أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - الأزهر وثمن الدم: حين يمنح الدين غطاءً لعدالة تُباع بالمال















المزيد.....

الأزهر وثمن الدم: حين يمنح الدين غطاءً لعدالة تُباع بالمال


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 09:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الفضيحة في التشريع وحده، بل في المؤسسة الدينية التي مهدت له الطريق ومنحته غطاءً فقهياً.
مسؤولية الأزهر هنا ليست مسؤولية شاهد صامت، ولا خطأ عابراً يُلتمس له العذر. إنها مسؤولية مؤسسة وضعت كل ثقلها الديني والمعنوي خلف توجه تشريعي يمس أقدس حق للإنسان: حقه في الحياة.

حين يصبح تخفيف العقوبة في جرائم القتل مرتبطاً بالتصالح، وحين يدخل المال طرفاً في تحديد مصير الجاني، ثم يأتي الأزهر ليمنح هذا المسار سنداً دينياً، فنحن لسنا أمام خلاف فقهي بسيط نناقشه في قاعات الدرس، بل أمام موقف يستوجب إدانة أخلاقية وفكرية كاملة.

إدانة للأزهر

أي رسالة يبعث بها الأزهر إلى المجتمع حين يساند توجهاً يجعل قدرة الجاني على الدفع مؤثرة في مصيره؟
لا يستطيع الأزهر أن يحتمي بعمامته، ولا أن يتذرع بتاريخه، ولا أن يجعل من التراث حاجزاً يحول دون مساءلته. المؤسسة التي تتدخل في التشريع برأي ديني تتحمل مسؤولية هذا الرأي ونتائجه كاملة، ولا تملك أن تطلب من الناس التسليم به لمجرد أنه صدر عنها.

والأخطر أن يُقدم التأويل الفقهي باعتباره كلمة الفصل، حتى لو أثار تطبيقه أسئلة قاسية عن المساواة والكرامة وحماية الضعفاء. فليس كل ما يُستخرج من كتب التراث عدلاً، وليس كل اجتهاد بشري صالحاً لأن يتحول إلى قانون.

نحن لا ننتقد الدين حين نرفض هذا التوظيف. نحن نرفض أن يُستخدم الدين لإسكات الضمير، وأن تتحول المؤسسة الدينية إلى سلطة تمنح قرارات البشر حصانة مقدسة. الدين ليس مؤسسة، والمؤسسة ليست وحياً.

إدانة للمنطق التشريعي

حين يتحول القتل إلى نزاع قابل للتسوية، نكون قد دخلنا منطقة انهيار العدالة.

القتل ليس خلافاً عائلياً ينتهي باعتذار، ولا نزاعاً مالياً يُغلق بتوقيع ورقة. جريمة القتل لا تمس أسرة الضحية وحدها، بل تهدد حق المجتمع كله في الحياة والأمان. الضحية لم تكن ملكاً لأسرتها حتى يصبح مصير الجريمة شأناً عائلياً خالصاً، والجاني لا يعتدي على أفراد الأسرة وحدهم، بل يعتدي على النظام العام وعلى حق كل إنسان في أن يعيش آمناً.

نعم، من حق أسرة الضحية أن تعفو، ومن حقها أن تقبل التعويض، ولا يجوز مصادرة هذا الحق. لكن العفو الشخصي شيء، ومسؤولية الدولة عن حماية المجتمع وإنفاذ القانون شيء آخر تماماً.

إذا أصبح التصالح سبباً لتخفيف العقوبة، فنحن أمام سؤال وجودي: هل تتساوى أرواح الناس أمام القانون، أم تختلف قيمة العدالة باختلاف الحساب المصرفي للجاني؟

بورصة الدم: عدالة الأغنياء وفقر الضحايا

هنا تسقط العدالة في بورصة الدم.

حين يرتبط تخفيف العقوبة بالتصالح، يصبح التفاوت الاقتصادي هو القاضي الخفي. الغني يستطيع أن يستعين بالمحامين والنفوذ، وأن يعرض تعويضاً قد تجد أسرة الضحية نفسها مضطرة لقبوله تحت وطأة الفقر والحاجة والضغوط الاجتماعية. أما الفقير الذي لا يملك المال، فسيظل معرضاً لعقوبة أشد لأنه لا يملك ثمن التسوية.

