أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - اخلاق الشعوب المقهورة















المزيد.....

اخلاق الشعوب المقهورة


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 10:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


( وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ ) انجيل يوحنا 8:32)

قال ابن خلدون إن الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها.
ولم تكن عبارته إهانة للشعوب، بل كانت كشفًا عميقًا لما يحدث للإنسان حين يعيش طويلًا تحت الخوف والاستبداد والتعصب والتزييف. فالقهر لا يكسر الجسد فقط، بل يشوه الروح، ويقتل القدرة على التمييز بين القوة والرحمة، وبين التدين الحقيقي واستغلال الدين، وبين الوطنية الصادقة والهتاف الفارغ.

إن أخطر ما أصاب أجزاء واسعة من الشرق ليس الفقر، ولا ضعف الإمكانيات، ولا المؤامرات الخارجية كما يحب البعض أن يردد صباحًا ومساءً، بل انهيار الحس الإنساني والأخلاقي تحت ضغط عقود طويلة من الاستبداد والتعصب والكذب السياسي والديني.

لقد تعبت شعوبنا من الكلمات الجميلة التي لا تشبه الواقع.
تعبت من السياسي الذي يتحدث عن الكرامة بينما المواطن يُهان كل يوم.
تعبت ممن يتحدث عن الرحمة وأعماله تعكس تجبر على الضعفاء .
وتعبت من الخطب التي تتحدث عن الوحدة الوطنية بينما الطائفية تسكن في النفوس والمؤسسات والتعليم والإعلام والخطاب الديني.
وتعبت من الحديث المستمر عن الأخلاق بينما الظلم أصبح جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.
تتحدث عن الإنسانية وأعمالها تشبه الوحوش المفترسة .

في مجتمعات كثيرة من منطقتنا، لم يعد الإنسان يُقيَّم بإنسانيته، بل بهويته.
اسمك قد يحدد مستقبلك.
دينك قد يحدد فرصك.
وطائفتك قد تحدد مقدار الأمان الذي تشعر به في وطنك.

أي سقوط أخلاقي هذا؟

كيف يمكن لمجتمع أن يدّعي التدين بينما يخاف فيه المختلف من إعلان هويته؟
كيف نتحدث عن الرحمة بينما تُسحق كرامة الإنسان بسبب عقيدته؟
وكيف نتحدث عن الحضارة بينما يُربّى الأطفال على احتقار الآخر بدلًا من احترامه؟

لقد تحولت بعض المجتمعات إلى بيئات تنتج الخوف والكراهية أكثر مما تنتج المعرفة والحرية.
فالطفل يتعلم أحيانًا أن المختلف خطر قبل أن يتعلم أن المختلف إنسان.
ويتعلم أن جماعته وحدها تملك الحقيقة المطلقة، وأن بقية البشر درجات أقل في القيمة أو القرب من الله.
بل يتعلم ان دمه اعظم قيمة من دم المخالف في الدين .
يتعلم انه إذا قتل فلا يحاسب بنفس العقاب لان روحه اعلى من الاخر ،،

ومن هنا يبدأ الخراب الحقيقي.

حين تُختطف فتيات قبطيات، ثم يُطلب من المجتمع أن يصمت “حرصًا على الاستقرار”، فهذه ليست دولة سليمة، بل مجتمع يخاف من مواجهة الحقيقة. مجتمع عنصري ، مجتمع ظالم .

وحين يشعر ملايين الأقباط في لحظات كثيرة أنهم مواطنون تحت الاختبار الدائم، وأن عليهم دائمًا إثبات وطنيتهم وانتمائهم، بينما يتم التسامح أحيانًا مع خطاب الكراهية ضدهم، فإن المشكلة ليست حادثًا فرديًا، بل خللًا عميقًا في مفهوم المواطنة نفسه.

لقد عرف الأقباط معنى الألم عبر قرون طويلة؛
خطف واسلمه،
كنائس هدمت وأُحرقت،
وقرى تعرضت للعنف،
وفرص ضاعت بسبب الاضطهاد الديني الصامت،
وخطاب ديني متشدد غذّى مشاعر العداء بدلًا من ثقافة المحبة والمساواة.

