أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - ميخائيل شولوخوف… وجوه الحياة في زمن العاصفة















المزيد.....

ميخائيل شولوخوف… وجوه الحياة في زمن العاصفة


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 12:04
المحور: الادب والفن
    


ميخائيل شولوخوف… الإنسان في قلب التاريخ
Mikhail Sholokhov (1905–1984)

وُلد ميخائيل ألكسندروفيتش شولوخوف في 24 مايو/أيار 1905، في قرية كروجلين بمنطقة الدون في جنوب روسيا، وهي أرض ارتبط تاريخها بالقوزاق، وتقاليدهم الزراعية والعسكرية، وعلاقتهم الخاصة بالأرض والجماعة. كان والده ألكسندر يعمل في مهن مختلفة، منها الزراعة وتجارة المواشي والطحن، أما والدته أناستاسيا فجاءت من أصول فلاحية أوكرانية، وكانت أمية ثم تعلمت القراءة والكتابة لتتمكن من مراسلة ابنها. ولم تكن الأسرة من القوزاق المحليين بالمعنى الاجتماعي الدقيق، وهو تفصيل يساعد على فهم موقعها داخل مجتمع له تقاليده وطبقاته وانتماءاته الخاصة.
انتقلت الأسرة عام 1910 إلى منطقة كارغين، وبدأ ميخائيل تعليمه المدرسي في السابعة من عمره. ثم درس في مدارس بموسكو وبوغوتشار وفيشينسكايا بين عامي 1914 و1918، لكن الحرب والثورة واضطراب البلاد قطعت تعليمه المنتظم. كان في الثالثة عشرة تقريبًا حين وقف إلى جانب البلاشفة خلال الحرب الأهلية الروسية، ثم عمل بين عامي 1920 و1922 في وظائف محلية، منها العمل في لجنة ثورية، والتعليم لمحو أمية الكبار، والأعمال الإدارية والمالية. انتقل إلى موسكو في أكتوبر/تشرين الأول 1922، وعمل في مهن يدوية، منها تحميل البضائع والبناء، واقترب من الأوساط الأدبية الشابة. وفي نهاية عام 1923 عاد إلى منطقة الدون، حيث وجد المادة الإنسانية والاجتماعية التي ستصبح أساس عالمه الروائي.
تزوج ماريا بتروفنا غروموسلافسكايا في يناير/كانون الثاني 1924، واستمرت حياتهما المشتركة ستين عامًا، وأنجبا أربعة أبناء. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه نشر قصته «الوشم» (Rodinka)، ثم صدرت مجموعتاه «حكايات الدون» و«السهوب اللازوردية» عام 1926. كانت تلك البدايات كاشفة عن اهتمامه بالإنسان في بيئته، وبالصراعات التي تتكون داخل الأسرة والقرية حين تقتحم الأحداث الكبرى حياة الناس.
لم تكن الحرب الأهلية في قصصه مواجهة عسكرية بعيدة عن الحياة اليومية، بل قوة اقتحمت البيوت، وقسمت العائلات، وغيرت العلاقات بين الجيران، وجعلت الانتماء السياسي مسألة قد تتقرر على أساسها حياة الإنسان أو موته. لم يرسم شولوخوف الريف صورة رومانسية نقية، ولم يجعل الفلاحين جماعة متجانسة تتصرف بالطريقة نفسها؛ فقد منح شخصياته مخاوفها ومصالحها وترددها، وأظهر كيف يمكن للتاريخ أن يضع الإنسان أمام خيارات لا تضمن له النجاة أو الاطمئنان.
من هذه التجربة نشأ مشروعه الأكبر، رواية «الدون الهادئ»، التي بدأ كتابتها في منتصف عشرينيات القرن العشرين، ونُشرت أجزاؤها تباعًا منذ عام 1928 حتى اكتمالها عام 1940. تتناول الرواية حياة القوزاق في زمن الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية والحرب الأهلية، وتتخذ من غريغوري ميليخوف محورًا تتقاطع عنده التحولات الاجتماعية والسياسية ومصائر الأفراد. لا يتحرك غريغوري وفق موقف ثابت يحسم كل شيء؛ بل يتأرجح بين الولاءات والتقاليد والحب والواقع المتغير، ويجد نفسه في عالم تتفكك أسسه القديمة من دون أن يضمن العالم الجديد لأفراده حياة مستقرة.
تكمن قوة «الدون الهادئ» في أن التاريخ لا يظهر فيها سجلًا للأحداث أو خلفية للبطولة، بل يدخل تفاصيل الحياة ويعيد تشكيلها. الأسرة والأرض والحب والعمل والخوف والموت ليست موضوعات منفصلة عن السياسة إنها المجال الذي تظهر فيه نتائجها. وقد استطاع شولوخوف أن يحول بيئة محلية محددة إلى عالم روائي واسع، بحيث يستطيع قارئ لا يعرف تاريخ القوزاق أن يدرك مأساة الإنسان حين تصبح الأحداث أكبر من قدرته على التحكم في مصيره.