عندها لا تعود العدالة قائمة على جسامة الفعل، بل على حجم المحفظة. أي منطق هذا الذي يجعل أسرة فقيرة أكثر عرضة لقبول ما لا تريده لأنها لا تملك رفاهية الانتظار؟ إننا نخلق سوقاً غير معلنة للتفاوض على العقوبة، يصبح فيها الدم حاضراً في ميزان المال، وتتحول العدالة من حق عام إلى امتياز اقتصادي.

إدانة للمنطق اللاإنساني: رحمة ورحيم

وفي واقعة الطفلين رحمة ورحيم، التي أوجعت قلب مصر، تجلت قسوة هذا المنطق. نُقل عن والد الطفلين قوله إن الطفلين يمكن تعويضهما، بينما الأم والأخت لا يمكن تعويضهما. وإن صح النقل، فهو يكشف المأساة التي لا تستطيع الأموال محوها.

كيف يُعوّض طفل عن أمه؟ وكيف تعود طفلة إلى حياتها بعد أن تفقد أختها؟ التعويض قد يساعد على مواجهة أعباء الحياة، لكنه لا يعيد الميت، ولا يمحو الصدمة، ولا يعيد الطمأنينة إلى قلب طفل فقد أمه.

أخطر ما في اختزال الجريمة في التصالح هو أننا نتعامل مع الموت باعتباره خسارة قابلة للتقدير المالي، بينما هناك خسائر لا يملك أحد تعويضها، مهما بلغ ثراؤه
لا قداسة لاجتهاد بشري

السؤال الذي يجب أن يواجهه الأزهر بلا مواربة: لماذا اختار هذا التأويل دون غيره؟ لماذا لم يجعل حماية المجتمع وحقوق الضحايا ومخاطر استغلال الفقر في صدارة موقفه؟ وكيف لمؤسسة تتحدث باسم الرحمة أن تغفل عن أن الفقر قد يصبح سبباً للتنازل، وأن المال قد يصبح وسيلة للإفلات؟

الشريعة في وجدان المؤمنين مرتبطة بالعدل والرحمة، لكن التأويلات البشرية ليست معصومة، وقد تتحول إلى أدوات للظلم حين تُنتقى النصوص وتُفصل عن مقاصد العدل والكرامة. ومن الخطأ الفادح أن نساوي بين نقد تأويل فقهي وبين الإساءة إلى الدين.

الكتب التي ألّفها العلماء نتاج عقول بشرية عاشت في عصور وظروف مختلفة، وهي قابلة للفحص والنقد والمراجعة. ولا يجوز أن تصبح مرجعاً لإقرار نتائج تصطدم مع المساواة وكرامة الإنسان ثم يُمنع المجتمع من الاعتراض بحجة القداسة.

إن المؤسسة التي تستدعي التراث لتأييد تشريع معاصر تتحمل مسؤولية بيان سبب اختيارها لهذا الرأي دون غيره، وتتحمل مسؤولية مواجهة الأسئلة الأخلاقية التي يثيرها. أما الاحتماء بالمكانة الدينية، فليس جواباً، بل هروب من الجواب.

#حق المجتمع لا يسقط بتنازل الأسرة

وهذا هو جوهر الخلط الخطير: الحق الشخصي ليس هو الحق العام.

لأسرة الضحية حق العفو، وللدولة مسؤولية مستقلة في حماية المجتمع وردع الجريمة وتأكيد أن حياة الإنسان ليست قابلة للمساومة. فإذا تنازلت الأسرة تحت ضغط الحاجة أو الخوف أو الرغبة في إنهاء المعاناة، فهل يعني ذلك أن المجتمع لم يعد معنياً بالجريمة؟

العدالة لا ينبغي أن تكون رهينة قدرة أسرة الضحية على الصمود، ولا أن يصبح الفقر سبباً في التنازل، ولا أن يكون الثراء طريقاً مختصراً إلى تخفيف المسؤولية.

البرلمان يتحمل مسؤوليته كاملة عن صياغة قانون لا يجعل المال عاملاً في تحديد مصير العقوبة. والأزهر يتحمل مسؤوليته عن الغطاء الديني الذي منحه لهذا المسار.

المؤسسة الدينية التي تطلب من الناس احترام مكانتها لا يمكنها أن تطلب في الوقت نفسه إعفاءها من النقد. المعيار ليس ما تقوله المؤسسة عن نفسها، بل ما تدافع عنه حين توضع أمام قضية حقيقية. فلا العمامة تمنح صاحبها العصمة، ولا المؤسسة تمنح اجتهاداتها صفة الوحي، ولا التاريخ يجعل الخطأ صواباً لمجرد أنه قديم.

