أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - شموئيل يوسف عجنون ونيلي زاكس… الكتابة من قلب التجربة















المزيد.....

شموئيل يوسف عجنون ونيلي زاكس… الكتابة من قلب التجربة


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 22:07
المحور: الادب والفن
    


شموئيل يوسف عجنون ونيلي زاكس… الذاكرة حين تصبح أدباً

في عام 1966، تقاسمت جائزة نوبل للأدب شخصيتان مختلفتان في التكوين والتجربة والشكل الأدبي الروائي شموئيل يوسف عجنون، الذي استمد جانباً أساسياً من فنه من حياة اليهود وتقاليدهم، والشاعرة نيلي زاكس، التي تحوّل الاضطهاد والمنفى في تجربتها إلى شعر يحمل ذاكرة الضحايا وأسئلة الإنسان أمام الموت. جمعتهما الجائزة، لكن لكل منهما طريقه الخاص إلى الأدب، ووسيلته المختلفة في التعبير عن الحياة وما تتركه في النفس من آثار.
وُلد شموئيل يوسف عجنون، واسمه الأصلي شموئيل يوسف تشاتشكس، سنة 1888 في بوتشاتش، ببلدة غاليسية كانت آنذاك ضمن الإمبراطورية النمساوية المجرية، وتقع اليوم في أوكرانيا. نشأ في أسرة يهودية متعلمة كان أبوه تاجراً للفراء وذا معرفة بالتراث الديني، فيما قرّبته أمه من الأدب الألماني. وفي هذه البيئة بدأ تكوينه الثقافي، فاطّلع على النصوص الدينية والحكايات التقليدية والأدب العبري، وانفتح في الوقت نفسه على الآداب الأوروبية. لم تكن هذه المؤثرات منفصلة في تجربته، بل أسهمت في تشكيل نظرته إلى الإنسان والمجتمع، وفي بناء لغته الروائية التي تستمد من الماضي من دون أن تكتفي بتكراره.
كانت بوتشاتش أكثر من مسقط رأسه فقد أصبحت مستودعاً لذاكرته الأدبية، بما احتوته من عادات وشخصيات وعلاقات اجتماعية وتقاليد متوارثة. وفي هذا العالم رأى الإنسان داخل حياته اليومية، وما ينشأ بين رغباته الشخصية وما تفرضه عليه الأسرة والجماعة، وبين الألفة التي يمنحها الموروث والتحولات التي تهدد استقرار الحياة. ومن هنا أخذت تتشكل خصوصية عجنون أن ينظر إلى عالمه من داخله، وأن يكتشف في تفاصيله الصغيرة ما يتجاوزها من تناقضات إنسانية.
لم يجعل عجنون التراث صورة مثالية للماضي، ولم يتعامل معه بوصفه مادة جاهزة للنقل. أعاد بناءه في قصص وشخصيات تتردد وتخطئ وتحب وتخيب آمالها، وتعيش صراعاتها داخل مجتمع له خصوصيته التاريخية والثقافية. وقد منحه اطلاعه على الأدب الأوروبي قدرة على الإفادة من أشكال السرد الحديثة، فيما ظل الموروث حاضراً في لغته وإيقاع الحكاية وطريقة تفكير الشخصيات. وهكذا نشأ أدب يجمع بين ذاكرة الجماعة وتعقيد الفرد، من دون أن يختزل أحدهما في الآخر.
في روايته «قصة بسيطة» A Simple Story، المنشورة سنة 1935، تكشف حياة تبدو عادية عن تعقيدات الرغبة والزواج والتوقعات العائلية. أما «ضيف الليلة» A Guest for the Night، المنشورة سنة 1939، فتقترب من تجربة العودة إلى البلدة القديمة، حين يجد الإنسان أن المكان الذي حفظته الذاكرة لم يعد مطابقاً لما يراه. وفي «أمس فقط» Only Yesterday، المنشورة سنة 1945، تتسع الرواية لتربط مصائر الشخصيات بتحولات اجتماعية وتاريخية أوسع. وتكشف هذه الأعمال عن قدرته على الانتقال من التفاصيل اليومية إلى صورة المجتمع، من دون أن يفقد اهتمامه بالإنسان المفرد.
