أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - الرؤية والشكل في الفن… جدلية التطور والخصوصية















المزيد.....

الرؤية والشكل في الفن… جدلية التطور والخصوصية


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 12:03
المحور: الادب والفن
    


الرؤية والشكل في الفن… بين التطور والخصوصية

لا يتوقف تطور الفن على البحث المستمر عن أشكال جديدة، ولا تُقاس قيمة الفنان بقدرته على مغادرة أساليبه السابقة في كل مرحلة. فالتجربة الفنية أكثر تعقيداً من أن تختزل في تبدل المظاهر والتقنيات لأنها تبدأ من رؤية تتشكل في وعي الفنان، وتنمو مع تجربته، وتتفاعل مع ما يكتشفه في الحياة والإنسان والعالم.
الرؤية هي المنطلق، لكنها ليست معطى ثابتاً. فقد تتسع وتتعمق، وتتغير معها طريقة الفنان في فهم الأشياء والنظر إليها. وعندما يحدث ذلك، تتغير حاجته إلى التعبير، ويصبح الشكل مطالباً بالاستجابة لما طرأ على رؤيته من تحول. وليس على الفنان أن يتقدم دائماً نحو شكل جديد عليه أن يتقدم نحو رؤية أصدق، وقد تقوده هذه الرؤية إلى شكل جديد، أو تعيده إلى شكل سابق، لكنه يراه هذه المرة بوعي مختلف.
والعلاقة بين الرؤية والشكل ليست انتقالاً في اتجاه واحد فقد يكتشف الفنان رؤيته من خلال الشكل، مثلما يكتشف الشكل الذي يحتاج إليه من خلال الرؤية. وربما تقوده تجربة تشكيلية إلى إدراك لم يكن قد اكتمل في وعيه، فتفتح أمامه إمكانات جديدة للتعبير. فالإبداع حوار مستمر بين ما يراه الفنان وما يستطيع أن يمنحه صورة فنية، وبين ما يريد التعبير عنه وما تكشفه له ممارسته الفنية.
ولا ينفصل الأسلوب عن هذه العلاقة. فهو ليس مجموعة من العلامات الخارجية التي يكررها الفنان حتى تصبح معروفة، بل الطريقة التي تتجسد بها رؤيته في العمل، من خلال اختياراته وحساسيته وتعامله مع عناصره. أما الخصوصية الفنية فهي أعمق من ثبات الأسلوب إنها الصلة الداخلية التي تجعل أعمال الفنان تحمل ملامح تجربته، حتى عندما تتغير أدواته وطرائق تعبيره. ولذلك لا يفقد الفنان خصوصيته لمجرد أنه غيّر أسلوبه، كما لا يثبت امتلاكه لها بمجرد تكرار أسلوب واحد.
ومع تراكم التجربة يتشكل لدى الفنان بناء عقلي وجمالي، تتداخل فيه الرؤية مع الشكل والأسلوب، ويصبح جزءاً من تكوينه الفني. يستطيع أن يضيف إليه ويوسع إمكاناته، لكن التمرد عليه قد يكون أكثر صعوبة لأنه لا يتعلق بتغيير التقنية وحدها، بل قد يتطلب إعادة ترتيب رؤيته وصقل علاقته بما يفكر فيه وما يستطيع التعبير عنه. وقد لا يعود العمل القائم قادراً على استيعاب هذا التحول، فتحتاج الرؤية الجديدة إلى بناء آخر ومساحة فنية مختلفة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين التكرار والتطوير والتجاوز. فالتكرار يعيد إنتاج ما نجح سابقاً من دون إضافة حقيقية، والتطوير يكتشف إمكانات جديدة داخل اللغة الفنية القائمة، أما التجاوز فيحدث عندما تصبح بعض الأسس السابقة غير كافية لحمل الرؤية الجديدة. وليس كل اختلاف في الأسلوب تطوراً، ولا كل تمرد على الماضي تحرراً منه فقد يسبق التغيير نضجه، وقد يفقد الفنان شيئاً من خصوصيته حين تصبح رغبته في الاختلاف أقوى من حاجته الداخلية إلى التعبير.
