أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - حين يصبح «انصر أخاك» سلاحًا ضد الآخر















المزيد.....

حين يصبح «انصر أخاك» سلاحًا ضد الآخر


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 10:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هناك عبارات لا تكمن خطورتها في كلماتها، بل في الطريقة التي نستخدمها بها.

«انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا».

المشكلة تبدأ حين تتحول من قيمة أخلاقية إلى قاعدة للانحياز:

انصر من ينتمي إليك… ضد من لا ينتمي إليك.

عندها لا يعود السؤال: من معه الحق؟

بل: من أخي؟ من جماعتي؟ من ديني؟ من مؤسستي؟ من صاحب النفوذ؟

فإذا أخطأ «أخوك» بدأ التبرير، وإذا كان الطرف الآخر هو المتضرر بدأ البحث عن عيوبه.

وهنا تتحول الأخوة إلى عصبية، والنصرة إلى حماية للظلم.

جومانا… اختبار للضمير

ذهبت جومانا إلى يوم تخرجها، اليوم الذي يفترض أن يكون من أجمل أيام عمرها، فإذا بها ــ وفق روايتها التي يجري التحقيق فيها ــ تعود منه مجروحة نفسيًا بعد واقعة تتعلق بملابسها وطريقة التعامل معها.

لا ينبغي أن نحكم قبل انتهاء التحقيق.

لكن هناك أمرًا لا يحتاج إلى تحقيق:

أن كرامة الإنسان ليست تفصيلًا.

ومن يقول إنه تعرض للإهانة يجب أن يُسمع، لا أن يكون أول رد فعل تجاهه هو البحث عن مبررات لمن يملك السلطة.

السؤال ليس فقط: ماذا حدث لجومانا؟

بل:

لماذا نسارع أحيانًا إلى حماية الأقوى قبل أن نبحث عن الحقيقة؟

لا أريد عدالة على مقاس الهوية

لا أريد العدالة لجومانا لأنها قبطية، ولا لغيرها لأنها مسلمة.

أريدها لأنها إنسانة.

فالظلم لا يتغير بتغير اسم الضحية، والكرامة لا تتجزأ بحسب الدين، والقانون الذي يتبدل بتبدل هوية الإنسان ليس قانونًا عادلًا.

وإذا ثبت أن هناك من عومل بطريقة مختلفة بسبب هويته، فالقضية لا تعود قضية فستان.

تصبح قضية وطن.

ماذا لو كانت جومانا ابنتك؟

هذا هو السؤال الذي يكشف كل الأقنعة.

ماذا لو كانت الفتاة التي وقفت أمام المسؤول ابنتك؟

هل كنت ستبحث عن طول فستانها؟

أم كنت ستسأل أولًا:

هل أُهينت؟ وهل عوملت بكرامة؟

والسؤال الأصعب:

إذا كانت ابنتك مسلمة، هل ستطالب بالحق؟

وإذا كانت قبطية، هل ستبحث عن مبررات؟

إذا كانت الإجابة مختلفة، فالمشكلة ليست في الفستان.

المشكلة فينا.

تخيل أنك لا تعرف من ستكون

تخيل أنك ستولد من جديد، لكنك لا تعرف مسبقًا هل ستكون مسلمًا أم قبطيًا، طالبًا أم عميدًا، قويًا أم ضعيفًا، صاحب سلطة أم إنسانًا لا يملك إلا صوته.

ثم طُلب منك أن تضع قاعدة واحدة للجميع.

هل ستختار:

«انصر أخاك لأنه أخوك»؟

أم:

الحق للجميع، والكرامة للجميع، والقانون للجميع؟

ستختار الثانية، لأنك لا تعرف مسبقًا لمن ستكون الغلبة.

وهنا يبدأ العدل.

حين يصبح الانتماء أقوى من الحقيقة

مشكلتنا ليست أن لدينا «إخوة» ندافع عنهم.

مشكلتنا أننا أحيانًا نجعل الانتماء أقوى من الحقيقة.

نغفر لأحد لأنه «مننا»، ونقسو على آخر لأنه «ليس منا».

