أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - صموئيل بيكيت… الوجود بين العبث والانتظار.















المزيد.....


صموئيل بيكيت… الوجود بين العبث والانتظار.


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


صموئيل بيكيت… الإنسان في مواجهة عبث الوجود
Samuel Beckett (1906–1989)

وُلد صموئيل باركلي بيكيت في 13 أبريل 1906، في بلدة فوكسروك بضاحية دبلن، داخل أسرة بروتستانتية من الطبقة الوسطى الميسورة. كان والده وليام فرانك بيكيت يعمل في تقدير الكميات والمساحة، وكانت والدته ماريا، المعروفة باسم ماي، ذات تكوين عملي وميول أكثر تحفظاً. نشأ مع أخيه الأكبر فرانك في بيت عائلي هادئ نسبياً، تحيط به الحدائق والمساحات الخضراء، وتطل ذاكرته على تلال دبلن وريفها. وقد وصف بيكيت طفولته في بعض أحاديثه بأنها هادئة وربما سعيدة، لكنه لم يكن يشعر دائماً بالقدرة على السعادة، وكان يميل إلى الوحدة والتأمل. ولا يصح أن نرد شخصيته اللاحقة إلى طفولة تعيسة أو إلى علاقة أسرية مضطربة فقد كانت علاقته بوالده وثيقة، وارتبطت ذكرياته عنه بالنزهات الطويلة والمشي في الطبيعة، بينما كانت والدته أكثر صرامة وتحفظاً. وقد بقيت هذه البيئة حاضرة في ذاكرته الأدبية، حتى إن بعض ملامح البيت والمنطقة المحيطة به عادت في أعماله اللاحقة.
تلقى تعليمه الأول في دبلن، ثم التحق عام 1919 بمدرسة بورتورا الملكية في إنيسكيلين، حيث كان طالباً داخلياً إلى جانب أخيه فرانك. لم يكن اجتماعيّاً بالمعنى المعتاد، لكنه كان نشيطاً في الرياضة، ومارس الكريكيت والرجبي والملاكمة والسباحة. وفي عام 1923 التحق بكلية ترينيتي في دبلن، ودرس اللغات الحديثة، ولا سيما الفرنسية والإيطالية. وهناك أسهم أستاذ اللغات الرومانسية توماس رودموز-براون، إلى جانب مدرسته الإيطالية بيانكا إسبوزيتو، في تنمية اهتمامه بالأدب الأوروبي. كان متفوقاً في دراسته، وحصل على منحة جامعية عام 1926، وسافر بالدراجة في فرنسا، ثم زار فلورنسا عام 1927، وتخرج بالميدالية الذهبية في الأدب الحديث. ولم يكن اهتمامه محصوراً بالدرس الأكاديمي؛ فقد مارس الرياضة، وارتاد المسرح، واهتم بالفنون والآداب، وبدأ يتكون لديه وعي ثقافي يتجاوز حدود البيئة الإيرلندية.
بعد تخرجه رُشّح للعمل محاضراً تبادلياً في المدرسة العليا بباريس، لكن سوء تفاهم إداري أخر تعيينه، فعمل مدة في كلية كامبل ببلفاست لتدريس الفرنسية والإنجليزية، وهي تجربة لم يجد فيها ما يرضيه. وفي نوفمبر 1928 استقر في باريس، حيث استقبله صديقه توماس ماكغريفي، وعرّفه إلى عدد من الكتاب والفنانين، وكان من بينهم جيمس جويس. سرعان ما نشأت بين بيكيت وجويس علاقة أدبية مهمة فقد أدرك جويس قدراته، ودعاه إلى المساهمة في كتاب مقالات حول مشروعه الروائي الذي أصبح لاحقاً «يقظة فينيغان» (Finnegans Wake). ونشر بيكيت عام 1929 مقالته النقدية «دانتي… برونو. فيكو… جويس» (Dante… Bruno. Vico… Joyce)، كما ساعد جويس في بعض الأعمال الكتابية والترجمية. غير أن علاقة التلميذ بالأستاذ لم تستمر على صورة واحدة فقد أخذ بيكيت يستقل تدريجياً عن عالم جويس اللغوي الواسع، ويتجه إلى لغة أكثر اقتصاداً وتقشفاً، وإلى رؤية تركز على الإنسان في عزلته وحدود وعيه.
