أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مالفرق بين الإنسان والحيوان العربي؟














المزيد.....

مالفرق بين الإنسان والحيوان العربي؟


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 14:05
المحور: قضايا ثقافية
    


في مختبر الحياة، حين نضع الإنسان العربي والحيوان أمام ميزان العقل، نكتشف أن الحيوان قد خرج من الامتحان بدرجة أعلى، لا لأنه قرأ الفلسفة، ولا لأنه حفظ خطب الحكماء، بل لأنه لم يتعلم بعدُ فنَّ تحويل غريزته إلى نظرية، ولا حاجته إلى قضية، ولا علفه إلى برنامج انتخابي.يستيقظ الإنسان العربي من الصباح، يخرج إلى عمله، يكدح حتى المساء، يحمل قوت يومه إلى البيت، يأكل حتى تنتفخ معدته، ثم يطلق تجشؤاً فلسفياً يوحي بأنه أنهى للتو مناقشة أزمة الشرق الأوسط. وبعد أن يستريح من معركة الرز والمرق، يذهب إلى المقهى ليخوض معركة أخرى لا تحتاج إلى سلاح، بل إلى نركيلة وكرسي بلاستيكي ومجموعة من الأصدقاء الذين يعرفون كل شيء عن السياسة، ولا يعرف أحد منهم أين ذهبت بقية راتبه.هناك، يبدأ الاستعراض الكبير. يتحدث عن الشجاعة، والكرامة، والرجولة، والوطن، ويضرب الطاولة بقبضته حتى يظن صاحب المقهى أن انقلاباً عسكرياً قد بدأ، ثم يخرج من المكان دون أن يدفع حساب الشاي، لأنه يرى أن الوطنية لا تسمح له بالتنازل عن حقوقه المالية.وعندما يعود إلى بيته، يفتح التلفاز، لا بحثاً عن الحقيقة، بل بحثاً عن جرعة جديدة من الوهم، فيجد برنامجاً سياسياً عنوانه «صراع الكلاب». كلب أحمر ينبح في وجه كلب أسود، وكلب أبيض يرفع صوته مطالباً بإصلاح الحضيرة، وثور إعلامي يقف خلف الشاشة، يوزع شهادات الوطنية على المتعاركين، ويشرح للمشاهدين أن الكلب الأسود هو ممثل الشعب الحقيقي، بينما الأحمر عميل للحضيرة المجاورة.يجلس المواطن أمام الشاشة، يصفق للكلب الذي اختاره، ويشتم الآخر، وقد نسي أن كليهما ينتمي إلى الفصيلة نفسها، وأنهما يتنازعان على العظمة ذاتها، وأن الثور الذي يدير البرنامج لا يريد سوى استمرار النباح، لأن الصمت يهدد ميزانية القناة.وما إن ينتهي البرنامج حتى يدخل المواطن في نقاش مع زوجته حول من يستحق الاحترام داخل البيت. هنا تستيقظ ذكوريته من سباتها الطويل، وتنتفخ كأنها بالون احتفالي، فيقرر أن يثبت رجولته بإصدار أوامر لا تحتاج إلى تفسير، ثم يذهب إلى النوم مطمئناً إلى أنه أنجز واجبه الوطني والعائلي.وفي الصباح، يخرج إلى العمل، يمر بجوار الكلاب النائمة على الرصيف، فينظر إليها بشيء من الاحتقار، ولا يدري أن تلك الكلاب قد قضت ليلتها أكثر سلاماً منه؛ لم تشتم بعضها بسبب اختلاف اللون، ولم تتبادل الاتهامات بالخيانة، ولم تقتل أحداً دفاعاً عن صاحب قناة فضائية.أما الحيوان، فله فلسفة أخرى في الحياة. يأكل عندما يجوع، وينام عندما يتعب، ولا يكتب بياناً سياسياً بعد كل وجبة. وإذا نشب عراك في الحظيرة، نطح هذا ذاك، ثم عاد إلى معلفه، دون أن يؤسس حزباً للنطح، أو يطالب بتشكيل لجنة للتحقيق في أسباب سقوط القرون.وإذا جاء الجزار ليأخذه إلى الذبح، فإنه لا يذهب طوعاً لأنه اقتنع ببرنامج الجزار الانتخابي، بل لأنه لا يملك القدرة على المقاومة. ومع ذلك، لا يصف الجزار بأنه المنقذ التاريخي للحظيرة، ولا يخرج حيوان آخر ليهتف: «بالروح بالدم نفديك يا صاحب الساطور».أما الإنسان العربي، فقد يذهب إلى الذبح السياسي مختاراً، ثم يعود إلى بيته ليتحدث عن المؤامرة، ويشرح لأطفاله أن ما جرى كان انتصاراً عظيماً للحضيرة، وأن الدم الذي سال لم يكن سوى ضريبة للكرامة.والأعجب من ذلك أن الحيوان، إذا جاع، بحث عن الطعام؛ أما الإنسان فقد يجوع ويبحث عن عدو. وإذا مرض الحيوان، احتاج إلى علاج؛ أما الإنسان فقد يحتاج إلى خطاب يشرح له أن مرضه مؤامرة خارجية، وأن الطبيب لا يفهم شيئاً، وأن الشفاء سيأتي بعد الانتخابات القادمة.