العدالة لا تُشترى، والدم ليس له ثمن

لسنا ضد العفو، ولسنا ضد التعويض، ولسنا ضد حق الأسرة في أن تختار ما تراه مناسباً لمأساتها. لكننا ضد أن يتحول العفو الشخصي إلى وسيلة تضعف حق المجتمع، وضد أن يصبح المال عاملاً يحدد مقدار العقوبة، وضد أن تُمنح هذه الفكرة غطاءً دينياً يحصنها من السؤال.

نريد قانوناً يحترم حق الأسرة في العفو، لكنه لا يفرّط في حق المجتمع. نريد عدالة لا تفرق بين غني وفقير. ونريد مؤسسة دينية تدرك أن واجبها الأخلاقي ليس تبرير كل ما يمكن إسناده إلى اجتهاد فقهي، بل الانحياز إلى الإنسان وحقوقه وكرامته.

يا أزهر، لا تكفي مكانتك التاريخية لتمنحك حصانة من محاسبة الناس. كان لك دور في هذا المسار، وعليك أن تتحمل مسؤولية موقفك أمام المجتمع، لا أن تجعل من اسم الدين جداراً يحتمي خلفه كل رأي.

فكروا في أمّ تعود إلى بيتها فلا تجد طفلها، وفي أب يبحث عن صوت ابنته فلا يسمع إلا الصمت، وفي طفل يسأل عن أمه ولا يجد من يجيبه. هل يعيد إليهم المال دفء الغائب؟ هل يشتري لهم ليلة واحدة بلا بكاء؟

هناك أشياء لا تُقدّر بثمن، وأولها حياة الإنسان.

وحين يصبح الدم قابلاً للتفاوض، وتمنح المؤسسة الدينية هذا التفاوض غطاءً من القداسة، لا تكون العدالة قد خسرت قضية واحدة فحسب، بل يكون المجتمع كله قد خسر شيئاً من إنسانيته.



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمهورية البيض السيساوية: عنصرية النظام وفساد القضاء وتطرف ال ...
- معاناة الأقباط: حين يبتسم الخطر
- بلطجة الأغلبية حين تستأسد بالدولة.. دولة الحشد لا دولة القان ...
- مصر من دولة إلى عزبة: الأمن فوق القانون والدين سلاح ضد المخت ...
- أوروبا التي تنام واقفة
- حصاد الكراهية شهادة شاملة للتاريخ
- الثورة والانسان
- الإرهاب لا يبدأ من الضغط على الزناد
- الفائض الديني بين الإيمان وقيمة الإنسان
- شعر بعنوان في بلادي
- حينما يصبح الله ذريعة
- الطرطرة على الشعب
- كان الله في عون مصر: حين يصبح الفشل سياسة
- حين يُدار الوطن بالجهل
- حين تُهان جومانا… لا يُهان شخص، بل تُختبر إنسانية وطن
- حين يصبح «انصر أخاك» سلاحًا ضد الآخر
- مزرعة الحيوان شهادة في الاستبداد، والمنتفعين، وضحايا السلطة
- شيخ الأزهر.. حين يتحول الحنين إلى زمن الغزو إلى خطاب ديني
- عائد من الغربة
- معايير الأخلاق في الشرق التعيس


المزيد.....




- حاكم فلوريدا عن نتائج انتخابات التجديد النصفي: -تهديد للوجود ...
- متحدث خارجية إيران يعلق ويبيّن معنى نتائج الانتخابات النصفية ...
- ترامب ينتقد مجلس الشيوخ لتأخيره إقرار إلغاء تغيير التوقيت
- الشماتة الإيرانية قد تدفع ترامب لاستئناف الحرب
- إعصار يضرب البرازيل ويتسبب بدمار هائل في مطار شابيكو
- ترامب تحت الضغط لإطالة حصار إيران بحريا
- موسكو تحذر أوروبا من إطلاق عمل عسكري في البحر الأسود
- تقرير اتحاد شركات الطيران العربية يتوقع خسارة صافية بـ3.82 م ...
- السيناتور مارك كيلي: هيغسيث -يجب أن يرحل-
- لغز الألم.. ماذا يحدث في أجسامنا ولماذا نشعر بالمعاناة؟


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - الأزهر وثمن الدم: حين يمنح الدين غطاءً لعدالة تُباع بالمال