في تلك الفترة نشر قصته الأولى «الافتراض» (Assumption) عام 1929، ثم قصيدته «ووروسكوب» (Whoroscope) عام 1930، التي استلهم فيها شخصية ديكارت، وفازت بجائزة أدبية نظمتها نانسي كونارد وريتشارد ألدنغتون. وأصدر عام 1931 دراسته عن مارسيل بروست، متناولاً الزمن والذاكرة والعادة والحب والمعاناة. لكنه لم يكن قد حسم أمره في اختيار الكتابة مهنة دائمة؛ فعاد إلى ترينيتي عام 1930 محاضراً في الفرنسية، ودرّس راسين والرمزيين، وشارك في النشاط المسرحي الجامعي، لكنه استقال في ديسمبر 1931 بعد أربعة فصول دراسية، بعدما شعر بأن المسار الأكاديمي لا يلائمه. وفي عام 1932 كتب روايته الأولى «حلم نساء جميلات إلى حدّ متوسط» (Dream of Fair to Middling Women)، لكنه لم ينجح في نشرها، وقرر إبقاءها بعيداً عن التداول حتى وفاته، ثم ظهرت بعد ذلك عام 1992. وفي العام نفسه نشر قصة «دانتي والكركند» (Dante and the Lobster)، التي دخلت لاحقاً ضمن مجموعته القصصية «المزيد من الوخزات من الركلات» (More Pricks than Kicks)، الصادرة عام 1934.
كانت السنوات التالية صعبة على المستوى الشخصي. فقد انتهت علاقته العاطفية بابنة عمه بيغي سنكلير في نهاية عام 1929، ثم زار أسرتها في كاسل عام 1931، فوجدها تعاني من أعراض السل، وهو المرض الذي أودى بحياتها في مايو 1933. ولم يكن فقدها وحده ما أثقل حياته فقد توفي والده في يونيو من العام نفسه إثر نوبة قلبية. كان بيكيت شديد التعلق به، وكتب لصديقه توماس ماكغريفي أنه لا يستطيع الكتابة عنه، وإنما يستطيع المشي في الحقول وتسلق الحواجز متتبعاً أثره. وقد عانى في تلك المرحلة اضطراباً نفسياً وأعراضاً جسدية، وصعوبة في الكتابة، وشعوراً متزايداً بالاغتراب عن محيطه. وبإرشاد من طبيبه وصديقه جيفري تومبسون، قصد عيادة تافيستوك في لندن، حيث بدأ أواخر عام 1933 علاجاً نفسياً لدى ويلفريد بيون، واستمر قرابة عامين. لا ينبغي أن نختزل أدبه في هذه التجربة، لكنها أضافت إلى معرفته بالذاكرة والأحلام والوعي والاضطراب الداخلي، ووسعت اهتمامه بما لا يظهر مباشرة في السلوك الإنساني.
في عام 1935 نشر مجموعته الشعرية «عظام الصدى» (Echo’s Bones)، وبدأ في أغسطس من العام نفسه كتابة رواية «مورفي» (Murphy)، التي أتمها في يونيو 1936، لكنها لم تصدر إلا عام 1938. وتمثل الرواية خطوة مهمة في تطور عالمه الروائي. فمورفي رجل يحاول الانسحاب من الحياة الاجتماعية ومطالبها، ويبحث عن عالم داخلي يمنحه شيئاً من الاستقلال عن الجسد والواقع الخارجي. لكنه يكتشف، من خلال تجربته، أن العقل لا يستطيع الانفصال عن الجسد، وأن الإرادة لا تملك السيطرة الكاملة على العالم. وحين يعمل في مستشفى للأمراض العقلية، تتعرض الحدود التقليدية بين العقل والجنون للمساءلة؛ إذ لا يمنح بيكيت العاملين في المؤسسة سلطة أخلاقية أو معرفية مطلقة لمجرد أنهم يمثلون النظام، ولا يجعل المرضى مجرد حالات طبية. ويستخدم السخرية والمفارقة ليكشف التناقض بين التصورات الاجتماعية الجاهزة وبين تعقيد الإنسان. ومع ذلك، لا تزال «مورفي» تحتفظ بشيء من وفرة الرواية التقليدية، وتعدد الشخصيات والمواقف، قبل أن يتجه الكاتب إلى عالم أكثر تقشفاً.
