|
|
ألكسندر سولجينيتسين… حين يتكلم المنسيون
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 14:09
المحور:
الادب والفن
ألكسندر سولجينيتسين… الأدب في مواجهة النسيان
لم يكن ألكسندر إيساييفيتش سولجينيتسين (1918–2008) روائياً تشكّل وعيه الأدبي داخل المكتبة وحدها، ولا كاتباً اتخذ من السجن موضوعاً بعد أن غادره، بل كان إنساناً عاش تحولات روسيا في القرن العشرين من مواقع مختلفة طفلاً في أسرة محدودة الإمكانات، وطالباً مولعاً بالأدب والتاريخ، وضابط مدفعية في الحرب العالمية الثانية، ثم سجيناً في معسكرات العمل القسري، ومنفياً، وأخيراً كاتباً واجه السلطة السوفيتية وكشف جانباً من تاريخها الذي حاولت إخفاءه. وقد منحه هذا المسار تجربة إنسانية وتاريخية واسعة، لكنه لم يجعل حياته بديلاً عن موهبته الأدبية فالتجربة تقدم المادة، أما تحويلها إلى أدب فيحتاج إلى رؤية وبناء وشخصيات ولغة. ولد سولجينيتسين في 11 ديسمبر 1918 بمدينة كيسلوفودسك الروسية، بعد أشهر قليلة من وفاة والده إسحاق، الذي كان ضابط مدفعية خدم في الحرب العالمية الأولى. نشأ في رعاية أمه تايسيا، التي عملت في الكتابة والطباعة والاختزال، وانتقل معها إلى روستوف على الدون، حيث أمضى طفولته ومراهقته. كانت الأسرة محدودة الإمكانات، ولم تسمح ظروفها له بالانتقال إلى موسكو لدراسة الأدب، على الرغم من ميله المبكر إلى الكتابة ومحاولاته الأولى التي لم تجد طريقها إلى النشر. وفي عام 1936 التحق بجامعة روستوف لدراسة الرياضيات والفيزياء، بالتزامن مع دراسته بالمراسلة في معهد موسكو للتاريخ والفلسفة والأدب. وقد جمع منذ وقت مبكر بين الاهتمام العلمي والميول الأدبية والتاريخية، ولم يكن اهتمامه بالماضي الروسي وليد تجربة السجن وحدها. ففي عام 1937 اختار كارثة جيش الجنرال سامسونوف في شرق بروسيا عام 1914 موضوعاً لدراسة تاريخية، ثم قادته ظروف الحرب بعد سنوات إلى المنطقة نفسها، لتعود تلك التجربة في مشروعه الروائي التاريخي الكبير «العجلة الحمراء». عندما اندلعت الحرب الألمانية السوفيتية عام 1941، التحق بالجيش الأحمر، وبدأ خدمته في ظروف صحية لم تسمح له بالالتحاق المباشر بوحدة قتالية، ثم استفاد من خلفيته الرياضية ليتدرب في مدرسة المدفعية. عمل ضابطاً في وحدات تحديد مواقع المدفعية، وشارك في العمليات العسكرية حتى أصبح برتبة نقيب، وحصل على تكريمات عسكرية. كانت الحرب بالنسبة إليه تجربة ميدانية مباشرة، عرّفته إلى حياة الجنود وتفاصيل الجبهة، وإلى العلاقة المعقدة بين الإنسان والحرب والقيادة والخوف والموت. لكنه لم يكن آنذاك معارضاً سياسياً منظماً فقد جاءت مشكلته مع السلطة من مراسلات خاصة تبادلها مع صديقه نيكولاي فيتكيفيتش، تضمنت انتقادات لستالين. وفي 9 فبراير 1945 اعتُقل في شرق بروسيا، ثم صدر بحقه في يونيو حكم بالسجن ثماني سنوات في معسكرات العمل القسري، يعقبه النفي الداخلي الدائم. كان ذلك تحولاً جذرياً في حياته فقد انتقل من ضابط يقود جنوداً في الجبهة إلى سجين فقد رتبته وحريته ومستقبله، وأصبح خاضعاً لمنظومة لا يملك أمامها قدرة حقيقية على الاعتراض. لم تكن سنوات الاعتقال تجربة واحدة متجانسة. فقد تنقل بين السجون ومراكز التحقيق، ثم أُرسل عام 1946 إلى ما عُرف