية، ثم شهد الصراعات الأيديولوجية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. لم يكن فيلسوفًا يكتب عن الإنسان من خارج حياته فقد اتخذ من الرواية والمسرح والفلسفة والنقد وسائل متكاملة لفحص الحرية والاختيار والمسؤولية، وعلاقة الفرد بالعالم الذي يصنعه ويخضع في الوقت نفسه لشروطه.
تأثر تكوينه الفلسفي بهوسرل، ولا سيما منهجه الظاهراتي في دراسة الوعي، وبهايدغر وتحليله للوجود الإنساني، كما انشغل بتراث كيركغارد ونيتشه وهيغل، ثم بالماركسية في مرحلته اللاحقة. لكنه لم يكن مجرد ناقل لهذه الأفكار فقد سعى إلى بناء تصور يجعل الإنسان مسؤولًا عن تكوين نفسه، مع الاعتراف بأن حياته لا تبدأ من فراغ. وظهرت هذه الرؤية مبكرًا في روايته «الغثيان» (La Nausée، 1938)، من خلال أنطوان روكنتان، الذي يفقد إحساسه بالألفة مع الأشياء ويواجه الوجود في غرابته وغياب المعنى المسبق. لا تعتمد الرواية على الحدث المتصاعد بقدر اعتمادها على تحول الوعي نفسه إلى حدث فالأشياء التي اعتادها الإنسان تصبح موضع تساؤل، ويغدو وجودها مصدر قلق. وفي مجموعة «الجدار» (Le Mur، 1939)، يضع سارتر شخصياته أمام الموت والخوف والاختيار، كاشفًا ما يحدث حين تنهار التصورات التي يستند إليها الإنسان في فهم نفسه.
وفي المسرح وجد مجالًا لاختبار الأفكار في مواقف حية. تستلهم «الذباب» (Les Mouches، 1943) الأسطورة اليونانية لتطرح مسألة الحرية والذنب، بينما تجعل «لا مخرج» (Huis clos، 1944)، المعروفة أيضًا في بعض الترجمات بعنوان «خلف الأبواب الموصدة»، الشخصيات في مواجهة لا تنتهي مع نظرات الآخرين وأحكامهم. أما «الأيدي القذرة» (Les Mains sales، 1948) فتضع المبادئ تحت ضغط العمل السياسي، وتطرح سؤالًا لا يزال يتجاوز المسرحية: هل تستطيع الغاية العادلة أن تبرر الوسائل المستخدمة لتحقيقها؟ لا يقدم سارتر جوابًا أخلاقيًا جاهزًا، بل يكشف تعارض المبادئ والمصالح والضرورات، وما يترتب على الاختيار حين لا يكون أي طريق خاليًا من العواقب.
في كتابه الفلسفي «الوجود والعدم» (L’Être et le Néant، 1943)، ثم في محاضرته «الوجودية مذهب إنساني» (L’Existentialisme est un humanisme، 1946)، صاغ سارتر تصوره للإنسان بوصفه كائنًا لا يتلقى ماهيته ومعنى حياته مكتملين، بل يتشكل عبر أفعاله واختياراته. الحرية عنده ليست راحة أو قدرة مطلقة على فعل كل شيء، وإنما مسؤولية لا يستطيع الإنسان التخلص منها بمجرد إلقاء اللوم على الظروف. ومن هنا جاء مفهوم «سوء النية»، الذي يشير إلى خداع الإنسان لنفسه حين يتظاهر بأنه مجرد أداة أو دور اجتماعي، كي يتجنب مواجهة مسؤوليته.
لكن هذه الرؤية تفتح مشكلة أخلاقية لا تحسمها الحرية وحدها إذا لم تكن هناك قواعد جاهزة تكفي لتحديد الصواب في جميع المواقف، فكيف يميز الإنسان بين فعل يوسع حرية الآخرين وفعل يسلبهم إياها؟ أراد سارتر أن يعيد الأخلاق إلى مسؤولية الإنسان عن اختياراته، لا إلى الطاعة الآلية للمبادئ الموروثة. غير أن مشروعه الأخلاقي لم يكتمل في صورة نظرية نهائية تحل هذه المعضلة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة حين ننتقل من اختيارات الفرد إلى السياسة، حيث قد تتعارض الغايات المعلنة مع الوسائل المستخدمة لتحقيقها.