وفي سبتمبر 1936 غادر بيكيت إلى ألمانيا في رحلة فنية استمرت حتى أبريل 1937. كان مهتماً بالرسم والعمارة والمتاحف، وزار مدناً منها هامبورغ وبرلين ودريسدن وميونيخ، والتقى فنانين وجامعي أعمال فنية، وسجل ملاحظاته في دفاتر يومية مفصلة. لكنه وجد نفسه أمام بلد تتغير ملامحه الثقافية تحت سلطة النازية؛ فقد كانت الأعمال الفنية الحديثة تُقصى من المتاحف والمعارض، ويتعرض فنانون، ولا سيما اليهود منهم، للتمييز والمنع. ومن خلال لقاءاته ومشاهداته أخذ يدرك أثر السلطة السياسية في حرية الفن ومصائر الفنانين. لم يكن بيكيت مؤرخاً سياسياً، ولم يذهب إلى ألمانيا ليكتب دراسة عن النازية، لكن دفاتره تكشف نفوره المتزايد من الفاشية واهتمامه بما يحدث حوله. وتظل هذه الرحلة ذات أهمية خاصة لأنها تبين أن انشغاله بأسئلة الوجود والعزلة لم يكن انقطاعاً عن التاريخ أو عن مصائر الناس.
عاد إلى دبلن في أبريل 1937، ثم غادر إيرلندا نهائياً تقريباً في أكتوبر من العام نفسه ليستقر في باريس. وفي يناير 1938 تعرض للطعن في أحد شوارع المدينة على يد رجل لم تكن له به معرفة سابقة، وكانت الإصابة خطيرة وأدخلته المستشفى لأسابيع. زاره جيمس جويس وعدد من أصدقائه، كما اهتمت به سوزان ديشيفو-دومسنيل، عازفة البيانو الفرنسية التي أصبحت رفيقة حياته. وقد تطورت علاقتهما على مدى السنوات التالية، وتزوجا في مراسم مدنية سرية في إنجلترا عام 1961. وفي تلك المرحلة بدأ بيكيت كتابة الشعر بالفرنسية، واتجه تدريجياً إلى لغة أكثر بساطة واقتصاداً، من دون أن يتخلى عن الإنجليزية. ولم يكن انتقاله إلى الفرنسية قراراً فورياً ونهائياً؛ فقد اتخذ بعد الحرب شكلاً أعمق، حين أصبحت الفرنسية لغته الأساسية في عدد من أعماله النثرية الكبرى.
عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939، كان بيكيت في دبلن يزور والدته، لكنه عاد إلى فرنسا في اليوم التالي لإعلان الحرب. ومع احتلال باريس في يونيو 1940، غادر المدينة مع سوزان، ثم عادا إليها بعد أشهر. وفي عام 1941 انضم الاثنان، بتشجيع من صديقه ألفريد بيرون، إلى خلية مقاومة سرية عُرفت باسم «غلوريا إس إم إتش» (Gloria SMH)، وكانت تسهم في شبكة المعلومات البريطانية. تمثل عمل بيكيت أساساً في جمع المعلومات وكتابتها وتلخيصها وترجمتها، وهي مهام لم تكن تخلو من الخطر في مدينة خاضعة للاحتلال. وفي أغسطس وسبتمبر 1942 انكشفت الخلية، واعتُقل بيرون وعدد من رفاقه، بينما تمكن بيكيت وسوزان من الهرب قبل وصول الشرطة السرية الألمانية إلى مسكنهما. وبعد تنقل استمر نحو ستة أسابيع وصلا إلى قرية روسيون في جنوب فرنسا، ضمن المنطقة غير المحتلة مباشرة آنذاك. وهناك عاشا ظروفاً شاقة، وعمل بيكيت في الحقول لدى المزارعين، وتواصل مع لاجئين وفنانين، من بينهم الرسام هنري هايدن، كما اتصل بالمقاومة المحلية في الأشهر الأخيرة من الحرب.