نطالب بالعدل عندما يكون في صالحنا، ونبحث عن الأعذار عندما يكون العدل ضدنا.

وهذه أخطر صورة من صور النفاق الأخلاقي:

أن يكون لدينا مبدأ للآخر، ومبدأ لأنفسنا.

إذا أُهين واحد منا ثرنا.

وإذا أُهين غيرنا بدأنا بالسؤال:

«وماذا كان يفعل أصلًا؟»

وهكذا يتحول المظلوم إلى متهم.

فقط لأنه ليس من جماعتنا.

كلمة إنصاف

ومع كل ذلك، هناك كلمة شكر لا بد أن تُقال:

شكرًا لكل مسلم وقف إلى جانب جومانا.

شكرًا لكل من رأى فتاة تتحدث عن إهانة تعرضت لها، فلم يسأل أولًا عن دينها أو اسمها أو انتمائها، بل سأل:

«هل ظُلمت؟»

شكرًا لكل من رفض أن تتحول الأخوة الدينية إلى غطاء للخطأ، أو أن يكون الاختلاف سببًا للصمت عن كرامة إنسان.

هؤلاء يستحقون الاحترام.

لأن المسلم الذي يقف مع جومانا لا يخسر دينه.

بل ينتصر للعدل.

والذي يقول لأخيه: «أنا أحترمك، لكنني لن أبرر لك ظلمك»، لا يخون أخاه.

بل يحميه من أن يتحول إلى ظالم.

وهذه هي الأخوة التي تستحق أن نحافظ عليها.

وكلمة تشرشل

تُنسب إلى ونستون تشرشل عبارة تقول:

«كلما عرفت البشر أكثر، ازداد تقديري للكلاب».

قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تصبح موجعة حين نرى إنسانًا يملك العلم والمنصب والسلطة، ثم يفقد أبسط ما يمنح هذه الأشياء قيمتها:

الضمير.

فالإنسان لا يصبح عظيمًا بلقبه، ولا بشهادته، ولا بمنصبه.

قيمته في قدرته على إنصاف من يختلف عنه.

أما أن نبحث عن الحق عندما يكون لصالح «جماعتنا»، ونبحث عن الأعذار عندما يكون ضدها، فذلك ليس عدلًا.

إنه التعصب مرتديًا ثوب الأخلاق.

مصر لا تحتاج إلى حماية المخطئ

كفانا عبارات من نوع:

«الرجل له مكانته».

«المؤسسة لا تخطئ».

«لا تشوهوا صورة البلد».

بل أقول العكس:

الذي يشوه صورة البلد ليس كشف الخطأ، بل حماية الخطأ.

الدولة القوية ليست التي تحمي أبناءها مهما فعلوا، بل التي تستطيع أن تقول:

«هذا ابننا، ولذلك لن نسمح له أن يظلم».

المحاسبة لا تهدم هيبة الدولة.

حماية المخطئ هي التي تهدمها.

وإذا استمرت الدولة في حماية عديمي الضمير والإنسانية باسم المنصب أو المؤسسة أو الانتماء، فلن تخسر العدالة وحدها؛ ستخسر شيئًا أخطر:

صدقها، وأمانتها، وثقة المواطن بها.

لا تنصر أخاك ضد الحق

لا أريد أن أنصر جومانا ضد العميد.

ولا العميد ضد جومانا.

أريد أن أنصر الحق.

إن كانت جومانا مظلومة، فانصروها لأنها مظلومة.

وإن كان العميد مظلومًا، فانصروه لأنه مظلوم.

أما إذا أثبت التحقيق أن أحدًا أخطأ، فلا تحموه لأنه «أخونا».

انصروه على خطئه.

لأن المجتمع الذي يعجز عن أن يقول للظالم:

«أنت أخطأت»

سيأتي عليه يوم يعجز فيه عن أن يقول للظلم:

«توقف».

فلا تجعلوا الانتماء أقوى من العدل، ولا المؤسسة ستارًا للخطأ، ولا السلطة أعلى من الإنسان.