وتبرز في أعماله معاناة فقدان العالم المألوف، وهي معاناة لا تقتصر على خسارة المكان، بل تشمل تغير العلاقات والعادات وطرائق الحياة. فالذاكرة لا تستطيع إعادة الماضي كما كان، لكنها تستطيع أن تحفظ بعض ملامحه وتمنحها حياة جديدة في الأدب. ولهذا لا تأتي العودة إلى العالم القديم عند عجنون حنيناً خالصاً، بل مواجهة بين ما بقي في الذاكرة وما تغير في الواقع. ومن هذه المسافة تنشأ قيمة السرد، إذ يصبح حفظ الماضي فعلاً إبداعياً يعيد النظر فيه ويكشف ما كان خافياً في تفاصيله.
أما لغته، فتتداخل فيها أصداء النصوص الدينية والحكايات التقليدية مع تقنيات الرواية الحديثة، من غير أن تفقد نبرتها الخاصة. لم يكن التراث عنده زينة لغوية، بل جزءاً من نسيج الحكاية ومن الطريقة التي تفهم بها الشخصيات حياتها. وقد أسهم هذا التكوين في تميّز فنه السردي، الذي استطاع أن ينطلق من تجربة اجتماعية محددة ليطرح أسئلة أوسع عن الذاكرة والانتماء والتغير ومصير الإنسان داخل عالم لا يبقى على حاله.
أما نيلي زاكس، واسمها الكامل ليوني زاكس، فقد وُلدت في برلين سنة 1891، في أسرة يهودية ميسورة من الطبقة الوسطى. تلقت جانباً كبيراً من تعليمها في المنزل بسبب اعتلال صحتها، واهتمت بالأدب والفنون منذ صغرها. بدأت الكتابة في سن مبكرة، وتأثرت بالأدب الألماني، كما ارتبطت بعلاقة مراسلة طويلة بالكاتبة السويدية سلمى لاغرلوف، التي كان لها أثر مهم في حياتها، ولا سيما حين أصبحت مغادرة ألمانيا مسألة تتصل بالنجاة.
لم تكن زاكس في بداياتها شاعرة المأساة التي عرفها العالم لاحقاً. فقد كتبت قصائد غنائية ونصوصاً نثرية، ولم يكن اسمها قد اكتسب مكانة أدبية واسعة. لكن صعود النازية منذ عام 1933، وما رافقه من اضطهاد لليهود، غيّر مسار حياتها. وفي مايو 1940، تمكنت من الفرار من ألمانيا إلى السويد مع أمها، بمساعدة أصدقاء وبفضل الصلات التي ربطتها بلاغرلوف. استقرت في ستوكهولم، حيث عاشت بقية حياتها حتى وفاتها سنة 1970، وواجهت صعوبات المنفى والتكيف مع بيئة جديدة، فيما ظلت الألمانية لغة كتابتها.
لم يكن المنفى بالنسبة إليها انتقالاً من بلد إلى آخر فحسب؛ فقد حمل معه فقدان الأمان والانفصال عن المكان الذي تشكلت فيه ذاكرتها، والوعي بمصير أعداد هائلة من اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد والقتل. ولم تبق هذه التجربة خلفية لسيرتها، بل أصبحت منبعاً أساسياً لتحولها الشعري. أخذت كتابتها تتجه إلى مصير الضحايا، وإلى ما تتركه الكارثة في الإنسان، وإلى قدرة اللغة على حفظ ما يهدده النسيان.
في مجموعتها «في مساكن الموت» In den Wohnungen des Todes، الصادرة سنة 1947، تتقدم المرثية إلى قلب التجربة الشعرية. تحاول زاكس أن تستعيد حضور الغائبين، وأن تمنحهم مكاناً في اللغة بعد أن سلبهم العنف بيوتهم وحياتهم. وفي «انطفاء النجوم» Sternverdunkelung، المنشورة سنة 1949، تتكثف صور الظلام والرماد والليل، ويصبح الكون نفسه جزءاً من لغة الألم. لكنها لا تكتب تقريراً تاريخياً عن الاضطهاد، بل تبحث عن لغة شعرية تستطيع الاقتراب من تجربة يصعب احتواؤها بالكلام المباشر، مستعينة بالرمز والأسطورة وأصداء التصوف اليهودي.
وفي مجموعة «الهرب والتحول» Flucht und Verwandlung، الصادرة سنة 1959، يتسع معنى المنفى ليشمل التحولات التي تصيب الإنسان بعد النجاة. فالخروج من الخطر لا يعيد الحياة إلى ما كانت عليه، والنجاة الجسدية لا تمحو آثار الفقد. ويصبح التحول محاولة لإعادة بناء العلاقة بالعالم من دون إنكار الماضي أو الادعاء بأن الزمن قادر وحده على شفاء الجراح. وامتد إبداعها إلى المسرح الشعري، ومن أعمالها «إيلي» Eli، حيث تتخذ المعاناة شكلاً درامياً ورمزياً يتجاوز حدود السيرة الفردية.
