أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - المتقاعد العراقي.. سنوات من العطاء وحقوق تنتظر الإنصاف.















المزيد.....

المتقاعد العراقي.. سنوات من العطاء وحقوق تنتظر الإنصاف.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 21:09
المحور: قضايا ثقافية
    


تُقاس عدالة الدولة بالطريقة التي تعامل بها الإنسان بعد أن تنتهي سنوات عطائه، لا بما تمنحه للأقوياء وهم في مواقع التأثير، ولا بما تصدره من قرارات تستجيب لهذا الملف أو ذاك، بل بقدرتها على حماية أولئك الذين استهلكوا أعمارهم في خدمتها، ثم وجدوا أنفسهم عند نهاية الطريق أمام واقع اقتصادي لا يرحم، ورواتب تتآكل كلما ارتفعت الأسعار، ووعود تتكرر كلما اقتربت المطالب من أبواب المسؤولين. هنا تحديداً يبدأ السؤال الأخلاقي قبل أن يكون السؤال المالي: ماذا تعني الدولة لمواطن أمضى عمره في مؤسساتها، ثم خرج منها متقاعداً ليكتشف أن سنوات الخدمة لم تمنحه الأمان الذي انتظره، وأن نهاية الوظيفة لم تكن بداية الراحة، بل بداية مواجهة يومية مع أعباء الحياة؟ إن المتقاعد العراقي لا يطلب امتيازاً خارج القانون، ولا يبحث عن عطف مسؤول أو منحة موسمية، وإنما يطالب باستعادة المعنى الحقيقي للإنصاف، ذلك المعنى الذي يجعل سنوات العمل رصيداً من الكرامة، لا مجرد أرقام محفوظة في سجلات الدوائر. وعندما نقرأ القرارات الحكومية المتعلقة بإطفاء مئة بالمئة من المبالغ الإضافية والغرامات التأخيرية المترتبة على الجامعات والكليات والمعاهد الأهلية، ونقرأ ما أعلنته الأمانة العامة لمجلس الوزراء بتاريخ 29/10/2026 بشأن إصدار 3196 قراراً جديداً للمفصولين السياسيين من الموظفين وغير الموظفين، فإننا لا نناقش حق هذه الجهات أو الفئات في المعالجة والإنصاف، فلكل مظلمة ظروفها ولكل ملف استحقاقاته، لكننا نضع أمام مؤسسات الدولة سؤالاً لا يجوز تجاوزه: إذا كانت الحكومة قادرة على اتخاذ قرارات مالية وإدارية لمعالجة التزامات وملفات متراكمة، فلماذا تبقى معاناة المتقاعدين خارج دائرة القرارات التي تمس حياتهم اليومية؟ ولماذا يبدو ملفهم وكأنه مؤجل باستمرار، مع أن أصحابه من أكثر الفئات حاجة إلى الاستقرار؟ إن العدالة لا تتحقق بتوزيع الاهتمام على ملفات متفرقة ثم ترك ملف واسع من المواطنين ينتظر دوره إلى أجل غير معلوم، كما أنها لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها الحكومة، بل بمدى وصول أثر تلك القرارات إلى الإنسان الذي يحتاجها فعلاً. فالمتقاعد الذي خدم في المدرسة والمستشفى والجيش والشرطة والدوائر الحكومية، والذي حمل مسؤولياته في ظروف سياسية واقتصادية صعبة، لم يكن شريكاً في صناعة الأزمات التي أثقلت العراق، ولم يكن مسؤولاً عن تضخم الأسعار أو اضطراب السياسات المالية أو تعاقب الحكومات، فلماذا يُطلب منه وحده أن يتحمل قسوة النتائج؟ إن الراتب التقاعدي ليس هبة تمنحها الدولة متى شاءت، بل استحقاق يرتبط بسنوات العمل والاقتطاعات والخدمة، وهو في جوهره ضمان اجتماعي يحفظ للإنسان حقه في العيش بعد أن يؤدي واجبه. وعندما يصبح هذا الراتب عاجزاً عن تأمين الغذاء والدواء والسكن والكهرباء ومتطلبات الأسرة، فإن المشكلة لا تعود مجرد نقص في المبلغ، بل تتحول إلى خلل في فلسفة الحماية الاجتماعية نفسها. ومن هنا تأتي المطالبة بتطبيق المادة (36) من قانون التقاعد الموحد، وإعادة النظر في الرواتب بما يتناسب مع التضخم وتكاليف المعيشة، واعتماد مليون دينار حداً أدنى للراتب التقاعدي وفق آلية قانونية ومالية واضحة، لا باعتبار ذلك رقماً دعائياً، بل باعتباره مطلباً يحتاج إلى دراسة جادة وإرادة حكومية مسؤولة. كما أن إطفاء السلف والقروض المترتبة بذمة المتقاعدين يستحق أن يكون ضمن النقاش الوطني، فكيف يُطلب من إنسان يعيش على راتب محدود أن يواجه أقساطاً والتزامات تتزايد آثارها مع ارتفاع الأسعار؟ إن تخفيف هذه الأعباء ليس إحساناً، بل إجراء يمكن أن يعيد التوازن إلى حياة آلاف الأسر التي أصبحت تقسم دخلها بين الدواء والغذاء وأقساط الديون. والإنصاف الذي نطالب به يجب أن يشمل المتقاعدين المدنيين والعسكريين، والمتقاعدين الأصليين، والورثة والمستفيدين، من دون تمييز يضع فئة في مقدمة الاهتمام ويترك أخرى في مؤخرة الانتظار. فالموت لا يلغي تاريخ الخدمة، والمرض لا يسقط الاستحقاق، والعمر لا ينتقص من قيمة الإنسان، ومن فقد معيله لا ينبغي أن يجد نفسه أمام معاناة مضاعفة بسبب ضعف الراتب أو غياب المعالجة. إن أكثر من ثلاثة ملايين متقاعد، وعائلاتهم التي ترتبط معيشتها بهذا المورد، يمثلون كتلة اجتماعية كبيرة لا يجوز التعامل معها بوصفها رقماً عابراً في البيانات الحكومية، بل بوصفها شريحة صنعت جزءاً من تاريخ الدولة ومؤسساتها، ومن حقها أن ترى أثر ذلك التاريخ في حاضرها. والمؤلم أن بعض المتقاعدين باتوا يشعرون بأن سنوات خدمتهم الطويلة لم تمنحهم سوى انتظار طويل، وأنهم مطالبون بالصبر على ظروف لم يختاروها، وكأن التقاعد خروج من دائرة المواطنة الفاعلة إلى منطقة النسيان الإداري. وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تتوقف عندها الأمانة العامة لمجلس الوزراء ومجلس النواب: كيف نطالب المواطن بالوفاء للدولة، بينما لا يشعر هو بأن الدولة وفية لسنوات عطائه؟ وكيف نتحدث عن الإصلاح والعدالة الاجتماعية، فيما يبقى الإنسان الذي أفنى عمره في الخدمة مضطراً إلى حساب ثمن دوائه قبل أن يشتريه، وإلى تأجيل احتياجات أسرته لأن راتبه لم يعد يتسع لأبسط متطلبات الحياة؟ إن الدولة القوية لا تخشى مراجعة سياساتها، ولا تعتبر المطالبة بالحقوق عبئاً عليها، بل ترى فيها اختباراً لشرعيتها الأخلاقية وقدرتها على حماية مواطنيها. ومن الخطأ أن يُفهم صوت المتقاعدين على أنه احتجاج على إنصاف الآخرين؛ فالمتقاعد لا يريد أن ينتزع حقاً من جامعة أو موظف أو سجين سياسي أو أي فئة أخرى، وإنما يريد أن يكون حاضراً في ميزان العدالة نفسه. فالحقوق لا تتصارع، والإنصاف لا ينبغي أن يكون انتقائياً، ولا يجوز أن تتحول معاناة فئة إلى مبرر لتأجيل معاناة فئة أخرى. إن العراق الذي أنفق أبناؤه أعمارهم في بنائه لا يجوز أن يتركهم في مواجهة الشيخوخة والمرض وارتفاع الأسعار بلا حماية كافية، كما أن البرلمان الذي يمثل الشعب مطالب بأن يحول هذه المطالب إلى تشريعات ورقابة ومحاسبة، لا أن يكتفي بسماعها في مواسم المطالبة ثم تعود إلى أدراج الانتظار. إن كرامة المتقاعد ليست مسألة مالية فحسب، إنها اعتراف بقيمة الإنسان وبأن العمر الذي مضى في خدمة الوطن لم يكن عمراً ضائعاً، وأن الدولة لا تنسى أبناءها عندما تتغير مواقعهم الوظيفية وتنتهي صلاحية بطاقاتهم الرسمية. فالمتقاعد لا يتسول زيادة، ولا يطلب صدقة من خزينة الدولة، ولا ينافس أحداً على حقه، إنه يطالب بحقه الذي ينبغي أن تصونه القوانين وتترجمه القرارات. وعلى الحكومة ومجلس النواب أن يدركا أن تأجيل الإنصاف لا يلغي المطالبة، وأن صمت المتقاعد لا يعني رضاه، وأن سنوات الانتظار لا تجعل الحق أقل استحقاقاً. فالدولة التي تتذكر ملفات الآخرين وتنسى من أفنوا أعمارهم في خدمتها، تحتاج إلى مراجعة ضميرها قبل مراجعة موازنتها؛ لأن المتقاعد العراقي لم يطلب يوماً أن يعيش فوق وطنه، بل يريد فقط ألا يعيش على هامش كرامته.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «قلبي متراس»
- الكراسي التي تبتلع الدولة .
- عمر القره غولي.. شاعر العراق الذي وحّد طبقات القصيدة.
- ستون مليوناً ثمن طفل.. أين اختفت رحمة الإسلام؟
- اغتيال الأدب باسم الاختصار .
- شهادة النسب .
- الوطن أولاً .
- طهران في خيمة الحسابات الدولية.
- ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اخ ...
- كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .
- وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .


المزيد.....




- ترامب يحذر إيران من -ضربة قاصمة-، وطهران تتعهد -بحرب طويلة- ...
- مقتل 9 أشخاص إثر تحطم طائرة بولاية فلوريدا الأمريكية
- كارني وترمب يبحثان اتفاقا تجاريا جديدا بين كندا وأمريكا
- بوشكوف: صراع الليبراليين والمحافظين في بولندا يعكس معركة على ...
- فيليبو يتهم المفوضية الأوروبية بالتدخل في شؤون بولندا على خل ...
- ترامب يقر بأن الدستور الأمريكي يمنعه من الترشح لولاية رئاسية ...
- مصادر فلسطينية: 9 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة بينهم 5 من أف ...
- بولندا.. إجراءات تأديبية مرتقبة بحق رئيس المحكمة الدستورية و ...
- ميندل: طموحات زيلينسكي منفصلة عن الواقع بشأن اعتماد بديل عن ...
- ترامب يتحدث عن خلافاته مع زوجته بشأن الرقص في الفعاليات العا ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - المتقاعد العراقي.. سنوات من العطاء وحقوق تنتظر الإنصاف.