وخلال تلك السنوات واصل الكتابة، وكان قد بدأ روايته الإنجليزية «وات» (Watt) في باريس عام 1941، وأتمها بين عامي 1943 و1944. وبعد تحرير فرنسا عاد إلى باريس عام 1945، ثم تطوع للعمل مع الصليب الأحمر الإيرلندي في مستشفى بمدينة سان لو في نورماندي، التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب. وقد شاهد هناك آثار الخراب على المدنيين والحياة اليومية، وكتب لاحقاً عن تجربته في المستشفى. ومُنح تقديراً لخدماته في المقاومة والعمل الإنساني وسام الصليب الحربي الفرنسي وميدالية التقدير الفرنسية. وهذه المرحلة ضرورية لفهم شخصيته؛ فالكاتب الذي سيجعل من العجز والانتظار واللاجدوى موضوعات أساسية في أدبه لم يكن لامبالياً بمصير الإنسان حين واجه الخطر، بل اختار المشاركة في عمل مقاوم، بعيداً عن البطولة الاستعراضية.
بعد عودته إلى باريس، أخذت تجربته الأدبية منعطفاً حاسماً. ففي زيارة لوالدته في دبلن عام 1945، مرّ بما وصفه لاحقاً بلحظة إدراك فني، شعر فيها بأنه ينبغي أن يتوقف عن الكتابة تحت تأثير الآخرين، وأن يتجه إلى ما يعرفه ويعيشه من الداخل. ومنذ عام 1946 انغمس في الكتابة بالفرنسية، في مرحلة وصفها لاحقاً بأنها فترة نشاط إبداعي كثيف. لم يكن هذا التحول مجرد تغيير للغة، بل كان إعادة نظر في أسلوبه وعلاقته بالكتابة. أتاحت له الفرنسية أن يبتعد عن بعض العادات البلاغية التي ألفها في الإنجليزية، وأن يتعامل مع الجملة بقدر أكبر من الاقتصاد، وأن يقلل من الشرح والتزيين، ويقترب من التجربة الإنسانية في عريها وتناقضها.
كتب عام 1946 قصصاً فرنسية منها «النهاية» (La Fin)، و«المطرود» (L’Expulsé)، و«المهدئ» (Le Calmant)، و«الحب الأول» (Premier amour)، كما كتب رواية «ميرسييه وكاميه» (Mercier et Camier)، التي لم تنشر إلا عام 1970. ثم بدأ في مايو 1947 كتابة «مولوي» (Molloy)، وأنجزها في العام نفسه، وكتب بعدها «مالون يموت» (Malone meurt) بين عامي 1947 و1948، ثم «اللامسمّى» (L’Innommable) بين عامي 1949 و1950. وقد صدرت «مولوي» و«مالون يموت» عام 1951، بينما ظهرت «اللامسمّى» عام 1953. وتُعرف هذه الأعمال معاً باسم الثلاثية الروائية، وإن لم يكن من الضروري أن نقرأها بوصفها مشروعاً مغلقاً ومخططاً له منذ البداية.
في «مولوي» نتابع شخصيتين، مولوي وموران، تبدأ علاقتهما في صورة بحث ومطاردة، ثم تتداخل الحدود بينهما، حتى يصبح من الصعب تحديد المسافة بين الباحث والمبحوث عنه. يتراجع الحدث التقليدي، وتتقدم الذاكرة المتعثرة، ويصبح الراوي غير قادر على تقديم رواية مستقرة عن نفسه. أما «مالون يموت» فتضيق فيها مساحة العالم أكثر، إذ نجد رجلاً ينتظر الموت، ويقضي وقته في الكتابة واختراع الحكايات. وفي «اللامسمّى» يصل هذا المسار إلى درجة أكثر تجريداً، حيث تتراجع الشخصية نفسها، ويصبح الصوت الذي يتكلم موضع سؤال، وتتحول الكتابة إلى محاولة للاستمرار رغم الشك في هوية المتكلم وجدوى الكلام. لم يعد السؤال الروائي الأساسي ما الذي سيحدث بعد ذلك، بل من الذي يتكلم، وما الذي يستطيع أن يتذكره، وهل يمكن للإنسان أن يروي حياته من دون أن يعيد اختراعها في كل مرة.
وبين كتابة هذه الروايات، أنجز بيكيت مسرحيته الأشهر «في انتظار غودو» (En attendant Godot)، التي كتبها بالفرنسية بين أكتوبر 1948 ويناير 1949، ونشرت عام 1952، وعُرضت للمرة الأولى في باريس في 3 يناير 1953، بإخراج روجيه بلان. تقوم المسرحية على شخصيتين، فلاديمير وإستراغون، تنتظران شخصاً يدعى غودو، لا يأتي. يتبادلان الحديث والمشاكسة والذكريات، ويفكران في المغادرة، ثم يواصلان الانتظار. ويدخل إلى عالمهما بوزو ولاكي، في علاقة تكشف السلطة والتبعية والإذلال، بينما يظل غودو غائباً، لكنه يحدد حياة الحاضرين وقراراتهم.