ثم يخرج السياسيون بخطب طويلة عن “نسيج الأمة”، بينما الجرح الحقيقي يُترك مفتوحًا دون عدالة حقيقية أو مواجهة شجاعة.

والأمر نفسه حدث مع الإيزيديون.
لقد شاهد العالم نساء إيزيديات يُخطفن ويُغتصبن ويُبعن كسبايا في القرن الحادي والعشرين على يد داعش.
أي انحدار أخلاقي يمكن أن يصل إليه الإنسان حين يعتقد أنه يقترب من الله عبر إذلال امرأة؟
وأي ثقافة تلك التي تستطيع أن تبرر الوحشية باسم المقدس؟

ثم جاءت جريمة كشفت فساد وعنصرية التعالم الفاسدة ذبح 21،قبطا على يد ارهابي الدولة الاسلامية بالعراق و سوريا " داعش " لتكون لحظة عار في تاريخ الإنسانية الحديثة.
واحد وعشرون إنسانًا بسيطًا، خرجوا بحثًا عن لقمة العيش، فعادوا شهداء على شاطئ البحر.
ذُبحوا أمام الكاميرات لأنهم مسيحيون، بينما القتلة يهتفون باسم الدين.
نحرت رقابهم على بيد اتباع الشيطان .

في تلك اللحظة، لم يكن العالم يرى جريمة قتل فقط، بل كان يرى انهيارًا أخلاقيًا مرعبًا.
كان يرى كيف يمكن للعقل المتطرف أن يحول الإنسان إلى شيء بلا قيمة، وأن يحول الدم إلى استعراض، وأن يحول الكراهية إلى عقيدة.

وللأسف، لم يكن هذا المشهد استثناءً.
لقد خرجت من منطقتنا أخطر التنظيمات الإرهابية في العصر الحديث:



داعش، بوكو حرام، طالبان، حركة الشباب، القاعدة في جزيرة العرب، القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، جبهة النصرة، هيئة تحرير الشام، أنصار بيت المقدس، أنصار الشريعة، الجماعة الإسلامية المسلحة، الجهاد الإسلامي المصري، الجماعة الإسلامية، أبو سياف، لشكر طيبة، جيش محمد، حراس الدين، ولاية سيناء، ولاية خراسان، حماس، حزب الله، الجهاد الإسلامي الفلسطيني، حزب التحرير، السلفية الجهادية، التكفير والهجرة، أنصار الإسلام، فتح الإسلام، جيش الإسلام، أحرار الشام

كل هذه الجماعات الارهابية وغيرها من جماعات الموت التي رفعت شعارات دينية بينما مارست أبشع صور الإرهاب ضد المسيحيين والإيزيديين والعلويين وكل مختلف.

وهنا يجب أن نمتلك الشجاعة لنقول الحقيقة كاملة:
هذه الجماعات لم تولد من العدم.
لقد خرجت من بيئات خُنق فيها العقل، وتم فيها تحريم السؤال، وتقديس رجال الدين والسياسة، وتحويل التعليم إلى تلقين، وتحويل النقد إلى خيانة. و حفظ عنعنات غير إنسانية من ماضي سحيق

خرجت هذه الجماعات من بيئات مقهورة

حين يُمنع الإنسان من التفكير الحر، يصبح فريسة سهلة لأي متطرف.
وحين يخاف المجتمع من النقد، يبدأ في عبادة الأكاذيب.
وحين يُقتل التنوع، تموت الحضارة.

لقد أصبح لدينا انفصام حضاري خطير؛
لغة رسمية راقية جدًا، وواقع مؤلم جدًا.
نتحدث عن التسامح في المؤتمرات، بينما المختلف يخاف في الشارع.
نتحدث عن الحرية، بينما الكاتب يُحاكم، والفنان يُهاجم، والمفكر يُخوَّن.
نتحدث عن الأخلاق، بينما الفساد والكراهية والتمييز ينخرون في أعماق المجتمع.

إن أخطر أنواع الكذب هو الكذب على الذات.
حين تقنع أمة نفسها أنها الأفضل أخلاقيًا بينما هي عاجزة عن احترام الإنسان المختلف.
وحين يتحول أي نقد إلى مؤامرة، وأي محاولة للإصلاح إلى “إساءة لصورة الوطن”.

