أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - اليابان تصنع العقول.. والعراق يستهلك الشهادات.















المزيد.....

اليابان تصنع العقول.. والعراق يستهلك الشهادات.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 16:16
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست المأساة أن تمتلك بلدًا ملايين الشهادات العليا، بل أن تحتاج إلى استيراد العقل من الخارج، ثم تستقبله باللامبالاة، وكأن المعرفة غريبة عن أرضها، وكأن العالم الذي قطع آلاف الأميال ليضع خبرته في خدمة وطنه قد ارتكب خطأً في اختيار المكان الذي يستحق علمه. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية، لا من عدد الشهادات المعلقة على الجدران، بل من قيمة العقل الذي يقف خلفها، ومن مجتمعٍ يرفع الورقة العلمية إلى السماء، ثم يترك صاحبها يبحث عن مقعد في آخر القاعة.تُروى أرقام عن اليابان تشير إلى أن عدد حملة الماجستير بلغ نحو 615 لكل مليون نسمة، وحملة الدكتوراه نحو 131 لكل مليون، وفق إحصاءات عام 2010. وباحتساب سكانها آنذاك بنحو 122 مليون نسمة، فإن الأرقام تقود إلى قرابة 75 ألفًا من حملة الماجستير و16 ألفًا من حملة الدكتوراه، وفق هذه النسب. وهي أرقام تستدعي التحقق من تعريفاتها ومجالاتها، لكنها تفتح سؤالًا فلسفيًا أكبر من الحساب: كيف استطاعت دولة أن تجعل من المعرفة قوة إنتاجية، حتى وهي لا تتعامل مع الشهادة بوصفها غاية في ذاتها؟وفي المقابل، تتداول إحصاءات عراقية أرقامًا ضخمة عن شهادات الماجستير والدكتوراه الصادرة من الجامعات الإيرانية للعراقيين خلال الفترة من 2015 إلى 2026، تصل إلى نحو مليون وثلاثمائة وخمسين ألف شهادة. وهو رقم يحتاج إلى تدقيق رسمي مستقل، وإلى معرفة ما إذا كان يشمل الشهادات المعادلة أو المسجلين أو غيرهم، وما إذا كان يمثل أشخاصًا أم وثائق. لكن مجرد طرحه يضعنا أمام سؤال لا يجوز الهروب منه: كم شهادة عليا نملك فعلًا؟ وكم عقلًا علميًا استفدنا منه؟ وكم مؤسسة تحولت فيها الشهادة إلى وسيلة للترقي، لا إلى مسؤولية في بناء المجتمع؟إن الفرق بين اليابان والعراق لا يُختزل في عدد حملة الشهادات، ولا يصح أن تتحول الأرقام وحدها إلى حكم نهائي على تجربة بلدين مختلفين في السكان والاقتصاد ونظام التعليم. الفرق الأعمق يكمن في العلاقة بين المعرفة والقرار، بين الجامعة ومؤسسات الدولة، وبين الشهادة وما تنتجه من أثر في حياة الناس. فالشهادة في مجتمعٍ يحترم العلم تفتح باب المختبر، وتمنح صاحبها فرصة البحث، وتضعه في المكان الذي يستطيع فيه أن يضيف شيئًا إلى حياة الآخرين. أما في مجتمعٍ اختلت فيه المعايير، فقد تصبح الشهادة مفتاحًا لباب الوظيفة، أو وسيلة للصعود الاجتماعي، أو زينةً تُضاف إلى السيرة الشخصية، بينما يبقى العقل نفسه خارج دائرة التأثير.وهنا تتجلى المفارقة العراقية بكل قسوتها: قد تجد إعلاميًا يتحدث عن التعليم والتطوير وهو لا يملك من المعرفة ما يؤهله لمناقشة أبسط أسئلته، وقد تجد صاحب شهادة من جامعة أهلية لا يهمه ما تعلمه بقدر ما يهمه اللقب الذي يسبقه، وقد تجد سياسيًا أميًا في الفكر والإدارة، لا يعرف من الدولة سوى الكرسي الذي يجلس عليه، لكنه يقرر مصير الجامعات والعلماء والمناهج والبحث العلمي.