باسم «الشاراشكا»، وهي مؤسسات بحثية مغلقة استخدمت فيها السلطة العلماء والمهندسين المعتقلين في أعمال تقنية تخدم الدولة. وبفضل خلفيته الرياضية عمل في هذه البيئة، التي كانت ظروفها أفضل نسبياً من معسكرات العمل الشاقة، لكنها ظلت سجناً يسلب الإنسان حريته. ومن هذه التجربة استمد مادته الأساسية لروايته «الدائرة الأولى»، التي جعل فيها العلماء المعتقلين أمام اختبار أخلاقي يتجاوز ظروف احتجازهم: هل يستطيع الإنسان أن يعمل لمصلحة سلطة سلبته حريته، وأن يقبل امتيازاً نسبياً داخل مؤسسة تقوم على الظلم؟ ولا يقدم الكاتب شخصيات متشابهة، بل يوزع المواقف بين من يقاوم ومن يتكيف ومن يحاول تبرير تنازلاته، كاشفاً تعقيد العلاقة بين العقل والضمير والسلطة. وفي عام 1950 نُقل إلى معسكر العمل الخاص في إكيباستوز بكازاخستان، حيث عاش ظروفاً قاسية وعمل في البناء ومهن شاقة. كانت الحياة اليومية محكومة بالعمل والجوع والبرد والتفتيش والرقابة، ولم يعد البقاء مسألة إرادة فحسب، بل قدرة جسدية على تحمل الحرمان. ومن هذه التجربة استمد لاحقاً مادته لرواية «يوم واحد في حياة إيفان دينيسوفيتش»، التي لم تكن تسجيلاً حرفياً ليوم من حياته، بل بناءً روائياً لشخصية السجين شوخوف، اختار له الكاتب يوماً عادياً ليكشف من خلال تفاصيله نظام المعسكر. وفي عام 1952 أصيب سولجينيتسين بالسرطان وأُجريت له عملية في مستشفى المعسكر. وعندما انتهت مدة سجنه عام 1953 لم يستعد حريته الكاملة، بل أُرسل إلى المنفى الدائم في قرية كوكتيريك بكازاخستان، حيث عمل مدرساً للرياضيات والفيزياء. ثم ساءت حالته الصحية، فعولج في طشقند عام 1954 وتعافى من المرض. وقد أصبحت تجربة العلاج أساساً إنسانياً لروايته «جناح السرطان»، التي تنقل مواجهة الإنسان لجسده ومصيره، وتكشف اختلاف الناس في تعاملهم مع الخوف والمرض والأمل والموت. لم يتوقف عن الكتابة خلال السجن والمنفى، وإن كانت الكتابة محفوفة بالمخاطر. كان يؤلف ويحفظ بعض قصائده في ذاكرته، لأن الاحتفاظ بالنصوص لم يكن آمناً، وحاول أن يحافظ على مشروعه الأدبي حتى في غياب أي ضمانة للنشر. وبعد التحولات السياسية التي أعقبت وفاة ستالين وخطاب خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي عام 1956، انتهى منفاه وعاد إلى روسيا الوسطى، ثم استقر عام 1957 في مدينة ريازان وعمل مدرساً للفيزياء والفلك. وكانت إقامته في بيت أرملة ريفية تدعى ماتريونا من التجارب التي منحته مادة قصته «بيت ماتريونا»، التي نُشرت عام 1963. لم تكن هذه المرأة صاحبة مكانة اجتماعية أو ثقافية، لكنها امتلكت عفوية واستعداداً لمساعدة الآخرين، بينما كان المحيطون بها يستفيدون من طيبتها دون أن يدركوا قيمتها. ومن خلال حياتها اليومية ومصيرها يطرح الكاتب سؤالاً عن القيمة الأخلاقية للإنسان في مجتمع يقيس المكانة بما يملكه الفرد وما يستطيع تقديمه من منفعة. وهنا ينتقل من السجن والمستشفى إلى القرية، ومن مواجهة السلطة المباشرة إلى اختبار الضمير في العلاقات الاجتماعية العادية. كانت العودة إلى الكتابة العلنية مرتبطة بالمناخ السياسي الذي أعقب إدانة جانب من إرث ستالين. ففي عام 1959 كتب «يوم واحد في حياة إيفان دينيسوفيتش»، وأرسل مخطوطته إلى مجلة «نوفي مير» عام 