نريد مصرًا يحتمي فيها الإنسان بالقانون، لا بانتمائه.

الإنسان يُعرف بسلوكه

في النهاية، لا يُعرف الإنسان بما يقوله عن نفسه، ولا بما يحمله من ألقاب وشهادات، ولا بالجماعة التي ينتمي إليها.

الإنسان يُعرف بسلوكه.

يُعرف حين يمتلك القوة: هل يستخدمها لحماية نفسه، أم لحماية الأضعف؟

ويُعرف حين يخطئ: هل يعترف، أم يبحث عمّن يبرر له؟

ويُعرف حين يرى مظلومًا لا يشبهه: هل ينحاز إلى إنسانيته، أم إلى هويته؟

فالضمير الحقيقي لا يُختبر عندما يكون الحق في صفك، بل عندما يكون الحق ضد من تحب.

والأخلاق ليست أن تقول: «أنا عادل».

الأخلاق أن تفعل العدل حين لا تكون لك فيه مصلحة.

لذلك لا تسألوا الإنسان كثيرًا عمّن يكون.

راقبوا كيف يتصرف.

فالكلمات قد تخدع، والمناصب قد تلمع، والشهادات قد تمنح صاحبها مكانة…

لكن السلوك وحده يكشف معدن الإنسان.

وفي اللحظة التي يصبح فيها الانتماء أقوى من الحق، والسلطة أقوى من الكرامة، والدفاع عن «الأخ» أقوى من إنصاف المظلوم…

لا يعود الإنسان حاميًا للأخوة.

بل يصبح، من حيث لا يدري، حاميًا للظلم.

وهنا تكون الخسارة الحقيقية:

أن نحتفظ بكل شيء يثبت أننا بشر… ونفقد الشيء الوحيد الذي يجعلنا إنسانًا.



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مزرعة الحيوان شهادة في الاستبداد، والمنتفعين، وضحايا السلطة
- شيخ الأزهر.. حين يتحول الحنين إلى زمن الغزو إلى خطاب ديني
- عائد من الغربة
- معايير الأخلاق في الشرق التعيس
- حين يصبح الإيمان معركة والإنسان غنيمة
- سويسرا… وطن الامتنان والإنسان
- لذكاء الاجتماعي… عندما تصبح الإنسانية أسلوب حياة
- العظمة حين تجسدت
- المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا
- الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة
- الإنسان بين الضمير والضجيج
- إلى اللقاء يا إيزيس
- سقوط مصر في فخ السلفية: شهادة شاهد من داخل المعركة
- تدوير الهوان
- في كواليس مؤتمر الأقباط بالنمسا عندما يتحول الألم إلى قضية ع ...
- الملك المعتوه
- الدول المتخلفة
- أقذر عهود الاضطهاد
- لم أدرس الطب البيطري…
- اخلاق الشعوب المقهورة


المزيد.....




- في إيطاليا.. أميرة تدعو الزوار لتجربة الحياة الأرستقراطية بق ...
- سائق دراجة نارية يرتطم بحافلة بشكل عنيف قبل أن يُقذف بداخلها ...
- الكويت.. السيطرة على حريق في مجمع سكني بعد استهدافه بمسيّرة ...
- السيسي يعلن إطلاق مرحلة صينية جديدة في قناة السويس.. تفاصيل ...
- أمام نظيره الصيني: السيسي يوجه رسالة لإثيوبيا
- كيف تبدو مدينة سبتة بعد شهر من دخول عشرات الآلاف إليها من ال ...
- بين مناطق السيطرة وخطوط النار، قصص سودانيات أطاحت الحرب بزوا ...
- تحرك بريطاني ضد المستوطنات.. وعمر البرغوثي يطالب لندن بوقف د ...
- حفل زفاف يتحول إلى مأساة.. 5 قتلى وعشرات الجرحى في غارة أمير ...
- الجيش اللبناني يرد على تقرير إسرائيلي: لا صحة لمزاعم معارضة ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - حين يصبح «انصر أخاك» سلاحًا ضد الآخر