المشكلة ليست في الجامعة الأهلية لمجرد كونها أهلية، ولا في الشهادة العليا لمجرد أنها شهادة؛ فهناك مؤسسات رصينة وكفاءات حقيقية في مختلف القطاعات. المشكلة في تحويل التعليم إلى تجارة، واللقب إلى سلعة، والوظيفة إلى غنيمة، وفي أن يصبح معيار التقييم هو الجهة التي تمنح الشهادة أو الجهة التي تمنح المنصب، لا ما يمتلكه الإنسان من معرفة وقدرة على الإنجاز.أما الإعلام، فقد دخل بعضه هذا السوق من أوسع أبوابه. لم يعد يسأل العالم عن اكتشافاته، بل يفتش عن المسؤول الذي يستطيع أن يمنحه تصريحًا. لم يعد يبحث عن الفكرة التي تغير المجتمع، بل عن العبارة التي تصنع ضجة وتستقطب المشاهدات. وهكذا صار صاحب المعرفة ضيفًا ثقيلًا على بعض المنابر، بينما يُمنح الجاهل مساحة واسعة لأنه يعرف كيف يرفع صوته، أو كيف يساير رغبات الممول، أو كيف يحول النقاش إلى استعراض لا يحتاج إلى علم ولا إلى ضمير.إن الإعلام الذي لا يستطيع التمييز بين الشهادة والكفاءة، وبين المنصب والقيمة، وبين الشهرة والمعرفة، لا يكتفي بتضليل الجمهور، بل يساهم في صناعة مجتمعٍ يرى التفاهة نجاحًا، والجهل وجهة نظر مكتملة، والعالم شخصًا يحتاج إلى إثبات أهميته أمام من لا يعرفون شيئًا عن مجاله.وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى ما جرى مع البروفيسور العراقي سلمان الرواف، أستاذ الصحة العامة في إمبريال كوليدج لندن، بوصفه مجرد خطأ تنظيمي عابر. فمشهد سحب ميكروفونات بعض القنوات الفضائية من أمامه خلال مؤتمر العراق للتعليم في جامعة بغداد، بعد مغادرة وزير التعليم العالي، كشف عن خلل أعمق في ترتيب الأولويات الإعلامية. الرجل الذي جاء من بريطانيا بخبرة علمية طويلة وجد نفسه أمام موقف دفعه إلى الاحتجاج: «عيب والله عيب».وقد وصف البروفيسور الحادثة لاحقًا بأنها خطأ تنظيمي، وقَبِل الاعتذار الذي قُدّم إليه. لكن قبول الاعتذار لا يعني أن السؤال انتهى؛ بل ربما كان بداية السؤال الحقيقي: لماذا يبدو حضور المسؤول أكثر أهمية من حضور العالم؟ ولماذا تلاحق بعض الكاميرات صاحب المنصب حتى آخر خطوة، ثم تنصرف عن صاحب المعرفة وكأن مهمته انتهت بانتهاء البروتوكول؟..إن إهانة العالم لا تبدأ دائمًا بكلمة جارحة، فقد تبدأ بتجاهله، أو بتهميش رأيه، أو بحرمانه من المساحة التي يستحقها. وحين يحدث ذلك في مؤتمر مخصص للتعليم، فإن المفارقة تصبح أكثر إيلامًا؛ لأن المكان الذي يفترض أن يحتفي بالعلم يتحول إلى مشهد يكشف مقدار ابتعادنا عنه.اليابان لم تصل إلى ما وصلت إليه لأن كل مواطنيها يحملون شهادات عليا، بل لأن المعرفة أصبحت جزءًا من منظومة العمل والإنتاج والتطوير، ولأن قيمة الإنسان لا تتحدد بمجرد قربه من السلطة. أما العراق، فلا يحتاج إلى مزيد من الاحتفالات بالشهادات بقدر ما يحتاج إلى مراجعة العلاقة بين التعليم والوظيفة، وبين الجامعة والدولة، وبين الإعلام والحقيقة.نحتاج إلى أن نسأل: ماذا فعلت هذه الشهادات في مؤسساتنا؟ كم مستشفى تطور بفضلها؟ كم مدرسة تغيرت؟ كم بحثًا تحول إلى مشروع؟ كم عالمًا وجد مختبرًا؟ وكم مسؤولًا اختير لأنه يمتلك الكفاءة، لا لأنه يمتلك شبكة الولاءات؟..