ولا يعني النضج الفني القدرة على الإضافة وحدها، بل يجمع بين الإضافة والاستغناء. وقد تكون القدرة على الاستغناء أشد صعوبة لأنها تتطلب من الفنان ألا يصبح أسيراً لإنجازاته، وألا يحوّل ما نجح فيه بالأمس إلى حدود تمنعه من اكتشاف إمكانات أخرى. فالنجاح السابق قد يتحول، إذا استقر الفنان في ظله، إلى قيد يحد من حريته. ومع ذلك، لا يعني الاستغناء إنكار الماضي أو التخلي عن كل ما أنجزه، بل معرفة ما لا يزال حياً في التجربة، وما لم يعد ضرورياً لها.
وقد يشعر الفنان أحياناً بأن مرحلة من تجربته قد اكتملت، لكنه لا يستطيع دائماً معرفة ذلك في لحظتها. فبدء تجربة جديدة قد يكشف له، بأثر رجعي، أن المرحلة السابقة بلغت حدودها، أو أنه كان يحتاج إلى مسافة مختلفة كي يرى إمكاناتها. واكتمال المرحلة لا يعني بالضرورة استنفاد كل ما فيها، بل قد يعني أن الفنان بلغ معها حداً لم تعد عنده قادرة على التعبير عن حاجته الجديدة بالطريقة نفسها.
ومن هنا يمكن فهم العودة إلى أسلوب سابق على نحو مختلف. فليس كل انتقال إلى شكل جديد تقدماً، وليس كل عودة إلى شكل قديم تراجعاً. قد يعود الفنان إلى لغة عرفها من قبل، لكنه يكتشف فيها إمكانات لم تكن رؤيته السابقة قادرة على استيعابها. فالعودة هنا ليست استعادة للماضي، بل إعادة اكتشاف له من موقع فني أكثر نضجاً. والفرق كبير بين أن يعود الفنان لأنه لم يجد طريقاً آخر، وأن يعود لأنه أصبح يرى ما لم يكن يراه من قبل.
وتقدم تجارب كبار الفنانين شواهد متعددة على هذه العلاقة. فليوناردو دافنشي لم تكن عظمته في إتقانه تقنيات الرسم وحدها، بل في رؤيته التي جمعت الملاحظة العلمية بالحس الجمالي، وفي قدرته على اكتشاف العلاقات بين الإنسان والطبيعة. أما ميكيلانجلو، فقد احتفظت أعماله، على اختلاف وسائطها، بقوة تعبيرية جعلت الجسد الإنساني مجالاً للكشف عن الصراع الداخلي والوجود الإنساني.
وتتيح تجربة بيكاسو تأمل التحولات الشكلية الواسعة من دون اعتبارها غاية في ذاتها. فقد انتقل بين مراحل وأساليب متعددة، وكانت أهمية هذه التحولات في علاقتها بطريقة رؤيته وإعادة بنائه للعالم. ولا ينبغي أن نفهم ذلك على أن كل تحول يمثل تقدماً بالضرورة، بل إن قيمته تكمن في ضرورته داخل التجربة، وفي قدرته على تقديم تعبير لم يعد الشكل السابق كافياً لحمله.
أما سلفادور دالي، فقد جعل من المهارة الواقعية الدقيقة وسيلة لتصوير عوالم غير مألوفة، بحيث لم تعد دقة الشكل مرتبطة بنقل الواقع الظاهر وحده، بل أصبحت أداة للكشف عن صور وأحلام وعلاقات تتجاوز المألوف. وهنا نرى كيف يمكن للغة فنية قريبة من الواقعية أن تحمل رؤية مختلفة تماماً عن الواقع الذي نعرفه.
وفي تجربة فيصل لعيبي تتجلى الخصوصية من خلال علاقته بالإنسان والبيئة العراقية والذاكرة الشعبية، وتحويل عناصر الحياة المحلية إلى لغة تشكيلية ذات حضور خاص. فالعودة إلى البيئة ليست تراجعاً عن الحداثة، كما أن الاستفادة من التراث لا تعني الوقوف عنده. يستطيع الفنان أن يحمل ذاكرته إلى الحاضر، وأن يمنحها شكلاً معاصراً من دون أن يفقد صلته بجذورها.
