أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الحيتان تسرق والذباب يعلن النصر .














المزيد.....

الحيتان تسرق والذباب يعلن النصر .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 23:50
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، حيث تتقن الحيتان الكبيرة فن ابتلاع المال العام، وحيث تختفي المليارات في دهاليز الصفقات والمشاريع الوهمية، وحيث تتحول خزائن الدولة إلى موائد مفتوحة للنهب المنظم، ابتكرت السلطة سلاحاً جديداً لمكافحة الفساد، لا يحتاج إلى قضاء مستقل، ولا إلى تحقيق جاد، ولا إلى استرداد الأموال المنهوبة؛ إنه سلاح الذبّان! نعم، الذبّان الذي لا يملك من القوة سوى طنينه، ولا من الشجاعة سوى الاقتراب من عظام الموتى، ولا من الإنجاز سوى الدوران حول ما تبقى من جثة الوطن. أعلنت الجهات المختصة صولة كبرى لمكافحة الطليان، فاستنفرت الذبّان، وارتفعت أصوات الطنين، وتحركت الكاميرات، وبدأت معركة إعلامية ضارية ضد خصم لا يملك محامياً ولا حزباً ولا مصرفاً خارجياً يحميه. أما الحيتان التي ابتلعت المال العام، فقد واصلت سباحتها الهادئة في بحار الامتيازات، مطمئنة إلى أن الصولة لن تبلغ أعماقها، وأن أقصى ما قد يصيبها هو خبر عابر في نشرة مسائية. في هذا العراق العجيب، يستطيع مسؤول أن يخرج من منصبه وقد ترك وراءه من علامات الاستفهام ما يكفي لبناء مدينة كاملة، ثم يعود إلينا بوجه جديد، وابتسامة أكثر لمعاناً، وخطاب يتحدث عن النزاهة ومكافحة الفساد. أما الموظف الصغير، الذي قد يسرق رغيفاً من مخبز الدولة، فتلاحقه العدالة كما لو أنه اختطف خزائن البنك المركزي. وهكذا أصبح الفساد مسألة أحجام؛ فالصغير يُحاسب لأنه لا يملك من يحميه، والكبير يُكرّم لأنه يملك من يفسّر أفعاله، والعملاق يُستثنى لأن الاقتراب منه قد يهدد استقرار المنظومة التي صنعته. أما الأموال التي غادرت العراق في رحلات لا تحتاج إلى تأشيرة عودة، فقد أصبحت أكثر حرية من المواطن نفسه. تسافر المليارات، وتستقر في مصارف العالم، وتشتري العقارات والقصور، بينما يقف العراقي أمام أبواب المصارف المحلية يسأل عن راتبه، وأمام المستشفيات يسأل عن دوائه، وأمام المدارس يسأل عن مستقبل أطفاله. والغريب أن كل هذه المأساة تجري تحت مظلة شعارات براقة، تتحدث عن الإصلاح والعدالة والكرامة، فيما المواطن الذي يفترض أن يكون صاحب السيادة تحول إلى متفرج في مسرحية طويلة، يُطلب منه التصفيق كلما ظهر مسؤول يحمل ملفاً أحمر، أو أعلن عن حملة جديدة، أو وعد بأن الفساد سيُقتلع من جذوره. لكن أي جذور ستُقتلع إذا كانت الأشجار نفسها تثمر امتيازات؟ وأي مكافحة ستنجح إذا كان من يعلن الحرب على الفساد يحتاج إلى من يضمن له عدم وصولها إلى أبواب شركائه؟ لقد أصبح الطنين بديلاً عن الحقيقة، والصولة بديلاً عن المحاسبة، والضجيج بديلاً عن استرداد المال. وكلما اشتد طنين الذبّان في الإعلام، ازداد اطمئنان الحيتان في الأعماق. أما الشعب، ذلك الذي يُطلب منه أن يصبر ويضحي ويشد الحزام، فقد أصبح خبيراً في التصفيق للمآسي التي تصيبه، يصفق للوعود، ويصفق للخطابات، ويصفق للذين يخبرونه أن الغد سيكون أفضل، حتى صار التصفيق آخر ما يملكه، بعد أن فقد القدرة على شراء ما يسد رمقه. والمفارقة أن الذبّان لا يقترب من الحيتان؛ فهو يعرف أن الاقتراب منها قد يكلفه حياته، لذلك يختار معارك آمنة، يطنّ فيها حول العظام، ويعلن انتصاراته على ما لا يستطيع المقاومة. إن العراق لا يحتاج إلى صولة جديدة، ولا إلى طنين إضافي، ولا إلى حملة إعلامية تنتهي بانتهاء ساعات البث. إنه يحتاج إلى دولة تستطيع أن تسأل الحيتان: من أين لكم هذا؟ وإلى قضاء لا يرتجف أمام الأسماء الكبيرة، وإلى مؤسسات تستعيد الأموال كما تستعيد كرامة المواطن. أما صولة الذبّان لمكافحة الطليان، فستبقى واحدة من أعظم مفارقات السياسة العراقية؛ معركة صاخبة ضد عظام لا تملك مالاً، في بلد تُسرق فيه الثروات على مرأى من الجميع. وما دام المواطن يصفق لمن يحرمه من رغيفه، وما دامت الحيتان تسبح في بحار المال بلا رادع، فستظل الصولات تتوالى، والذبّان يطنّ، والطليان تتكاثر، والوطن ينتظر من يوقظ شعبه من نشوة التصفيق، قبل أن يصبح التصفيق نفسه مراسم تشييع لآخر ما تبقى من العراق.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مالفرق بين الإنسان والحيوان العربي؟
- اليابان تصنع العقول.. والعراق يستهلك الشهادات.
- المتقاعد العراقي.. سنوات من العطاء وحقوق تنتظر الإنصاف.
- «قلبي متراس»
- الكراسي التي تبتلع الدولة .
- عمر القره غولي.. شاعر العراق الذي وحّد طبقات القصيدة.
- ستون مليوناً ثمن طفل.. أين اختفت رحمة الإسلام؟
- اغتيال الأدب باسم الاختصار .
- شهادة النسب .
- الوطن أولاً .
- طهران في خيمة الحسابات الدولية.
- ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اخ ...
- كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.


المزيد.....




- رضائي يكشف تفاصيل لقائه مع بوتين.. ماذا بحثا بشأن مرحلة ما ب ...
- -كصاعقة من السماء-.. الرئيس الإسرائيلي يعلق على إعلان ترامب ...
- السيدة الأولى الأمريكية تطلب نقل رسالة شخصية للرئيس الروسي
- -أنصار الله- تعلن استهداف مطار فهد الدولي بالدمام
- إيلون ماسك ضمن دائرة تحقيق الديمقراطيين في فساد ترامب
- رضائي يسلم بوتين رسالة من خامنئي ويبحث إنهاء الحرب
- بوتين: الاستخبارات المالية الروسية تضاهي أفضل المعايير العال ...
- قبل أن يصبح سيناتوراً أمريكياً، ما هي كواليس صور آدم حموي مع ...
- أراد استبدال الدولة الألمانية بـ-مملكة- خاصة .. محاكمة مؤسس ...
- مباحثات سرية بين إدارة ترامب وإيران بشأن ترحيل إيرانيين خلال ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الحيتان تسرق والذباب يعلن النصر .