أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الكراسي التي تبتلع الدولة .














المزيد.....

الكراسي التي تبتلع الدولة .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 16:23
المحور: قضايا ثقافية
    


أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن أن تتحول الدولة من فكرة تقوم على خدمة الإنسان إلى منظومة تتسابق فيها القوى على اقتسام السلطة والثروة. عندها لا يعود المنصب مسؤولية، بل يصبح استثماراً، ولا تعود المؤسسة وسيلة لبناء المجتمع، بل تتحول إلى واجهة تحمي مصالح من يجلسون في داخلها. وهذا بالضبط ما يجعل العراق بحاجة إلى مراجعة جذرية لتجربته السياسية، لا إلى مسكنات إدارية جديدة.يأتي مقترح الزيدي بشأن عدم إجراء انتخابات جديدة لمجالس المحافظات، وحل المجالس الحالية بعد انتهاء دورتها، على خلفية الكلفة المالية التي قُدرت بنحو 900 مليار دينار للانتخابات الأخيرة، فضلاً عن رواتب الأعضاء ومخصصاتهم. وهو مقترح يفتح نقاشاً يتجاوز مسألة الانتخابات إلى جوهر الإدارة السياسية في العراق: ما جدوى مؤسسات تستهلك الأموال إذا لم تنعكس نتائجها على حياة المواطنين؟..لقد تحولت بعض مجالس المحافظات إلى ساحات للمحاصصة والمناورات الحزبية وتقاسم المشاريع والواردات، وأصبح التنافس على المواقع أحياناً أكبر من التنافس على تقديم الخدمات. لذلك فإن إعادة النظر في وجودها ليست مجرد مسألة توفير مالي، بل ينبغي أن تكون مدخلاً لإصلاح الإدارة المحلية، عبر اختيار المحافظين وفق الكفاءة والنزاهة، وبآلية قانونية ودستورية واضحة، ورقابة مستقلة تمنع احتكار القرار أو تحويل المحافظات إلى إقطاعيات حزبية.لكن الإصلاح لا يجوز أن يتوقف عند أبواب مجالس المحافظات. مجلس النواب أيضاً بحاجة إلى مراجعة شاملة لرواتبه ومخصصاته وامتيازاته التقاعدية، ومنع الجمع غير القانوني بين الرواتب، وإنهاء الامتيازات التي لا تتناسب مع مبدأ العدالة. فلا يعقل أن يقضي المواطن عقوداً في العمل ليحصل على تقاعد محدود، بينما تتحول دورة نيابية واحدة إلى امتيازات مالية طويلة الأمد. من يريد خدمة الناس فليدخل العمل العام باعتباره تكليفاً، لا طريقاً لاسترداد الأموال ومضاعفتها.وكذلك المجالس البلدية وسائر المؤسسات المحلية التي ينبغي أن تخضع لمعيار الإنتاج والجدوى، لا لمعيار التوسع في المناصب والرواتب. فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الكراسي، بل إلى إدارة تعرف كيف تصرف ديناراً واحداً في مكانه الصحيح.أما القضية الأعمق فهي تعدد مراكز النفوذ والقرار، ووجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة. لا يمكن بناء دولة مستقرة ما دام القانون يتقدم على الضعيف ويتراجع أمام القوي. المطلوب حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وإنهاء ازدواجية القرار، وتقليص نفوذ الكتل على مؤسسات الدولة، حتى لا يبقى العراق رهينة مصالح سياسية تتقدم على مصلحته الوطنية.ومن مقتضيات الإصلاح أيضاً فتح ملفات الأبرياء الذين طالتهم أحكام أو اعتقالات استناداً إلى وشايات وتقارير كيدية، ومراجعة القضايا التي شابتها أخطاء قانونية، وإعادة محاكمة من تتوافر أسباب مشروعة لذلك. فالعدالة لا تكتمل إلا بإنصاف المظلوم، ولا يجوز أن يكون المخبر السري أقوى من الدليل، أو أن تتحول الوشاية إلى حكم على حياة إنسان.والإعلام ليس خارج دائرة المسؤولية؛ فقد تحولت بعض منابره إلى منصات لتجميل إخفاقات السياسيين والدفاع عن أصحاب المصالح، بدلاً من مراقبة السلطة وكشف الخلل. الإعلام الذي يفقد استقلاله يفقد رسالته، والصحافة التي تستبدل الحقيقة بالتصفيق تصبح جزءاً من المشكلة. وعلى الدولة حماية حرية النقد والتعبير، وضمان استقلال المؤسسات الإعلامية والرقابية، بعيداً عن التهديد والشراء والتوجيه الحزبي.