لم يكن نجاح الرواية خاليًا من الجدل. فقد واجهت أجزاؤها الأولى اعتراضات في الأوساط الأدبية السوفيتية بسبب تصويرها المعقد لمواقف القوزاق من الثورة، كما أثيرت اتهامات تتعلق بنسبة العمل إلى شولوخوف، وظلت هذه القضية موضوع دراسات ومناقشات نقدية. ودافع عدد من معاصريه وباحثين لاحقين عن نسبة الرواية إليه، فيما استمر آخرون في فحص الأدلة والمخطوطات والتشابهات النصية. والإنصاف يقتضي أن نعرض المسألة بوصفها جدلًا تاريخيًا ونقديًا، لا اتهامًا ثبت بصورة نهائية، ولا قضية يمكن تجاهلها عند تناول سيرته.
كان شولوخوف ملتزمًا بالشيوعية، وانضم إلى الحزب الشيوعي السوفيتي عام 1932، ثم أصبح من أبرز الشخصيات الثقافية في الاتحاد السوفيتي. غير أن علاقته بالسلطة لم تكن خالية من التوترات. ففي عام 1933 كتب إلى ستالين معترضًا على ممارسات قاسية ارتكبها مسؤولون محليون بحق الفلاحين، ومنها التعذيب والانتهاكات المرتبطة بحملات جمع الحبوب في زمن التجميع الزراعي القسري. وقد تدخلت السلطات في بعض الحالات التي أثارها. لكن هذه الاعتراضات لا تعني أنه رفض سياسة التجميع من أساسها؛ فقد ظل ملتزمًا بالنظام السوفيتي، واتخذ في حياته العامة مواقف مؤيدة للسلطة وانتقد كتابًا معارضين لها.
هنا تظهر مفارقة تستحق التأمل كاتب يمتلك حساسية تجاه معاناة الناس، وينجح في تصوير التناقضات الإنسانية، لكنه ينتمي سياسيًا إلى نظام مارس القمع باسم التحول الاشتراكي. ولا ينبغي أن نمحو أحد الجانبين من أجل الآخر؛ فالقيمة الفنية لا تبرئ المواقف السياسية، كما أن الموقف السياسي لا يكفي وحده لإلغاء قيمة العمل الأدبي.
في «الأرض البكر»، التي صدر جزؤها الأول عام 1932 واكتمل جزؤها الثاني عام 1960، تناول شولوخوف إدخال التجميع الزراعي إلى الريف، وما صاحبه من صدام بين الدولة والفلاحين، وبين التقاليد القديمة والمشروع الاشتراكي. وتكشف الرواية عن اهتمامه بتفاصيل الحياة القروية، لكنها ترتبط بصورة أوضح بالتصور الأيديولوجي للتحول السياسي، وتمنح الأحداث اتجاهًا محددًا أكثر مما نجده في «الدون الهادئ». لذلك لا تبدو أعماله متساوية في درجة التعقيد والاستقلال الفني فروايته الكبرى تترك للتناقضات الإنسانية مجالًا أوسع، بينما تظهر في «الأرض البكر» حدود أكثر وضوحًا يفرضها الالتزام السياسي على البناء الروائي.
خلال الحرب العالمية الثانية، عمل شولوخوف مراسلًا حربيًا، وكتب عن الجبهة وما أصاب بلاده من دمار. وبعد الحرب نشر «مصير إنسان» عامي 1956 و1957، وهي من أشهر قصصه. بطلها أندريه سوكولوف رجل يفقد أسرته، ويقع في الأسر، ويواجه قسوة الحرب، ثم يعود إلى حياة لا تشبه ما عرفه من قبل. وحين يلتقي طفلًا يتيمًا اسمه فانيوشا، يقرر أن يتبناه ويمنحه أبوة يحتاج إليها الطفل، مثلما يحتاج هو إلى سبب يواصل من أجله الحياة.
لا تقدم القصة النجاة بوصفها انتصارًا كاملًا؛ فما فقده سوكولوف لا يعود، والجراح لا تختفي بانتهاء الحرب. لكن العلاقة الجديدة تفتح نافذة صغيرة للحياة. هنا يعود شولوخوف إلى الإنسان الفرد، ويقدم معنى إنسانيًا واضحًا: قد لا يستطيع المرء إصلاح الماضي، لكنه يستطيع أن يمنح إنسانًا آخر ما افتقده هو نفسه. وإلى جانب ذلك، عمل على رواية «قاتلوا من أجل وطنهم»، التي تناولت الحرب ضد ألمانيا النازية، لكنها بقيت غير مكتملة.