1961. وقد أدرك رئيس تحريرها، الشاعر والكاتب ألكسندر تفاردوفسكي، أهمية العمل، ودافع عن نشره في ظروف سياسية شديدة الحساسية. وبعد موافقة خروتشوف نُشرت الرواية في العدد الحادي عشر من المجلة عام 1962. أحدث العمل اهتماماً واسعاً داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه، لأنه أدخل حياة معسكرات الاعتقال إلى الأدب المنشور في البلاد، لا من خلال الإشارات العامة، بل من داخل تفاصيلها اليومية. وقد اختار سولجينيتسين شخصية شوخوف، وهو سجين يحاول أن يحافظ على حياته وكرامته في حدود الممكن، دون أن يحوله إلى بطل مثالي أو ضحية سلبية. تكمن قوة الرواية في اقتصادها الفني يوم واحد، وشخصية مركزية، ومجموعة من التفاصيل الصغيرة التي تكشف عالماً كاملاً. لكنها، بحكم هذا التركيز، لا تقدم تاريخاً شاملاً لكل أنماط المعسكرات وتجارب المعتقلين، وإنما تعيد بناء تجربة محددة بقدر كبير من الإحكام. بعد هذا النجاح لم يعد نشر أعماله سهلاً. فقد تراجعت مساحة الانفتاح بعد سقوط خروتشوف عام 1964، وواجهت رواياته الجديدة رفض الرقابة، بينما واصل الكتابة والعمل على مشروعاته التاريخية. ففي «الدائرة الأولى»، التي بدأها في الخمسينيات وأعاد العمل عليها في مراحل مختلفة، استعاد تجربة العلماء المعتقلين، ووسعها إلى رواية عن الصداقة والتواطؤ والضمير. نُشرت نسخة مخففة منها خارج الاتحاد السوفيتي عام 1968، أما النسخة الكاملة فقد ظهرت لاحقاً. وفي «جناح السرطان»، التي كتبها أساساً بين 1963 و1967 ونُشرت خارج بلاده عام 1968، جعل المستشفى فضاءً تتجاور فيه شخصيات من خلفيات اجتماعية وفكرية مختلفة، يجمعها المرض ولا يلغي اختلافاتها. وفي بعض مواضع هذين العملين تتقدم المناقشة الفكرية على الحركة الروائية، وتطول الحوارات حتى تقترب الشخصيات من حمل أفكار الكاتب أكثر من عيش حياتها الخاصة. ومع ذلك، تكشف الروايتان اتساع رؤيته للإنسان، وقدرته على الانتقال من تجربة السجين إلى العالم الأخلاقي والاجتماعي الأوسع. وفي مايو 1967 وجه سولجينيتسين رسالة إلى المؤتمر الرابع لاتحاد الكتاب السوفييت، طالب فيها بإنهاء الرقابة والدفاع عن حق الكاتب في تناول الحياة والتاريخ دون تدخل أيديولوجي يحدد له ما يكتب وما لا يكتب. لم تعد المسألة مرتبطة بالسماح بنشر عمل بعينه، بل أصبحت اعتراضاً على مبدأ الرقابة نفسه. وفي عام 1969 طُرد من اتحاد الكتاب السوفييت، فيما كانت أجهزة الأمن تراقب تحركاته وتضيّق على أعماله. ومع ذلك واصل مشروعه الأدبي والتاريخي، وأخذ يعمل بجدية أكبر على «العجلة الحمراء»، التي أراد من خلالها إعادة بناء الطريق الذي قاد روسيا إلى ثورة 1917. في عام 1970 مُنح جائزة نوبل للآداب، وجاء في حيثياتها أنها تقدير للقوة الأخلاقية التي واصل بها تقاليد الأدب الروسي التي لا غنى عنها. لم تكن الجائزة مكافأة على موقف سياسي مجرد، بل اعترافاً بتجربة أدبية وشهادية جعلت من كرامة الإنسان والضمير والذاكرة قضايا مركزية. لكنه لم يسافر إلى ستوكهولم لتسلمها في ذلك العام، خشية أن تمنعه السلطات السوفيتية من العودة إلى بلاده، ولم يتسلمها شخصياً إلا عام 1974 بعد إبعاده. ومن أبرز مشروعاته في تلك المرحلة «العجلة الحمراء»، وهي ملحمة روائية تاريخية حاول فيها