لم يفصل سارتر الكتابة عن الشأن العام. أسس مجلة «الأزمنة الحديثة» (Les Temps modernes) عام 1945، وجعل منها مجالًا للتدخل في النقاشات الفكرية والسياسية. لم ينظر إلى السياسة باعتبارها تنافسًا على الحكم فحسب، بل بوصفها ميدانًا تتحدد فيه إمكانات الإنسان الفعلية، وتتوزع فيه السلطة والموارد، وتُفرض فيه شروط قد تضيق حرية الأفراد. لذلك ارتبط التزامه بمقاومة الاستعمار والعنصرية والاستغلال، وبالدفاع عن حق البشر في المشاركة في صنع مصائرهم. وكان يرى أن الكاتب لا يستطيع عزل نفسه عن عالم الظلم بحجة استقلال الأدب فالكتابة، في تصوره، ليست منفصلة عن موقف صاحبها من المجتمع والتاريخ.
جمعته المرحلة نفسها بسيمون دو بوفوار، التي طورت في أعمالها، ولا سيما «الجنس الآخر»، تحليلًا للقيود الاجتماعية التي تشكل حياة النساء، وبموريس ميرلو-بونتي، الذي شاركه عددًا من الاهتمامات الفلسفية والسياسية قبل أن تتباعد مواقفهما. أما ألبير كامو، فقد تقاطعت معه أسئلة العبث والتمرد ومسؤولية الإنسان، ثم تحول التقارب إلى خلاف علني بعد صدور «الإنسان المتمرد» لكامو عام 1951، في سياق اختلافهما بشأن الثورة والعنف والحدود الأخلاقية للفعل السياسي. تكشف هذه العلاقات أن جيل سارتر لم يكن كتلة فكرية واحدة؛ فقد اشترك أفراده في الأسئلة الكبرى، لكنهم اختلفوا في الإجابات وفي ما يمكن قبوله من وسائل لتحقيق التغيير.
اقترب سارتر من الماركسية، لكنه لم ينضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، وسعى إلى الجمع بين الحرية الفردية وفهم الشروط الاجتماعية والتاريخية. وفي «نقد العقل الجدلي» (Critique de la raison dialectique، 1960)، اتجه إلى دراسة علاقة الفعل الفردي بالتاريخ والجماعة. فالإنسان يصنع تاريخه، لكنه لا يصنعه في ظروف يختارها بحرية كاملة؛ إنه يتحرك داخل علاقات ومؤسسات تحد من إمكاناته، ويحتاج إلى العمل الجماعي لتغييرها. غير أن الجماعة التي تنشأ من أجل التحرر قد تنتج بدورها تنظيمات وسلطات تقيد أفرادها. وهنا تتجسد المعضلة الأساسية في فكره السياسي كيف يمكن تغيير المجتمع من دون أن يتحول مشروع التحرر نفسه إلى سلطة تعيد إنتاج الخضوع. لم يجد سارتر حلًا نهائيًا لهذه المشكلة، كما أثارت بعض مواقفه من الاتحاد السوفيتي والحركات الشيوعية اعتراضات، وظهرت فجوة بين دفاعه عن الحرية وبعض خياراته السياسية. لذلك لا تكفي نواياه المعلنة للحكم على تجربته؛ بل ينبغي فحص الوسائل والنتائج أيضًا.