وإذا رأى الحيوان خطراً، هرب أو قاوم؛ أما الإنسان فقد يرى الخطر أمامه، ثم يسأل عن هوية من أطلق التحذير، فإن كان من جماعته صدقه، وإن كان من خصومه اتهمه بالخيانة، حتى لو كان التحذير من حريق يلتهم سقف بيته.هنا تكمن المفارقة الفلسفية الكبرى: الحيوان تحكمه غريزته، لكنه لا يدّعي أنه يحكم العالم بالعقل. أما الإنسان، فقد امتلك العقل، ثم استخدمه أحياناً لتبرير غريزته، وامتلك اللغة، ثم حولها إلى أداة للنباح، وامتلك الوعي، ثم استأجره من قناة فضائية مقابل وجبة من الأوهام.ولعل المشكلة ليست في الإنسان العربي بوصفه إنساناً، ولا في الحيوان بوصفه حيواناً، بل في تلك المسافة التي يقطعها الإنسان من الصباح إلى المساء دون أن يمر بالعقل، وفي ذلك الوعي الذي يظل نائماً حتى بعد أن يستيقظ صاحبه.فالإنسان الذي يأكل وينام ويعمل ثم يصفق لمن يسرق حقه، لا يختلف كثيراً عن حيوان اعتاد معلفه، إلا أن الحيوان لا يملك تلفازاً يشرح له فضائل الجوع، ولا يملك خطيباً يقنعه بأن السوط وسام شرف، ولا يملك حزباً يطالبه بالموت دفاعاً عن كرامة الجزار.أما الإنسان، فقد أصبح قادراً على أن يدفع ثمن القيد، ثم يطالب بتكريمه، وأن يصفق للسجان، ثم يشكو من ضيق الزنزانة، وأن يبيع صوته في الصباح، ثم يتحدث عن الحرية في المساء.وهكذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: مالفرق بين الإنسان والحيوان العربي؟بل: **كم من الإنسان بقي في إنسانٍ تنازل عن عقله، واحتفظ بمعدته، ثم أقنع نفسه أن النباح موقف، والتصفيق بطولة، والعبودية وجهة نظر؟**فالحيوان يأكل وينام ويعيش على قدر غريزته، أما الإنسان الذي يفعل ذلك كله، ثم يضيف إليه الكذب والتملق والتعصب والعداء لأخيه الإنسان، فقد اخترع لنفسه نوعاً جديداً من الكائنات؛ كائناً لا يحتاج إلى قفص، لأنه يحمل قفصه في رأسه، ولا يحتاج إلى حارس، لأنه يتولى حراسة أفكاره من الحقيقة.والمأساة الساخرة أن هذا الكائن، لو امتلك شجاعة النظر إلى المرآة، لاكتشف أن الحيوان الذي كان يسخر منه طوال حياته، ربما كان أكثر رحمةً وصدقاً ووفاءً منه.فالعقل لا يجعل الإنسان إنساناً بمجرد امتلاكه، بل حين يتوقف عن استخدامه لإثبات أنه أفضل من الآخرين، ويبدأ باستخدامه كي لا يكون أسوأ من غرائزه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليابان تصنع العقول.. والعراق يستهلك الشهادات.
- المتقاعد العراقي.. سنوات من العطاء وحقوق تنتظر الإنصاف.
- «قلبي متراس»
- الكراسي التي تبتلع الدولة .
- عمر القره غولي.. شاعر العراق الذي وحّد طبقات القصيدة.
- ستون مليوناً ثمن طفل.. أين اختفت رحمة الإسلام؟
- اغتيال الأدب باسم الاختصار .
- شهادة النسب .
- الوطن أولاً .
- طهران في خيمة الحسابات الدولية.
- ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اخ ...
- كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.


المزيد.....




- هبوط طائرتين في وارسو بعد بلاغين عن قنبلتين على متنهما
- تلسكوب -سويفت- يهوي.. أين ومتى سيسقط حطامه؟
- الجيش الروسي يحيد 1100 جندي أوكراني و1265 مسيرة في يوم
- قطر: جهود جسر الهوة بين أمريكا وإيران مستمرة
- لابيد وبينت: نعمل للحصول على رئاسة الكنيست وندعم آيزنكوت لتش ...
- اكتشاف آثار دم داخل عظام ديناصور عاش قبل 115 مليون سنة
- البحرية الهندية تستعيد سفينة صيد إيرانية من قراصنة صوماليين ...
- تحالف الراغبين يختبر قواته لدعم أوكرانيا
- كم تزيد مشروبات الطاقة مخاطر السكتة القلبية؟
- بلغاريا: طائرة قادمة من إسرائيل هبطت بمطار صوفيا بعد تهديد ب ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مالفرق بين الإنسان والحيوان العربي؟