لم يمنح بيكيت غودو هوية نهائية، ولذلك تعددت القراءات التي رأته رمزاً للإله أو الخلاص أو الأمل أو السلطة أو الوعد المؤجل. لكن قيمة المسرحية لا تتوقف على العثور على معنى واحد لهذه الشخصية فالأهم أن الغائب يصبح مركزاً لحياة الموجودين، وأن الانتظار يتحول من حالة مؤقتة إلى نمط وجود. وقد استطاع بيكيت أن يجعل من التكرار والصمت والحركة المحدودة والحوار المتقطع عناصر درامية أساسية، وأن يزاوج بين المأساة والفكاهة من دون أن يفقد شخصياته إنسانيتها. لم تكن المسرحية تقول ببساطة إن الحياة بلا معنى؛ بل وضعت الإنسان أمام غياب اليقين، وأظهرت حاجته إلى الآخر وإلى الأمل، حتى عندما لا يعرف إن كان هذا الأمل سيتحقق.
أثار العرض الأول نقاشاً واسعاً، ولم يستقبله الجمهور والنقاد جميعاً بالترحيب، لكن المسرحية سرعان ما انتشرت في أوروبا، ثم عُرضت في لندن عام 1955 ونيويورك عام 1956، وأصبحت حدثاً مفصلياً في تاريخ المسرح الحديث. لم يكن نجاحها قائماً على غرابة موضوعها وحدها، بل على أنها غيرت العلاقة بين الحدث والزمن على الخشبة فلم يعد المسرح مضطراً إلى تقديم سلسلة من الوقائع المتصاعدة حتى يصل إلى حل، بل استطاع أن يجعل الانتظار والتكرار والصمت والحركة المحدودة مادة درامية قائمة بذاتها.
واصل بيكيت هذا التجديد في «نهاية اللعبة» (Fin de partie)، التي كتبها بين عامي 1954 و1956 ونشرت عام 1957. تدور المسرحية في غرفة مغلقة، تضم هام، الرجل الأعمى العاجز عن الوقوف، وخادمه كلوف الذي يستطيع الحركة لكنه لا يستطيع الجلوس، ووالدي هام، ناج ونيل، اللذين يعيشان داخل سلتي قمامة. لا نعرف على وجه اليقين ما حدث للعالم الخارجي، لكن الشخصيات تتصرف كما لو أنها تعيش في أعقاب كارثة. تصبح الحركة امتيازاً محدوداً، والجسد قيداً مادياً يحدد علاقة الشخصيات بعضها ببعض. ومع ذلك يستمر الحوار والسخرية والذكريات، ويظل هام محتاجاً إلى كلوف، رغم تهديدات الأخير المتكررة بالرحيل. لقد ضيّق بيكيت المكان، وقلل عدد الشخصيات، لكنه لم يتخل عن التوتر الإنساني؛ فالاعتماد المتبادل والعداء والحاجة إلى الآخر تبقى حاضرة حتى في عالم يبدو أنه فقد شروط الحياة.
وفي «الأيام السعيدة» (Happy Days)، التي كتبها بالإنجليزية بين عامي 1960 و1961 وعُرضت للمرة الأولى في نيويورك في سبتمبر 1961، نرى ويني، امرأة مدفونة حتى خصرها في الأرض، ثم حتى عنقها في الفصل الثاني، تواصل الحديث وتكرار طقوسها اليومية، وتفتتح يومها بعبارة متفائلة: «يوم سماوي آخر». تتفحص حقيبتها، وتستعيد ذكرياتها، وتستدعي عبارات من الكتب، وتحاول أن تمنح يومها معنى من خلال الأشياء الصغيرة. لكن جسدها يغوص أكثر في الأرض، وتتقلص قدرتها على الحركة. هنا تبلغ مفارقة بيكيت درجة لافتة كلما ضاقت حرية الشخصية الجسدية، اتسع كلامها بوصفه محاولة لمقاومة الصمت. لا تبدو ويني متفائلة بسذاجة، ولا يختزلها الكاتب في اليأس إنها تتمسك بالحياة من خلال تفاصيلها اليومية، حتى عندما لا تستطيع تغيير ظروفها.
