أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عمر القره غولي.. شاعر العراق الذي وحّد طبقات القصيدة.















المزيد.....

عمر القره غولي.. شاعر العراق الذي وحّد طبقات القصيدة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 12:03
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس كل شاعر ينتمي إلى مدينة يستطيع أن يعبر حدودها، وليس كل من يكتب بلهجة محلية يمتلك القدرة على تحويلها إلى لغة وطنية تتسع لوجدان شعب بأكمله. لكن عمر القره غولي فعل ما هو أبعد من ذلك؛ فقد خرج من الموصل محمّلاً بذاكرتها، ثم مضى في جغرافيا الشعر العراقي حتى التقت في قصيدته طبقات الجنوب والوسط والشمال، لا بوصفها لهجات متجاورة، بل بوصفها روحاً عراقية واحدة تتكلم بأكثر من نبرة، وتحمل جرحاً واحداً بأسماء متعددة.**عمر القره غولي ابن العراق الذي لم يكتفِ بكتابة الشعر الشعبي، بل أعاد جمع شتات نسيجه، ووحّد في قصيدته ما فرّقته الجغرافيا، حتى أصبحت الموصل في لغته قريبة من الناصرية، وبغداد قريبة من البصرة، وأصبح العراقي يسمع نفسه في قصيدة لا تسأل عن مدينته قبل أن تمنحه حق الانتماء إليها.**لقد وقفت طويلاً أمام شعره، وأعدت قراءة تجربته أكثر من مرة. وفي بدايات متابعتي، كانت لي ملاحظات على بعض الاتجاهات التي اقترب منها، وكنت أشعر أحياناً أن القصيدة تميل إلى جهة لا تنتمي إلى جوهرها. لكن الإنصاف الذي تفرضه القراءة العميقة جعلني أكتشف أن الشاعر أكبر من بعض مواقفه، وأن التجربة الشعرية لا تُختزل في لحظة عابرة، بل تُقرأ في مجموع ما أنتجته من فكر وصورة ووعي.واليوم، وأنا أكتب عنه، أجدني أمام حقيقة لا أريد أن أخفف من قوتها: عمر القره غولي واحد من أهم الشعراء الشعبيين الذين أنجبهم العراق بعد عريان السيد خلف، وإسماعيل الكاطع، ومظفر النواب. وربما لا يقبل هو نفسه أن يُقاس بهؤلاء، لكنني لا أضعه في مقارنتهم كي أستعير لهم مجداً وأمنحه شيئاً منه، بل لأنني أرى في تجربته ما يؤهله للوقوف في مساحة الشعراء الذين غيّروا شكل القصيدة الشعبية ووسّعوا حدودها.بل إنني أقولها بوضوح: في بعض نصوصه، يتفوق عليهم في توصيل الفكرة، وفي بناء الصورة، وفي قدرته على جعل المعنى يصل إلى المتلقي من دون أن يفقد عمقه الفلسفي.إنه لا يكتب القصيدة كي يثبت أنه شاعر، بل يكتبها لأن الفكرة التي تسكنه لا تجد طريقاً آخر للخروج. ولذلك، فإن شعره لا يبدو استجابة لمناسبة، ولا تكراراً لمشهد اعتاده الجمهور، وإنما يبدو في كثير من الأحيان مواجهة فكرية مع الحياة، ومحاولة لفهم الإنسان في لحظات ضعفه وانكساره واحتجاجه.**إنه شاعر لا يطارد الفكرة داخل القصيدة، بل يجعل القصيدة تبحث عن الفكرة حتى تصل إلى جذورها.**وهنا تكمن فلسفته الشعرية؛ فهو لا يتعامل مع الشعر الشعبي باعتباره زينة لغوية أو استعراضاً للمفردات، وإنما يراه مساحة للفكر الإنساني، ومنبراً للقضايا، ومرآة للجرح الذي لا تستطيع اللغة اليومية أن تكشف كامل أبعاده.ولعل أكثر ما يميزه عن كثير من شعراء الساحة اليوم هو استقلال تجربته. ففي زمن تتشابه فيه القصائد، وتُعاد فيه الصور نفسها بأسماء مختلفة، ويجتمع بعض الشعراء على أفكار مستهلكة حتى تبدو القصيدة نسخة من قصيدة أخرى، يظل عمر القره غولي قادراً على تقديم موضوع جديد، ورؤية مستقلة، وصورة تحمل بصمته الخاصة.ولو جمعنا قصائده وقرأناها بعناية، لوجدنا أن كل قصيدة تفتح باباً مختلفاً، وأنه لا يكتب الفكرة نفسها بأقنعة متعددة، بل يذهب إلى الحياة في كل مرة من طريق جديد.وهذا ما يجعلني أرى فيه فيلسوف الفكرة في الشعر الشعبي العراقي؛ فالشاعر الحقيقي ليس من يكثر من الكتابة، بل من يمنح كل نص ضرورة وجوده، ويجعل القارئ يشعر أن القصيدة لم تكن قابلة لأن تُكتب إلا بهذه الطريقة.أما الموصل، فهي في تجربة عمر القره غولي ليست عنواناً جغرافياً، بل ذاكرة حضارية عميقة.مدينة حملت في أزقتها وتاريخها ومجالسها الثقافية إرثاً من العلم والأدب والفن، واحتفظت بخصوصيتها الإنسانية رغم ما مرّ بها من تحولات ومحن. ومن هذه البيئة التي تتجاور فيها الذاكرة مع الألم، والتاريخ مع الحياة اليومية، خرج شاعر يعرف كيف يصغي إلى الإنسان البسيط، وكيف يستخرج من مفرداته أسئلة تتجاوز حدود المكان.لكن عظمة عمر القره غولي لا تكمن في أنه شاعر موصلي فحسب، بل في أنه استطاع أن يجعل الموصل جزءاً من العراق الشعري كله.