أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ستون مليوناً ثمن طفل.. أين اختفت رحمة الإسلام؟














المزيد.....

ستون مليوناً ثمن طفل.. أين اختفت رحمة الإسلام؟


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 15:58
المحور: قضايا ثقافية
    


أن تصل المأساة في بلد يتحدث كثيراً عن الدين والفضيلة إلى أن تعرض أم طفلها للبيع مقابل ستين مليون دينار، فذلك ليس خبراً جنائياً عابراً، بل صرخة في وجه ضمير مجتمع يرفع شعارات الرحمة بينما تتسع فيه مساحات الفقر والانهيار الأخلاقي. لقد أعلنت الجهات المختصة بمكافحة الاتجار بالبشر، بالتعاون مع الأمن الوطني، إحباط محاولة بيع طفل من قبل أمه في منطقة البلديات مقابل هذا المبلغ، بالاشتراك مع شخص آخر. وهنا لا يكفي أن ندين الجريمة ونغلق الملف، بل علينا أن نسأل: كيف أصبح الطفل سلعة؟ وأين ذهبت قيم التكافل التي جعلت حماية الضعيف مسؤولية المجتمع والدولة؟ وأين أنتم يا من تتحدثون باسم الإسلام، من طفل كاد يتحول إلى صفقة مالية في بلد تتحدث مؤسساته عن الزكاة والخمس والصدقات؟ لقد ارتبطت بعمر بن الخطاب عبارة «لو عثرت بغلة في العراق لخفت أن يسألني الله عنها»، كما اشتهرت عن الرشيد مخاطبة السحابة بقوله: «أمطري حيث شئت، فسيأتيني خراجك»، وتناقلت الأجيال العبارة المنسوبة إلى عمر بن عبد العزيز: «انثروا القمح على رؤوس الجبال حتى لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين». هذه ليست مجرد حكايات للتفاخر بالماضي، بل معانٍ تختصر مسؤولية الحاكم تجاه الإنسان والحيوان والفقير. فأين أصبحنا من تلك المسؤولية؟ وأين نحن من محمد صلى الله عليه وسلم، الذي عاش حياة بسيطة، وشارك الناس أحوالهم، وجعل الرحمة والعدل أساساً في التعامل معهم؟ أخطر ما يحدث للأوطان أن تتحول العقيدة من رسالة تهذب الإنسان إلى راية سياسية تُستخدم لمصادرة انتمائه وتبرير أخطاء المتحدثين باسم السماء. فالوطن ليس خصماً للإيمان، وحب الأرض ليس خروجاً على العقيدة. لقد هاجر الرسول من مكة إلى المدينة لحماية الرسالة، لكنه لم ينس وطنه، وظل الحنين إليها حاضراً في وجدانه، ثم عاد إليها فاتحاً حاملاً رسالة العفو والتسامح. كانت الهجرة انتقالاً لحماية الدعوة، لا دعوة إلى التخلي عن الأوطان. فالعقيدة تسكن القلب، والوطن يسكن الذاكرة والوجدان، ولا تعارض بين الإيمان والتمسك بالأرض التي نعيش عليها. الإسلام الذي جاء به محمد كان رسالة عدل ورحمة، لا مشروعاً للهيمنة والتكفير. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»؟ كان ذلك إعلاناً بأن العدالة لا تعرف القرابة ولا النفوذ ولا الامتيازات. فأين هذه العدالة اليوم في مجتمعات تتحدث باسم الدين بينما تُنهب أموالها، وتُشترى المناصب، وتُباع الذمم؟ وهل يمثل الإسلام تبرير زواج القاصرات، والاتجار بالبشر والأعضاء، والمخدرات والرشوة، واستغلال النساء، أم أن هذه ممارسات تتناقض مع جوهر رسالته؟ المشكلة ليست في الدين، بل في الذين اختطفوا صورته وألبسوا مصالحهم ثيابه، ثم طالبوا الناس بتقديسهم لأنهم يرتدون العمامة أو يرفعون الشعارات. فليس كل من اعتلى المنبر أميناً، وليس كل من رفع المصحف عادلاً، والعمامة لا تمنح صاحبها حصانة من النقد أو القانون. وفي العراق تبدو المفارقة أكثر قسوة؛ بلد يمتلك ثروات وتاريخاً حضارياً، لكنه يعاني من الفساد وتراجع الخدمات وضياع حقوق المواطن. من المسؤول عن الأموال التي نُهبت؟ ومن جعل مؤسسات الدولة حصصاً حزبية، والوظائف مكافآت للأتباع، والثروة الوطنية مجالاً لتقاسم النفوذ؟ وهل تصبح السرقة حلالاً إذا ارتكبها شخص يرفع شعار الدين أو المقاومة؟ إن مقاومة الاحتلال لا تمنح أحداً حق امتلاك العراق أو التصرف بثرواته. وأين تذهب أموال الزكاة والخمس وأموال المسلمين إذا ظل الفقير وحيداً أمام الجوع، والطفل معرضاً للاستغلال، والمحتاج عاجزاً عن حماية أسرته؟ لماذا تتقدم فتاوى التكفير ورفض الآخر على مبادرات الرحمة والتكافل؟ أليس الدين تسامحاً وتعايشاً وحفظاً لكرامة الإنسان؟ ولماذا يبقى الموظف العراقي ينتظر راتباً لا يواكب أعباء الحياة، ثم تتحول مطالبته بسلم رواتب عادل إلى مشكلة تقلق أصحاب الامتيازات، ويُواجه صوته السلمي بالقمع بدلاً من الإنصاف؟ الراتب حق، والعدالة ليست منّة من مسؤول أو حزب. إن الأمة التي كانت تترجم علوم الآخرين وتضيف إلى المعرفة الإنسانية لا يليق بها أن تحارب العقل أو تخاف من التطور. المسلمون قديماً استخدموا الخيل والسيوف لأنها أدوات عصرهم، أما اليوم فالقوة في العلم والصناعة والتكنولوجيا والبحث، ولا يمكن مواجهة الطائرات والصواريخ بالسيف والرمح أو بالخطابات وحدها. صلاح الدين وطارق بن زياد لم يصنعا التاريخ بالشعارات، بل بالإرادة والاستعداد وأسباب القوة المتاحة في زمانهما. فهل نريد أن نعيد أبناءنا إلى زمن مضى، أم نريد لهم جامعات ومختبرات ومصانع ودولة تحترم العقل؟ إن الإسلام لا يتعارض مع التطور، ولا يحتاج إلى الجهل كي يحمي هويته. المطلوب أن نفصل بين قداسة العقيدة وبشرية من يتحدثون باسمها، وأن نخلع عن السياسة عباءة التقديس، وأن نعيد العمامة إلى دورها الديني بعيداً عن صفقات السلطة ومصالح الأحزاب. ومن أراد أن يخدم الإسلام فليبدأ بالصدق والأمانة، ومن أراد أن يخدم العراق فليحفظ ثرواته وحقوق أبنائه، ومن أراد أن يتحدث عن الرسول فليتأمل عدله ورحمته وتواضعه، لا أن ينتقي من سيرته ما يخدم سلطته. العراق ليس غنيمة لحزب، ولا ملكاً لجماعة، بل وطن لجميع أبنائه، ومن حق كل عراقي أن يحبه ويعتز به دون أن يقدم شهادة ولاء لأي وصي. اخلعوا عمائمكم السياسية، واتركوا الدين بعيداً عن أسواق المساومة، وواجهوا الناس بوجوهكم الحقيقية، لا بواجهات دينية تخفي مصالح السلطة والمال. فالإيمان لا يُقاس بكثرة الشعارات، بل بما يتركه في سلوك الإنسان من عدل ورحمة وصدق. ستون مليوناً ثمن طفل؛ رقم يكشف المسافة بين دين جعل الرحمة أساساً للحياة وواقع أصبح فيه الإنسان مهدداً بالفقر والاستغلال. الأمة التي خافت على طير من الجوع لا يجوز أن تترك أطفالها في أسواق البيع. والعراق لا يحتاج إلى مزيد ممن يتحدثون باسم الله، بل إلى رجال يخافون الله في الإنسان والوطن.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اغتيال الأدب باسم الاختصار .
- شهادة النسب .
- الوطن أولاً .
- طهران في خيمة الحسابات الدولية.
- ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اخ ...
- كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .
- وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .
- ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.
- العراق لا يُنقذ بالاستجداء بل باستعادة الدولة.
- الجسد الذي تخشاه السلطة أكثر من الحقيقة.


المزيد.....




- رضائي يكشف تفاصيل لقائه مع بوتين.. ماذا بحثا بشأن مرحلة ما ب ...
- -كصاعقة من السماء-.. الرئيس الإسرائيلي يعلق على إعلان ترامب ...
- السيدة الأولى الأمريكية تطلب نقل رسالة شخصية للرئيس الروسي
- -أنصار الله- تعلن استهداف مطار فهد الدولي بالدمام
- إيلون ماسك ضمن دائرة تحقيق الديمقراطيين في فساد ترامب
- رضائي يسلم بوتين رسالة من خامنئي ويبحث إنهاء الحرب
- بوتين: الاستخبارات المالية الروسية تضاهي أفضل المعايير العال ...
- قبل أن يصبح سيناتوراً أمريكياً، ما هي كواليس صور آدم حموي مع ...
- أراد استبدال الدولة الألمانية بـ-مملكة- خاصة .. محاكمة مؤسس ...
- مباحثات سرية بين إدارة ترامب وإيران بشأن ترحيل إيرانيين خلال ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ستون مليوناً ثمن طفل.. أين اختفت رحمة الإسلام؟