ومن «في انتظار غودو» إلى «نهاية اللعبة» ثم «الأيام السعيدة»، يمكن ملاحظة مسار واضح في تقليص العالم المسرحي. في الأولى شخصيتان في فضاء مفتوح تنتظران غائباً، وفي الثانية أربعة أشخاص داخل غرفة تكاد تكون آخر ما تبقى من العالم، وفي الثالثة امرأة واحدة تقريباً في مركز الخشبة، يتقلص جسدها بينما تحاول اللغة والذاكرة والعادة إبقاءها على صلة بالحياة. لم يكن هذا التقليل مجرد حيلة شكلية؛ فقد نقل بيكيت مركز التجربة من الحدث الخارجي إلى الجسد والصوت والذاكرة، ومن تطور الحكاية إلى ما يحدث داخل اللحظة المسرحية نفسها.
ولم يقتصر عمله على المسرح والرواية؛ فقد كتب للمذياع والتلفزيون والسينما، واهتم بالصورة والصوت والإيقاع، وأخرج بعض أعماله بنفسه، وتعاون مع مخرجين وممثلين وموسيقيين. ومن أعماله المسرحية اللاحقة «شريط كراب الأخير» (Krapp’s Last Tape)، و«اللعبة» (Play)، و«ليس أنا» (Not I)، و«خطوات» (Footfalls). وفي هذه الأعمال استمر في اختبار حدود الجسد واللغة والذاكرة والحضور، حتى أصبحت بعض الشخصيات مجرد صوت أو فم يتكلم في فضاء مظلم، أو جسداً لا يظهر منه إلا جزء محدود. ومع ذلك لم تتحول هذه التجارب إلى تجريد خالص؛ فالإنسان يظل مركزها، بما يحمله من خوف وندم ورغبة في التذكر والاستمرار.
في عام 1969 مُنح بيكيت جائزة نوبل في الأدب، وجاء في تعليل الأكاديمية السويدية أنها تقديراً لكتاباته التي، في أشكال جديدة للرواية والدراما، تستخرج من عوز الإنسان الحديث وافتقاره إلى اليقين قيمة فنية وسمواً إنسانياً. لم تكن الجائزة تكريماً لمسرحية «في انتظار غودو» وحدها، بل لمسار أدبي أعاد النظر في الأشكال الروائية والمسرحية، وقدم الإنسان في حالة من التجرد الشديد، بعيداً عن البطولة التقليدية والحلول المطمئنة. وكان بيكيت في تونس عند إعلان فوزه، ولم يحضر حفل تسلم الجائزة، وأرسل ناشره جيروم لندون لتمثيله.
تتجلى أهمية بيكيت في أنه أعاد النظر في وظيفة الحكاية، وأثبت أن الرواية والمسرحية تستطيعان بناء أثر عميق من الذاكرة المتعثرة والحركة المحدودة والحوار المتكرر. كما أعاد الاعتبار إلى الجسد بوصفه شرطاً للوجود وحداً للحركة ومصدراً للألم والحاجة، واكتشف إمكانات الصمت والاقتصاد اللغوي، وجعل المأساة والفكاهة تتجاوران في صورة إنسانية لا تستسلم إلى الشفقة أو الخطابة. وقد امتد أثره إلى أجيال من كتاب المسرح والروائيين والمخرجين والممثلين، الذين وجدوا في أعماله تحدياً جديداً لفهم الأداء والحركة والصوت والفضاء المسرحي.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نتعامل مع تجربته باعتبارها بلا حدود. فالتقشف الشديد قد يجعل بعض أعماله عسيرة التلقي، وتكرار الانتظار والعجز والذاكرة المتكسرة قد يولد شعوراً بالرتابة لدى بعض القراء والمشاهدين. كما أن عالمه، على اتساع دلالته الإنسانية، لا يقدم صورة واسعة للمجتمع وتنوع طبقاته وتحولاته السياسية، كما نجد عند كتّاب الواقعية الاجتماعية؛ إذ ينصرف غالباً إلى الإنسان في وضعه الوجودي المجرد. وقد تبدو بعض شخصياته النسائية أقل امتداداً نفسياً واجتماعياً من شخصياته الرجالية، وإن كانت ويني في «الأيام السعيدة» حضوراً مسرحياً قوياً ومستقلاً. وهذه الحدود لا تنتقص من فرادة تجربته، لكنها تساعد على وضعها في مكانها الحقيقي، بعيداً عن المديح المطلق.