وعند مقارنة شولوخوف بتولستوي، نرى أن كليهما وضع الإنسان في قلب التاريخ، وربط الأحداث الكبرى بتفاصيل الأسرة والمجتمع والحياة اليومية. لكن تولستوي يمتلك اتساعًا فلسفيًا وفكريًا أكبر، بينما تتمثل خصوصية شولوخوف في قدرته على بناء عالم الدون من الداخل، وفي تصوير مجتمع تتصادم فيه التقاليد والولاءات السياسية والحاجات الإنسانية. أما المقارنة بمكسيم غوركي، فتكشف اختلافًا في العلاقة بين الأدب والثورة؛ فكلاهما ارتبط بالمشروع السوفيتي، لكن «الدون الهادئ» تمنح التناقضات الاجتماعية والإنسانية مجالًا يجعلها تتجاوز أحيانًا حدود التفسير الأيديولوجي الجاهز.
نال شولوخوف جائزة نوبل للأدب عام 1965، وجاء في حيثيات منحها تقدير للقوة الفنية والنزاهة اللتين عبّر بهما، في ملحمته عن الدون، عن مرحلة تاريخية من حياة الشعب الروسي. كان هذا التقدير اعترافًا بقدرته على تحويل تجربة تاريخية محددة إلى أدب يتجاوز حدود المكان واللغة. ولا ينبغي فهم كلمة «النزاهة» في حيثيات الجائزة باعتبارها حكمًا على استقلاله السياسي أو خلو سيرته من التناقضات؛ فالتقدير الأدبي شيء، وتقييم مواقفه العامة شيء آخر.
في تقديري، يستحق شولوخوف مكانته العالمية أساسًا بفضل «الدون الهادئ». إنها رواية ملحمية واسعة، غنية بالتفاصيل الاجتماعية، وقادرة على تصوير الشخصيات في تناقضاتها لا في مواقفها المعلنة وحدها. أما بقية أعماله، فعلى أهميتها، لا تبلغ كلها المستوى نفسه. وتكشف «مصير إنسان» عن صدقه العاطفي وقدرته على تصوير الإنسان بعد الكارثة، فيما تظهر «الأرض البكر» مدى تأثير الالتزام السياسي في اتجاه العمل الروائي وحدوده.
ولا أضع شولوخوف في منزلة تولستوي من حيث الاتساع الفلسفي، كما لا أرى أن انتماءه السياسي يمحو قيمته الأدبية. فالحكم المنصف يقتضي التمييز بين جودة العمل، وموقف الكاتب، وسيرته داخل المؤسسات التي صنعت مكانته. شولوخوف روائي كبير لأن «الدون الهادئ» جعلت التاريخ تجربة إنسانية ملموسة، ومنحت مجتمعًا محليًا صوتًا عالميًا؛ لا لأن سيرته خالية من التناقضات، ولا لأن جميع أعماله بلغت القمة نفسها.
وتبقى قيمة الأدب في قدرته على رؤية الإنسان في ضعفه وتردده وخساراته، حتى حين يعيش الكاتب نفسه داخل منظومة سياسية لا تتسع دائمًا لهذه الحرية. ولعل هذه المفارقة هي ما يجعل قراءة شولوخوف اليوم أكثر من استعادة اسم في قائمة نوبل: إنها محاولة لفهم كيف يستطيع الأدب أن يحفظ شيئًا من حقيقة البشر في لحظة تاريخية قاسية، حين تتغير الأنظمة والشعارات، وتبقى الجراح الإنسانية.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشعر العراقي الحديث… حوار الأجيال وتحولات القصيدة
- جان بول سارتر... حرية الاختيار وثقل الوجود
- جورجوس سيفيريس Giorgos Seferis ماضي اليونان وأسئلة الإنسان
- معتز رشدي حديث الجراح بالشعر
- جون شتاينبك John Steinbeck واقعية تنصت إلى المقهورين
- منازل الحياة
- إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية
- سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
- سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ...
- بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...
- الكتاب المحفوظ


المزيد.....




- عاصم الشاعر.. فنان فلسطيني يستنطق حجارة البيوت القديمة في نا ...
- هكذا يحيي عاصم الشاعر بيوت فلسطين القديمة
- دعوى بـ41 مليون دولار ضد -أنثروبيك- بسبب أغاني إلفيس بريسلي ...
- مسرح مالي في موسكو.. قرنان من تاريخ الدراما الروسية
- -فرحة العمر-.. سميرة سعيد تزفّ ابنها الوحيد شادي على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لفناني مصر: كلام غير مستغرب!
- -أمالي فراتية-.. نبش في ذاكرة الهامش وتوثيق لمعاناة السوريين ...
- بعد جدل الاعتذار.. علي الحجار يعود إلى مهرجان الموسيقى العرب ...
- في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة
- شخصية الميرزا في رواية -سلسلة النار-.. من بلاط الصفويين إلى ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - ميخائيل شولوخوف… وجوه الحياة في زمن العاصفة