وامتد منهجه النقدي إلى دراسة الكتّاب أنفسهم. ففي «بودلير» (Baudelaire، 1947) و«سان جينيه، ممثلًا وشهيدًا» (Saint Genet, comédien et martyr، 1952)، حاول فهم علاقة الكاتب بتكوينه النفسي والاجتماعي وصورته عن نفسه. وفي مشروعه الواسع «أحمق العائلة» (L’Idiot de la famille، 1971–1972)، درس غوستاف فلوبير من خلال طفولته وعائلته وبيئته التاريخية، جامعًا بين التحليل النفسي والظروف الاجتماعية والتجربة الفردية. تكشف هذه الأعمال عن رغبته في فهم الكاتب بوصفه إنسانًا يتشكل داخل ظروف معينة، ثم يحاول أن يصنع منها مساره الخاص. غير أن هذا المنهج قد يحمّل السيرة شبكة تفسيرية كثيفة، بحيث يصبح العمل الأدبي أحيانًا أقرب إلى نتيجة لمسار نفسي واجتماعي منه إلى بناء فني له استقلاله وتعقيده.
وفي سيرته الذاتية «الكلمات» (Les Mots، 1964)، عاد إلى طفولته وعلاقته المبكرة بالقراءة والكتابة، لا ليستعيد ذكرياته فحسب، بل ليمتحن صورة الكاتب التي صنعتها الثقافة في نفسه. يكتب بسخرية ووعي نقدي عن أوهام المجد الأدبي وعن اعتقاده المبكر في المكانة الاستثنائية للكتابة. وتمنح هذه المراجعة الكتاب خصوصيته؛ فسارتر الذي جعل الأدب وسيلة للتدخل في العالم يعود هنا لمساءلة دوافعه هو، وللنظر في المسافة بين صورة الكاتب عن نفسه وحقيقته الإنسانية.
في العام نفسه مُنح جائزة نوبل في الأدب، لكن الأكاديمية السويدية لم تحصر اختيارها في رواية أو مسرحية بعينها، بل عللته بأن أعماله غنية بالأفكار، ومشبعة بروح الحرية والبحث عن الحقيقة، وقد تركت تأثيرًا واسعًا في عصره. وهذا التعليل يلخص اتساع حضوره فقد جمع بين الفلسفة والأدب والنقد والمشاركة العامة، وجعل أسئلة الوجود والحرية والمسؤولية جزءًا من الثقافة الحديثة، لا موضوعًا محصورًا في الكتب الفلسفية المتخصصة. ولا يعني ذلك أن الأكاديمية أصدرت حكمًا نهائيًا على كل جانب من جوانب تجربته، بل إنها قدّرت أثر مجمل أعماله في الفكر والأدب.
رفض سارتر الجائزة، متمسكًا برفض الأوسمة الرسمية التي قد تحول الكاتب إلى مؤسسة ثقافية أو تربط اسمه بسلطة لا يريدها. وكان قد اتخذ موقفًا مشابهًا من تكريمات رسمية أخرى. لم يكن رفضه إنكارًا لقيمة الأدب، بل اعتراضًا على ما قد يترتب على الاعتراف المؤسسي من صورة ومكانة. ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذا الموقف إلى دليل كافٍ على استقلاله الفكري في جميع خياراته، مثلما لا يصح أن يحجب الخلاف حول مواقفه السياسية القيمة الأدبية والفلسفية لأعماله.
تظل أهمية سارتر في أنه جعل الحرية والمسؤولية وعلاقة الفكر بالفعل موضوعات لا تنفصل عن حياة الإنسان في المجتمع والتاريخ. وقد تتقدم الفكرة في بعض أعماله على استقلال الشخصية أو على تعقيد البناء الفني، كما أن التزامه السياسي أوقعه في تناقضات تستحق النقد. لكن مشروعه يظل مفتوحًا على سؤال يتجاوز صاحبه: كيف يغير الإنسان العالم من دون أن يعيد إنتاج أشكال القهر التي أراد التخلص منها. لا تستمد قراءة سارتر ضرورتها من وجوب الاتفاق معه، بل من أن أدبه وفلسفته وتجربته العامة تضعنا أمام هذه المعضلة، من دون أن تمنحنا جوابًا نهائيًا عنها.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