ظل بيكيت يكتب ويجرب حتى سنواته الأخيرة، ولم يتوقف عند نجاحه العالمي أو عند جائزة نوبل. عاش حياة متحفظة، وابتعد عن الأضواء، وواصل العمل بين الفرنسية والإنجليزية، مترجماً بعض أعماله بنفسه، وأحياناً معيداً صياغتها بما يجعل النسختين متقاربتين من دون أن تكون إحداهما نقلاً حرفياً للأخرى. توفي في باريس في 22 ديسمبر 1989، بعد وفاة سوزان في يوليو من العام نفسه، ودُفن إلى جوارها في مقبرة مونبارناس.
إذا عدنا إلى عنواننا، «صموئيل بيكيت… الإنسان في مواجهة عبث الوجود»، وجدنا أنه يعبّر عن جانب أساسي من تجربته، لكنه لا ينبغي أن يحصره في العبث وحده. فقد عاش الحرب والاحتلال والمقاومة والفقد والعزلة، لكنه لم يجعل أدبه سيرة ذاتية مباشرة، بل حوّل خبراته وأسئلته إلى أشكال فنية تتجاوز حياته الشخصية، وتضع الإنسان أمام حدود المعرفة والذاكرة والجسد واللغة، وأمام حاجته الدائمة إلى الآخر.
لم يكن بيكيت كاتباً عن انعدام الحياة بقدر ما كان كاتباً عن الحياة حين تفقد كثيراً من ضماناتها، ولا يبقى للإنسان سوى محاولته المتكررة للاستمرار. شخصياته تنتظر، وتتذكر، وتتحدث، وتضحك، وتتعب، وتفكر في الرحيل ثم تبقى. وفي هذا التناقض بين العجز والرغبة، وبين غياب اليقين والإصرار على مواصلة اليوم، تكمن إنسانيته الأدبية فهو لا يمنح القارئ إجابة نهائية، بل يتركه أمام تجربة إنسانية مفتوحة، يرى فيها شيئاً من نفسه ومن العالم الذي يعيش فيه.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ياسوناري كواباتا… حساسية الروح أمام الزمن
- ميغيل أنخل أستورياس… بين سحر الأسطورة وقسوة الواقع
- العاقل
- شموئيل يوسف عجنون ونيلي زاكس… الكتابة من قلب التجربة
- ميخائيل شولوخوف… وجوه الحياة في زمن العاصفة
- الشعر العراقي الحديث… حوار الأجيال وتحولات القصيدة
- جان بول سارتر... حرية الاختيار وثقل الوجود
- جورجوس سيفيريس Giorgos Seferis ماضي اليونان وأسئلة الإنسان
- معتز رشدي حديث الجراح بالشعر
- جون شتاينبك John Steinbeck واقعية تنصت إلى المقهورين
- منازل الحياة
- إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية
- سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
- سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ...
- بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال


المزيد.....




- رحلة من باكو إلى عوالم جديدة تتجاوز حدود المكان عبر الأدب وا ...
- مدحت صالح يحيي ليلة الختام في مهرجان الموسيقى العربية بدار ا ...
- دار حبيبة مسيكة في تستور.. قصر يستعيد ذاكرة فنانة تونسية
- نقل الكينغ المصري محمد منير للمستشفى.. مدير أعماله يعلق على ...
- أشرف زكي يطلب حق الرد بعد تشبيه نجوى إبراهيم فساتين الفنانات ...
- أشرف زكي يطلب حق الرد بعد تشبيه نجوى إبراهيم فساتين الفنانات ...
- بين رهبة الحبر المطبوع وسيولة الرقمي.. شهادة حسين جلعاد على ...
- عودة سلسلة «ألعاب الجوع» بفيلم جديد يستعرض نشأة «هايميتش» وص ...
- حضور فلسطيني ومصري في القائمة الأولى لعروض مهرجان روتردام ال ...
- الشرطة تنهي التحقيقات في وفاة هايدن بانتير وتصرح عن السبب


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - صموئيل بيكيت… الوجود بين العبث والانتظار.