لقد أخذ من الشمال خصوصية لغته، ومن الوسط اتساع الرؤية، ومن الجنوب حرارة الوجدان وعمق الحزن الشعبي، ثم أعاد نسج هذه الطبقات في قصيدة عراقية لا تنتمي إلى منطقة وحدها، بل إلى وجدان وطن كامل.وهنا لا أتحدث عن جمع مفردات اللهجات أو تقليد إيقاعاتها، بل عن قدرة أعمق؛ قدرة الشاعر على فهم الروح التي تنتج تلك اللهجات، وعلى اكتشاف المشترك الإنساني الذي يجعل العراقي في أقصى الشمال يفهم وجع العراقي في أقصى الجنوب، حتى لو اختلفت المفردات وتباعدت المسافات.**لقد وحّد عمر القره غولي طبقات الشعر العراقي داخل القصيدة، كما لو أنه يعيد رسم خريطة الوطن بالكلمات؛ فلا شمال يشعر بالغربة عن الجنوب، ولا وسط يرى نفسه خارج الحكاية، بل عراق واحد تتعدد أصواته ولا تتعدد روحه.**ومن هنا أعتقد أنه من أبرز من منحوا الشعر الموصلي حضوراً عراقياً واسعاً بعد عثمان الموصلي، لا من خلال استنساخ الماضي، بل من خلال صناعة تجربة معاصرة تحمل روح الموصل وتفتحها على فضاء العراق.أما خلفيته القانونية، فأراها جزءاً من تكوينه الفكري. فالقانون يبحث عن العدالة في النصوص، والشعر يبحث عنها في حياة الإنسان. وحين يجتمع العقل القانوني مع الحس الشعري، تصبح القصيدة أكثر قدرة على كشف التناقض بين ما ينبغي أن يكون وما يعيشه الناس فعلاً. ولعل هذا ما يجعل الفكرة في شعره أكثر حضوراً من الزخرفة، والقضية أكثر عمقاً من المناسبة.أنا لا أكتب عن عمر القره غولي كي أضعه فوق الآخرين، ولا كي أمنحه لقباً لا يحتاج إليه، بل لأنني أرى أن الشعر الشعبي العراقي يستحق أن يُنصف من خلال تجاربه الحقيقية، لا من خلال ضجيج المجالس أو كثرة التصفيق.إن الشاعر الذي يكتب من أجل الجمهور قد يحصل على إعجاب عابر، أما الشاعر الذي يكتب من أجل الفكرة، فإنه يترك في الذاكرة أثراً لا تستطيع الأيام محوه.وعمر القره غولي، في تقديري، من هؤلاء الذين لا يكتفون بكتابة القصيدة، بل يوسّعون بها حدود الشعر نفسه، ويمنحون اللغة الشعبية قدرة على التفكير، ويجعلون الفكرة أكثر حضوراً من الاسم، والإنسان أكثر أهمية من المناسبة.**إنه ابن الموصل الذي حمل العراق في قصيدته، وابن العراق الذي أعاد للقصيدة الشعبية وحدتها، وشاعر لا تقاس قيمته بما يقوله عنه الآخرون، بل بما يتركه شعره في عقولهم بعد أن ينتهي التصفيق.**ولذلك، فإن شهادتي فيه ليست مجاملة، بل اعتراف قارئ وجد في تجربته ما يستحق الثناء والتقدير؛ شاعراً جمع طبقات الشعر العراقي في نسيج واحد، وجعل من الفكرة وطناً، ومن القصيدة مساحة يلتقي فيها العراقيون على اختلاف لهجاتهم، وتاريخهم، وأوجاعهم.وهذا، في اعتقادي، هو المجد الحقيقي للشاعر: أن ينتمي إلى مدينته بكل ما فيها من ذاكرة، لكنه لا يتوقف عند حدودها؛ أن يكتب بلهجته، لكن يسمعه العراق كله؛ وأن يحمل جرحه الخاص، حتى يصبح جرحاً يعرفه الجميع.عمر القره غولي ليس شاعراً موصلياً يكتب للعراق، بل شاعر عراقي جعل الموصل نافذته إلى الوطن، وجعل الوطن كله قصيدته.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ستون مليوناً ثمن طفل.. أين اختفت رحمة الإسلام؟
- اغتيال الأدب باسم الاختصار .
- شهادة النسب .
- الوطن أولاً .
- طهران في خيمة الحسابات الدولية.
- ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اخ ...
- كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .
- وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .
- ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.
- العراق لا يُنقذ بالاستجداء بل باستعادة الدولة.


المزيد.....




- كيف أصبح أعلى جسر في العالم وجهة سياحية شهيرة في الصين؟
- الأردن: مقتل عنصر أمن إثر الاعتداء عليه بآلة حادة في عمّان
- قبة موسكو الفلكية والطريق إلى -بايكونور-
- المركبة الفضائية الروسية الجديدة تستعد لاختبارات الطيران
- تاكر كارلسون: الولايات المتحدة أفلست نتيجة الحروب والمواجهات ...
- مقاتلات ترافق طائرة ركاب بعد تحذير من قنبلة على متنها
- إلهان عمر ترقص على أنغام صومالية احتفالا بفوزها بولاية خامسة ...
- الحوثيون يطالبون الرياض بتعويض هائل
- خبير مصري: تجسس إسرائيل على منشأة سرية لا يحترم السيادة
- 5 قتلى و13 جريحا في استهداف أوكراني لحافلة ركاب في لوغانسك


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عمر القره غولي.. شاعر العراق الذي وحّد طبقات القصيدة.