أن يفهم التحولات التي سبقت الثورة الروسية، لا باعتبارها حدثاً مفاجئاً منفصلاً، بل نتيجة تداخل أزمات الدولة والحرب والمجتمع والمؤسسات. تتكون البنية الأساسية للمشروع من أربع عقد تاريخية «أغسطس 1914»، و«أكتوبر 1916» الذي ظهر في الترجمة الإنجليزية بعنوان «نوفمبر 1916»، ثم «مارس 1917» و«أبريل 1917». نُشر «أغسطس 1914» عام 1971، ثم ظهرت أعمال العقدة الثانية في الثمانينيات، وتتابعت أجزاء العقدتين الثالثة والرابعة في مراحل لاحقة. لم يكتف سولجينيتسين ببناء رواية تاريخية تقليدية تتبع بطلاً واحداً، بل وزع السرد بين الجنود والضباط والسياسيين والمواطنين، ودمج الوثائق والمراسلات والقرارات بالمشاهد الروائية. وتكمن أهمية المشروع في محاولته إعادة الحدث التاريخي إلى شبكة من العوامل المتداخلة، لكن اتساع المادة وتراكم الشخصيات والوثائق يثيران سؤالاً فنياً مشروعاً عن قدرة الرواية على الاحتفاظ بمركزها الإنساني، وألا تتحول أحياناً إلى موسوعة تاريخية في ثوب روائي. أما العمل الذي جعل اسمه مرتبطاً عالمياً بذاكرة المعسكرات فهو «أرخبيل الغولاغ»، الذي حمل عنواناً فرعياً هو «تجربة في البحث الأدبي». لم يكن مذكرات شخصية بالمعنى الضيق، ولا بحثاً أكاديمياً تقليدياً، بل عملاً مركباً جمع فيه خبرته الخاصة وشهادات معتقلين سابقين ووثائق ومعلومات عن منظومة الاعتقال والتحقيق والنقل والعمل القسري. أشار الكاتب إلى اعتماده على شهادات 227 شخصاً، وحاول أن يرسم صورة شبكة الاعتقال بوصفها منظومة متكاملة لا مجموعة سجون ومعسكرات متفرقة. بدأ نشره بالروسية في باريس عام 1973، وتتابعت مجلداته حتى عام 1975، بينما صدرت ترجمته الإنجليزية في ثلاثة مجلدات بين 1974 و1978. وقد أدى وصول أجهزة الأمن إلى نسخة من المخطوط عام 1973 إلى تسريع قرار نشره في الخارج. وفي فبراير 1974 اعتُقل سولجينيتسين، وسُحبت منه الجنسية السوفيتية، وأُبعد إلى ألمانيا الغربية. تكمن قوة «أرخبيل الغولاغ» في أنه تجاوز الذاكرة الفردية إلى محاولة استعادة ذاكرة جماعية، وفي أنه لم يكتف بوصف معاناة السجين، بل كشف العلاقات بين أجهزة التحقيق والاعتقال والمعسكرات والعمل القسري والسلطة السياسية. كما امتلك قدرة على تحويل المادة الوثائقية إلى سرد تتخلله المفارقة والسخرية والمشهد الإنساني. غير أن مكانة الكتاب لا تعفيه من النقد؛ فعلينا التمييز بين الوقائع التي يسندها بشهادات ووثائق، وبين تفسيره للأحداث وأحكامه السياسية والتاريخية. إنه ليس سجلاً إحصائياً شاملاً لكل ضحايا المنظومة، ولا بحثاً أكاديمياً محايداً بالمعنى الصارم، بل شهادة أدبية وتاريخية واسعة، تملك قيمة كبيرة وحدوداً ينبغي الاعتراف بها. وهنا تبرز المقارنة مع فارلام شالاموف، الذي عاش تجربة المعسكر وكتب عنها من زاوية مختلفة؛ فسولجينيتسين يعيد بناء منظومة القمع وعلاقاتها بالمجتمع والدولة والتاريخ، بينما يضغط شالاموف التجربة في جسد أو مشهد أو تفصيل يكشف ما يفعله الحرمان بالإنسان في أقصى درجاته. لا يغني أحدهما عن الآخر، ولا يصح أن نجعل اختلافهما الفني معياراً للمفاضلة في صدق التجربة. بعد إبعاده عاش سولجينيتسين فترة في ألمانيا وسويسرا، ثم انتقل عام 1976 مع أسرته إلى بلدة كافنديش في ولاية فيرمونت