وهذا يقودنا إلى مفهوم الحداثة نفسه. فالحداثة ليست قطيعة إلزامية مع التاريخ، ولا سباقاً نحو الغرابة والتعقيد، بل قدرة على إعادة النظر في الموروث والتجربة والواقع، واكتشاف إمكانات جديدة للتعبير. وقد يكون العمل الأكثر جدة هو الذي يقدم رؤية معاصرة بلغة فنية بسيطة أو كلاسيكية، إذا كانت هذه اللغة أكثر قدرة على حمل تجربته.
فالشكل الراقي ليس بالضرورة شكلاً غريباً أو ثورياً أو شديد التعقيد فقد يكون واقعياً وبسيطاً، لكن وراءه قدرة خلاقة جعلت عناصره تتآلف في بناء فني متماسك. ولا تأتي القيمة من غرابة الوسيلة، بل من دقة العلاقة بين الفكرة وتكوينها الفني، ومن قدرة الفنان على تحويل ما يراه ويشعر به إلى عمل يمتلك ضرورته وحضوره.
إن الفنان لا يتطور بالابتعاد الدائم عن نفسه، ولا بالمحافظة على كل ما أنجزه، بل بتوسيع قدرته على اكتشاف نفسه والعالم من حوله. وقد يقتضي ذلك إضافة عناصر جديدة، أو التخلي عن عناصر سابقة، أو العودة إلى لغة فنية عرفها من قبل، لكن برؤية مختلفة. وفي جميع الحالات تبقى المسألة الأساسية هي صدق العلاقة بين الرؤية والشكل، وقدرة العمل على التعبير عن التجربة الإنسانية.
فالتجديد ليس واجباً شكلياً، والخصوصية ليست تكراراً، والحداثة ليست قطيعة مع التاريخ. إنما يتقدم الفن حين تنمو الرؤية، ويستجيب لها الشكل، ويتحول الأسلوب إلى تعبير صادق عن تجربة الفنان. وعندها لا يعود التغيير غاية في ذاته، بل يصبح نتيجة طبيعية للنضج الفني.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بابلو نيرودا… الشعر بوصفه عودة إلى الحياة.
- ألكسندر سولجينيتسين… حين يتكلم المنسيون
- صموئيل بيكيت… الوجود بين العبث والانتظار.
- ياسوناري كواباتا… حساسية الروح أمام الزمن
- ميغيل أنخل أستورياس… بين سحر الأسطورة وقسوة الواقع
- العاقل
- شموئيل يوسف عجنون ونيلي زاكس… الكتابة من قلب التجربة
- ميخائيل شولوخوف… وجوه الحياة في زمن العاصفة
- الشعر العراقي الحديث… حوار الأجيال وتحولات القصيدة
- جان بول سارتر... حرية الاختيار وثقل الوجود
- جورجوس سيفيريس Giorgos Seferis ماضي اليونان وأسئلة الإنسان
- معتز رشدي حديث الجراح بالشعر
- جون شتاينبك John Steinbeck واقعية تنصت إلى المقهورين
- منازل الحياة
- إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية
- سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
- سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ...
- بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت


المزيد.....




- صفاء سلطان في ورطة بسبب العلم السوري القديم
- أمل عرفة تخوض أولى تجاربها في الدراما السعودية عبر -ليل خرمس ...
- بعد العوضي.. محمد رمضان يثير الجدل برسالة إلى أحمد فلوكس
- انطلاق فعاليات مهرجان البحرين المسرحي في دورته الخامسة بالمن ...
- السينما العربية في مهرجان القاهرة: حكايات الهوية وذاكرة الصم ...
- من ذاكرة الحروب إلى معارك الهوية.. حكايات السينما العربية في ...
- زاك كريغر يخطط لأفلام الرعب على الآيفون قبل أن تبدأ الكاميرا ...
- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - الرؤية والشكل في الفن… جدلية التطور والخصوصية