بعد خمسة وعشرين عاماً، يحق للعراقي أن يسأل: أين الصناعة؟ أين الزراعة؟ أين المستشفيات والمدارس؟ أين فرص العمل؟ ولماذا اتسعت مظاهر الاستهلاك والمجمعات التجارية، بينما بقي الاقتصاد رهين النفط، والشباب رهائن البطالة والهجرة؟ لا تقاس نهضة الدول بارتفاع المباني ولا بكثرة المولات، بل بما تنتجه، وبما توفره لمواطنيها من كرامة وأمان وفرص.والعراق، وسط صراع المصالح الدولية والإقليمية، لا يحتمل أن يكون ساحة لتصفية الحسابات أو ورقة تفاوض في ملفات الآخرين. لا تجعلوا أبناءه حطباً لمعركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا تستخدموا الدين والمقاومة غطاءً لتناقضات السياسة ومساومات البقاء. الوطن أكبر من الشعارات، والسيادة لا تُقاس بما يقال في المنابر، بل بامتلاك القرار وحماية مصالح العراقيين.إن مقترح الزيدي ينبغي أن يكون بداية لمراجعة أوسع، لا مجرد قرار يتعلق بمؤسسة واحدة. فإلغاء مجالس المحافظات، إن أُريد له أن يكون دائماً، يحتاج إلى مسار دستوري وقانوني صحيح، كما أن استبدالها بتعيينات مركزية لا يضمن الإصلاح ما لم تصاحبه رقابة حقيقية ومعايير كفاءة ومحاسبة. المشكلة ليست في شكل المؤسسة وحده، بل في العقل السياسي الذي يديرها.إلى أصحاب القرار: ابدأوا بأنفسكم، خفّضوا امتيازاتكم، أوقفوا نزيف المال العام، حرروا المؤسسات من هيمنة الأحزاب، وأعيدوا الاعتبار للقانون. لا تطلبوا من المواطن التضحية فيما تبقى امتيازاتكم خارج الحساب. ولا تتصوروا أن العالم سيبقى ينتظر خلافاتكم الداخلية، فالمصالح الدولية تتغير، وموازين القوى لا ترحم الدول التي تعجز عن حماية قرارها.لقد انتهى زمن تعليق الفشل على شماعة الماضي، ولم يعد مقبولاً أن يُطلب من العراقي انتظار ربع قرن آخر حتى يرى دولة حقيقية.إن أخطر ما في التجربة العراقية أن الكراسي أصبحت أكثر استقراراً من المؤسسات، والامتيازات أكثر حماية من الحقوق، والمصالح الحزبية أكثر حضوراً من مصلحة الوطن. وحين يصبح بقاء المسؤول أهم من بقاء الدولة، نكون قد وصلنا إلى لحظة تستوجب إعادة النظر في كل شيء.لا نريد تغيير الوجوه لتستمر اللعبة ذاتها؛ نريد تغيير قواعد اللعبة حتى لا يبقى العراق رهينة كراسي تستهلكه، بينما شعبه يدفع الثمن.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عمر القره غولي.. شاعر العراق الذي وحّد طبقات القصيدة.
- ستون مليوناً ثمن طفل.. أين اختفت رحمة الإسلام؟
- اغتيال الأدب باسم الاختصار .
- شهادة النسب .
- الوطن أولاً .
- طهران في خيمة الحسابات الدولية.
- ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اخ ...
- كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .
- وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .
- ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.


المزيد.....




- ترامب يحذر إيران من -ضربة قاصمة-، وطهران تتعهد -بحرب طويلة- ...
- مقتل 9 أشخاص إثر تحطم طائرة بولاية فلوريدا الأمريكية
- كارني وترمب يبحثان اتفاقا تجاريا جديدا بين كندا وأمريكا
- بوشكوف: صراع الليبراليين والمحافظين في بولندا يعكس معركة على ...
- فيليبو يتهم المفوضية الأوروبية بالتدخل في شؤون بولندا على خل ...
- ترامب يقر بأن الدستور الأمريكي يمنعه من الترشح لولاية رئاسية ...
- مصادر فلسطينية: 9 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة بينهم 5 من أف ...
- بولندا.. إجراءات تأديبية مرتقبة بحق رئيس المحكمة الدستورية و ...
- ميندل: طموحات زيلينسكي منفصلة عن الواقع بشأن اعتماد بديل عن ...
- ترامب يتحدث عن خلافاته مع زوجته بشأن الرقص في الفعاليات العا ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الكراسي التي تبتلع الدولة .