الأمريكية، حيث عاش في عزلة نسبية وتفرغ للكتابة. لكنه لم يتعامل مع الغرب بوصفه نموذجاً كاملاً لمجتمع الإنسان الحر. ففي خطابه الشهير بجامعة هارفارد عام 1978، الذي حمل عنوان «عالم منقسم»، وجه نقداً حاداً إلى النزعة المادية والاستهلاكية، وإلى ما رآه من ضعف المسؤولية الأخلاقية وتغليب الحقوق الفردية على الواجبات الاجتماعية. لم يكن يرفض الحرية، بل كان يرى أن الحرية تفقد معناها حين تنفصل عن المسؤولية. غير أن تشخيصه للمجتمع الغربي لم يكن متوازناً دائماً فقد ركز على مظاهر الضعف أكثر مما توقف عند قدرة المؤسسات الديمقراطية على تصحيح أخطائها، وعند تنوع المجتمعات الغربية وتعدد تجاربها. وهكذا لم يكن نقده موجهاً إلى الشيوعية وحدها، بل انطلق من تصور أخلاقي محافظ يرفض إخضاع الإنسان للدولة أو للمادة والاستهلاك، ويمنح التقاليد والذاكرة والروابط الاجتماعية مكانة مركزية. عاد إلى روسيا في مايو 1994 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ووصل عبر فلاديفوستوك، ثم قام برحلة طويلة بالقطار عبر البلاد، التقى خلالها الناس واستمع إلى مشكلاتهم. لم تكن العودة إلى الوطن عودة إلى البلد الذي غادره فقد تغير النظام السياسي والاقتصادي، ووجد روسيا أمام أزمات الفقر والتفاوت الاجتماعي واضطراب المؤسسات. انتقد سولجينيتسين مسار التحولات الاقتصادية في عهد بوريس يلتسين، ورأى أنها أضعفت قطاعات واسعة من المجتمع. ثم أبدى قدراً أكبر من الارتياح إلى فلاديمير بوتين، بسبب ما رآه اتجاهاً نحو استعادة قوة الدولة ومكانتها. وقد أثار هذا الموقف نقاشاً، خصوصاً أن بوتين جاء من المؤسسة الأمنية التي عانى الكاتب من قمعها في العهد السوفيتي. لا يصح اختزال موقف سولجينيتسين في تأييد مطلق لبوتين، لكن من المشروع ملاحظة أن أولويته في استعادة الدولة ووحدتها جعلته أكثر تقبلاً لتركيز السلطة مما قد يتوقعه المرء من كاتب جعل مقاومة الاستبداد محوراً أساسياً في تجربته. وهنا تظهر حدود رؤيته السياسية، التي لم تقدم دائماً تصوراً ديمقراطياً متكاملاً يوازن بين قوة الدولة وحقوق الفرد والتعددية. واصل الكتابة في سنواته الأخيرة، وأصدر عام 1998 كتاب «روسيا في الانهيار»، الذي تناول فيه أزمة البلاد بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. كما نشر في مجلدين عامي 2001 و2002 كتاب «مئتا عام معاً»، الذي بحث فيه تاريخ العلاقات بين الروس واليهود. وقد أثار هذا العمل خلافات أكاديمية تتعلق باختيار المصادر وتفسير الوقائع ومدى التوازن في معالجة موضوع شديد الحساسية. كما نشر مذكراته عن سنوات المنفى في الغرب تحت عنوان «بين حجرَي الرحى»، وواصل العمل على إصدار أعماله الكاملة ومراجعة نصوصه. وتوفي في موسكو في 3 أغسطس 2008، عن تسعين عاماً تقريباً، بعد حياة امتدت عبر معظم التحولات الكبرى في روسيا القرن العشرين. إن تقييم سولجينيتسين يقتضي الفصل بين جوانب تجربته المتعددة. فقد كان روائياً يمتلك قدرة على بناء الشخصيات والبيئات الإنسانية، وشاهداً حمل ذاكرة ضحايا المعسكرات، ومفكراً أخلاقياً واجه السلطة ودافع عن كرامة الفرد، لكنه كان أيضاً صاحب آراء سياسية وتاريخية لم تكن جميعها بمنأى عن الخلاف. وتفاوتت أعماله فنياً؛ ففي «يوم واحد في حياة