لكن الأوطان لا تُبنى بالتجميل الإعلامي.
ولا تُنقذها الشعارات.
ولا تحميها الهتافات.

الأوطان تُبنى بالعدالة.
بالمساواة.
بحرية الفكر.
باحترام المرأة.
بحماية الأقليات.
وبالإيمان أن الإنسان قيمة مقدسة، لا يجوز إهانتها باسم الدين أو السياسة أو الأغلبية.

أنا لا أكتب هذا المقال بدافع الكراهية، بل بدافع الألم والحب معًا.
ألم إنسان رأى مجتمعاته تنهار أخلاقيًا تحت وطأة التعصب والخوف،
وحب إنسان ما زال يؤمن أن الشرق يستطيع أن ينهض إذا امتلك شجاعة مواجهة نفسه.

فالنهضة الحقيقية لا تبدأ من بناء الأبراج، بل من بناء الإنسان.
ولا تبدأ من كثرة الشعارات الدينية، بل من عمق الرحمة والعدل.
ولا تبدأ حين نشعر أننا أفضل من العالم، بل حين نتعلم كيف نحترم الإنسان مهما كان مختلفًا عنا.

الحضارة ليست عدد المساجد والكنائس ولا ضخامة العواصم ولا ارتفاع الأبراج.
الحضارة هي أن يشعر الإنسان بالأمان دون أن يخاف من اسمه أو عقيدته.
الحضارة هي أن تستطيع المرأة أن تعيش بكرامة كاملة لا باعتبارها ملكية اجتماعية.
الحضارة هي أن يذهب الطفل إلى المدرسة ليتعلم التفكير، لا الكراهية.
الحضارة هي أن يصبح القانون أقوى من الطائفة، والضمير أقوى من التعصب، والمحبة أقوى من الخوف.

وعندما يصل الإنسان في الشرق إلى اللحظة التي يرى فيها أخاه الإنسان قبل أن يرى دينه أو طائفته أو عرقه… عندها فقط يبدأ المستقبل.
وعندما يصبح الدفاع عن المظلوم أهم من الدفاع عن الجماعة… عندها فقط تولد الأوطان الحقيقية.
وعندما نفهم أن الله لا يحتاج إلى كراهية البشر كي ينتصر… عندها فقط تستعيد الروح الإنسانية معناها.

فالحضارات لا تموت حين تخسر الحروب فقط،
بل تموت حين يفقد الإنسان رحمته،
وحين يصبح الظلم عاديًا،
وحين تتحول الكراهية إلى ثقافة يومية.

أما النهضة الحقيقية…
فتبدأ من لحظة احترام الإنسان للإنسان.

«قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ. وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلَهك) ميخا 8:6



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تسقط الاوطان
- الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
- الأقباط بين خطاب الطمأنة وواقع الحقوق ؟
- ‎البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة

- البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة
- بلد العميان
- سيلفانا كمان وكمان
- ليس تراجعًا… انما هو احتلال
- المسيح بالضعف أظهر القوة
- الجمهورية الجديدة… من وعد الحرية إلى واقع الاضطهاد
- اعيدوا لنا مصر
- سجدات الإرهاب
- التعصب الديني ونهاية وطن
- العدالة الغائبة في مصر: اضطهاد بلا عقاب ودولة بلا ميزان
- «نجاحات» جمهورية السيسي السلفية
- الأزهر وإدارة الإرهاب وتهديد العالم
- السيسي… حرية عقيدة للمنصات، سجون للشباب
- أزمة الدولة المصرية: المسار، والشرعية، ومأزق المستقبل
- حين تتحول الرياضة إلى أداة إقصاء… كيف تهدم العنصرية مصر بصمت ...
- مصر: دولة تحمي الخاطفين وتُجرّم حرية الاختيار


المزيد.....




- زوجة خليل الحية تروي قصة فقدها 4 أولاد و5 أحفاد بنيران الاحت ...
- وزراء دفاع 40 دولة يبحثون تأمين الملاحة بمضيق هرمز
- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - اخلاق الشعوب المقهورة