إن الدولة التي تمنح الجاهل سلطة القرار، وتترك العالم خارج دائرة التأثير، لا تعاني من نقص الشهادات، بل من أزمة في تعريف القيمة. وحين يصبح السياسي الذي لا يفهم العلم وصيًا عليه، والإعلامي الذي لا يقرأ بحثًا علميًا ناقدًا له، وصاحب اللقب الذي لا يمتلك المعرفة منافسًا لمن أفنى عمره في اكتسابها، فإن المشكلة تتجاوز التعليم إلى بنية الوعي العام.العراق ليس فقيرًا بالعقول، لكنه فقير في بعض مؤسساته إلى القدرة على احترامها. وليس عاجزًا عن إنجاب العلماء، لكنه يحتاج إلى أن يتوقف عن دفعهم نحو الهجرة، أو استقبالهم بالشك والبيروقراطية والتجاهل. فالوطن الذي يستدعي كفاءاته ثم يضعها في امتحان الولاء أو المجاملة، لا يستعيد علمه، بل يستعيد أجسادًا تحمل خبراتها إلى مكان آخر.يا بروفيسور سلمان الرواف، إن ما حدث معك لا يختصر قيمة العراق، ولا يمثل شعبًا يستحق أن يكون العلم في مقدمة أولوياته. لكنه يضع أمامنا مرآة لا يجوز كسرها لمجرد أن صورتنا فيها مؤلمة. فالمعركة ليست بين عالم ومسؤول، ولا بين شهادة وأخرى، بل بين عقلٍ يريد أن يبني وطنًا، ومنظومةٍ ما زالت تتعامل مع المعرفة باعتبارها تفصيلًا يمكن تأجيله.فما جدوى أن نملأ البلاد بالشهادات إذا كانت العقول التي صنعتها لا تجد مكانًا في صناعة القرار؟ وما قيمة الإعلام إذا كان يرفع الميكروفون أمام صاحب المنصب، ويخفضه أمام صاحب العلم؟ وأي مستقبل ينتظر وطنًا يمنح الجهل سلطة الكلام، ثم يطالب العلماء بأن يصبروا على الصمت؟..إن النهضة لا تبدأ من عدد الشهادات التي نحصيها، بل من عدد العقول التي نحترمها، ولا تُقاس بما نعلقه على الجدران، بل بما نسمح له أن يغير واقعنا. فاليابان لم تجعل الشهادة تاجًا فوق رأس صاحبها فحسب، بل جعلت المعرفة قوةً في حياة المجتمع. أما نحن، فعلينا أن نقرر: هل نريد دولةً تصنع العلم، أم سوقًا تبيع ألقابه؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المتقاعد العراقي.. سنوات من العطاء وحقوق تنتظر الإنصاف.
- «قلبي متراس»
- الكراسي التي تبتلع الدولة .
- عمر القره غولي.. شاعر العراق الذي وحّد طبقات القصيدة.
- ستون مليوناً ثمن طفل.. أين اختفت رحمة الإسلام؟
- اغتيال الأدب باسم الاختصار .
- شهادة النسب .
- الوطن أولاً .
- طهران في خيمة الحسابات الدولية.
- ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اخ ...
- كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .


المزيد.....




- قاض فيدرالي يأمر إدارة ترامب بعدم استبعاد 20 ألف ورقة اقتراع ...
- -أكسيوس-: ترقب محادثات روسية أمريكية أوكرانية في أبو ظبي يوم ...
- كوريا الشمالية تنفي أي صلة لها باختراق بورصة -باينانس-
- ولي عهد الأردن: ندين الاعتداءات الحوثية على السعودية وندعم إ ...
- -بلومبرغ-: واشنطن تريد من حلفاء الناتو تأمين ملياري دولار لت ...
- نتنياهو يدعو المعارضة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية بعيدا عن ال ...
- إيران تكثف التدريب العسكري للمتطوعين المدنيين تحسبا لأي ضربا ...
- احتجاجات جيل زد في ألمانيا ..تظاهرات مليونية وحريق هائل في ب ...
- أوكرانيا: 26 قتيلا على الأقل في ضربات روسية بعد انتهاء هدنة ...
- ضربت 9 دول.. كيف اخترق القراصنة ثلاجات عشرات المتاجر الأوروب ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - اليابان تصنع العقول.. والعراق يستهلك الشهادات.