إيفان دينيسوفيتش» و«بيت ماتريونا» نرى اقتصاداً في البناء وتركيزاً على التفاصيل الإنسانية، بينما تتسع المناقشات الفكرية أحياناً في «الدائرة الأولى» و«جناح السرطان»، ويتضخم البناء التاريخي في «العجلة الحمراء» بسبب حجم المادة والشخصيات والوثائق. لكن هذا التفاوت لا يحجب قدرته على جعل التاريخ حاضراً في حياة الإنسان، ولا إسهامه في استعادة ذاكرة حاولت السلطة إخفاءها. لقد منحته جائزة نوبل عام 1970 مكانة عالمية، لا لأنه كان معارضاً سياسياً فحسب، بل لأن أدبه جمع بين القوة الأخلاقية والاهتمام بالتقاليد الروائية الروسية، وبين الشهادة على تجربة إنسانية قاسية ومحاولة تحويلها إلى معرفة أدبية تتجاوز حدود المكان والزمان. ولم تكن عظمة تجربته في أنه عاش مأساة السجن وحدها، بل في أنه حاول أن يمنح الإنسان الذي سحقته السلطة اسماً وصوتاً وذاكرة، وأن يجعل الأدب مجالاً لمساءلة التاريخ والضمير. نقرأه لذلك بإنصاف، نقدّر ما أنجزه من دون تقديس، ونختلف معه حين تستدعي أفكاره الاختلاف، من دون أن نبخس تجربته الأدبية والتاريخية حقها.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صموئيل بيكيت… الوجود بين العبث والانتظار.
-
ياسوناري كواباتا… حساسية الروح أمام الزمن
-
ميغيل أنخل أستورياس… بين سحر الأسطورة وقسوة الواقع
-
العاقل
-
شموئيل يوسف عجنون ونيلي زاكس… الكتابة من قلب التجربة
-
ميخائيل شولوخوف… وجوه الحياة في زمن العاصفة
-
الشعر العراقي الحديث… حوار الأجيال وتحولات القصيدة
-
جان بول سارتر... حرية الاختيار وثقل الوجود
-
جورجوس سيفيريس Giorgos Seferis ماضي اليونان وأسئلة الإنسان
-
معتز رشدي حديث الجراح بالشعر
-
جون شتاينبك John Steinbeck واقعية تنصت إلى المقهورين
-
منازل الحياة
-
إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية
-
سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
-
سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر
...
-
بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
-
آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
-
أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
-
ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
-
خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا
...
المزيد.....
-
فيلم ألماني بهوية موسيقية فلسطينية
-
تضارب الروايات بين التحالف والحوثيين حول مسيرة مكة
-
إلسينور» يتقدّم سباق جوائز الفيلم البريطاني المستقل بـ12 ترش
...
-
الدوحة السينمائي يحتفي بتجارب موسيقية عربية معاصرة
-
باريس تحقق في مقتل فنان فرنسي لبناني بقصف إسرائيلي
-
لماذا أمر البطريرك نيكون بفقء عيون القديسين في الأيقونات الر
...
-
المغرب يستضيف أول معرض لمتحف تريتياكوف الروسي
-
ابتلع 35 ألف قرص وألهم فيلما سينمائيا.. مريض سرطان يقترب من
...
-
سلطنة عمان على رادار الإرميتاج الروسي لعام 2027
-
اشهار مجموعة قصصية ورواية للكاتب البروفيسور وجيه ضاهر
المزيد.....
-
الدومري لا يطفئ عينيه
/ د. خالد زغريت
-
رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي
/ محمد الفقي
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
المزيد.....
|