ومن الجوانب اللافتة في تجربتها أنها واصلت الكتابة بالألمانية، على الرغم من فرارها من ألمانيا وما ارتبط بها من اضطهاد. كانت هذه اللغة لغة طفولتها وتكوينها الأدبي، لكنها أصبحت أيضاً وسيلتها لمواجهة تاريخ الألم واستعادة أصوات ضحاياه. لم يكن تمسكها بها إنكاراً لما حدث، بل محاولة لتحويلها إلى أداة للشهادة الشعرية ومقاومة النسيان. وتكشف مراسلاتها مع الشاعر باول تسيلان عن صلة عميقة بين شاعرين جمعتهما اللغة الألمانية وتجربة الاضطهاد والمنفى، مع اختلاف صوت كل منهما وطرائقه الفنية.
في عام 1966، منحت الأكاديمية السويدية نيلي زاكس نصف جائزة نوبل للأدب تقديراً لكتابتها الغنائية والدرامية التي تناولت مصير الشعب اليهودي بقوة مؤثرة، فيما مُنح النصف الآخر لعجنون تقديراً لفنه السردي المميز، وما استمده من حياة الشعب اليهودي. وقد جمع التكريم بين شكلين مختلفين من الإبداع رواية تستعيد عالماً اجتماعياً وثقافياً وتكشف تناقضاته، وشعر يواجه آثار الاضطهاد والمنفى ويحاول أن يمنح الفقد لغة تحفظ الذاكرة الإنسانية.
لم يكن عجنون مجرد ناقل للتراث، بل فناناً أعاد تشكيله في شخصيات وحكايات وأسئلة تتجاوز زمانه. ولم تكن زاكس مجرد شاهدة على مأساة تاريخية، بل شاعرة استطاعت أن تحول التجربة إلى لغة فنية لا تختزل الضحايا في أرقام، ولا تجعل الألم خطاباً جاهزاً. استعاد الأول عالماً عاش في ذاكرته وأعاد بناءه في الرواية، وواجهت الثانية انهيار عالمها بالشعر والمسرح. وبينهما تتجلى قدرة الأدب على حفظ ما يهدده الزمن، ومواجهة ما يهدد الإنسان، ومنح التجارب الخاصة شكلاً يستطيع الآخرون أن يتعرفوا فيه إلى شيء من حياتهم ومخاوفهم وآمالهم.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميخائيل شولوخوف… وجوه الحياة في زمن العاصفة
- الشعر العراقي الحديث… حوار الأجيال وتحولات القصيدة
- جان بول سارتر... حرية الاختيار وثقل الوجود
- جورجوس سيفيريس Giorgos Seferis ماضي اليونان وأسئلة الإنسان
- معتز رشدي حديث الجراح بالشعر
- جون شتاينبك John Steinbeck واقعية تنصت إلى المقهورين
- منازل الحياة
- إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية
- سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
- سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ...
- بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...


المزيد.....




- بعد جدل الاعتذار.. علي الحجار يعود إلى مهرجان الموسيقى العرب ...
- في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة
- شخصية الميرزا في رواية -سلسلة النار-.. من بلاط الصفويين إلى ...
- -قطع اليد عقابا على التقصير- أو نشر ثقافة العمل على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لنقابة المهن التمثيلية في مصر
- الأحزاب العربية وحسابات المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت مع تق ...
- يحيى الفخراني يختتم عروض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي ...
- بين الوحدة والتشرذم.. كيف تطور التمثيل العربي في الكنيست؟
- ركين سعد تنوه لدور الهيئة الملكية الأردنية للأفلام في دعم -ب ...
- آلية توزيع المقاعد ونظام التمثيل النسبي في انتخابات الكنيست ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - شموئيل يوسف عجنون ونيلي زاكس… الكتابة من قلب التجربة