أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - اعيدوا لنا مصر














المزيد.....

اعيدوا لنا مصر


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 00:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مصر اليوم ليست مجرد دولة تعاني من أزمة عابرة، بل وطن يئنّ تحت وطأة احتقان ديني متصاعد وكراهية باتت تُغذّى وتُدار بدل أن تُعالَج. لقد تخلّت مؤسسات الدولة—وعلى رأسها الأجهزة الأمنية والقضائية—عن حيادها، وانزلقت إلى مساحات خطيرة أفقدتها معناها الوطني، وجعلتها في نظر كثيرين طرفًا في الأزمة لا حَكَمًا عليها.

لم يعد الأمر مجرد تقصير… بل أصبح نمطًا ممنهجًا من غياب العدالة، حيث يُترك الضحية لمصيره، ويُحمى المعتدي إن توافق مع الهوية السائدة. وويلٌ لكل قبطي يقع في قبضة هذا الواقع؛ إذ يواجه منظومة تُفترض فيها الحماية، فإذا بها تتحوّل إلى أداة ضغط وقمع. إن أجهزة يُفترض أنها وُجدت لحماية المواطن، أصبحت—في كثير من الحالات—سببًا مباشرًا في ترسيخ الظلم، إما بالفعل أو بالصمت.

ورغم هذا كله، تتزايد المظاهر الدينية بشكل لافت، لكنها مظاهر خاوية من روحها. لا تنعكس على السلوك، ولا تُنتج إنسانًا أفضل، بل على العكس، تُستَخدم أحيانًا كغطاء لتبرير التعصّب، وتغذية الكراهية، وإضفاء شرعية زائفة على التمييز. وهنا تكمن الكارثة: حين يُختطف الدين من جوهره الإنساني، ويُسخّر ليصبح أداة انقسام بدل أن يكون جسرًا للمحبة.

الدين الحقيقي لا يُقاس بالشعارات ولا بالمظاهر، بل بثماره. ثماره محبة وسلام وعدل. وفي الكتاب المقدس، يضع الرسول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (الإصحاح 13) معيارًا واضحًا: بدون محبة، كل شيء باطل. المحبة لا تتعصّب، لا تظلم، لا تفرح بالإثم، بل تقف دائمًا إلى جانب الحق. فكيف نقبل إذن أن يُرتكب الظلم باسم الدين، أو أن يُبرَّر الصمت عليه بحجة الحفاظ على الاستقرار؟

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد احتقان اجتماعي، بل نتيجة مباشرة لسياسات فاشلة سمحت للطائفية أن تنمو، بل وغضّت الطرف عنها حين استهدفت الأقباط. الجرائم تتكرر، والاعتداءات تتصاعد، والرسالة التي تصل إلى المجتمع خطيرة: لا محاسبة حقيقية، ولا ردع فعلي. وهذا ليس فقط ظلمًا للأقباط، بل تهديدٌ لكيان الدولة نفسها.

إن الرهان على صبر الأقباط رهان قصير النظر. فالصبر ليس ضعفًا، لكنه ليس بلا حدود. حين يشعر الإنسان أن كرامته مستباحة، وأن العدالة لا تحميه، فإن الإحساس بالانتماء يتآكل. وحين يتآكل الانتماء، يصبح الوطن كله في خطر.

نحن لا نكتب من فراغ… نحن نكتب من ذاكرة وطن كان مختلفًا.

أتذكر «الحاجة أم محمد» وبناتها محاسن ونعمة وبثينة؛ كنا عائلة واحدة. أتذكر جاري نبيل عيد عزيز، الذي لم يكن مجرد جار، بل أخًا حقيقيًا. أتذكر الأستاذ عبدة، الذي ساعدني بلا مقابل. أتذكر أيمن، الذي شاركني رحلة التعلم، وكلماته الصادقة حين نجح. أتذكر أمي—رحمها الله—وثقتها في جيراننا، ومحبة الناس لبعضهم البعض بلا حسابات ولا حساسيات.

تلك لم تكن استثناءات… تلك كانت مصر.

مصر التي نعرفها لم تكن تُدار بالخوف، ولا تُحكم بالتمييز، ولا تُختزل في هوية دينية واحدة. كانت وطنًا يتّسع للجميع. أما اليوم، فقد تغيّرت الملامح، وتبدّلت القيم، حتى أصبحنا غرباء في وطننا.

والأخطر من ذلك… أننا بدأنا نتغيّر نحن أيضًا. أصبحنا نرد الإهانة بإهانة، والسخرية بسخرية، في محاولة للدفاع عن أنفسنا. لكن الحقيقة المُرّة هي أن هذا المسار لا يبني وطنًا، بل يُعمّق الانقسام.

ما نريده واضح… وما نطالب به مشروع:

نريد دولة تستعيد حيادها.
نريد أجهزة أمنية تقوم بدورها الحقيقي: حماية جميع المواطنين دون تمييز، لا التنكيل بالبعض والتغاضي عن البعض الآخر.
نريد قضاءً عادلًا لا يُسأل فيه المتهم عن دينه، بل عن جريمته.
نريد محاسبة حقيقية لكل من يحرّض أو يعتدي، أيا كانت هويته.
نريد برلمانًا لا يصمت حين يُظلم جزء من الشعب، بل يكون صوتًا للحق كله لا بعضه.

نريد ببساطة… وطنًا.

وما يُسمّى «جمهورية جديدة» لا يمكن أن يُبنى على أساس التمييز أو الصمت عن الظلم. فالدول لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على تحقيق العدالة. وإذا غابت العدالة، سقط كل شيء مهما بدا قويًا من الخارج.

أعيدوا لنا مصر…

مصر التي عرفناها،
مصر التي أحببناها،
مصر التي كانت تجمع ولا تفرّق،

مصر الأمان… مصر الانتماء… مصر الوطن.

فالحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن مصر اليوم تعاني من أزمة عدالة عميقة. وبدون عدالة، لا أمن. وبدون أمن، لا انتماء. وبدون انتماء، لا وطن.

وإن لم تستفق مؤسسات الدولة—وخاصة أجهزتها الأمنية والقضائية—وتصحّح هذا المسار، فإن الخطر لن يهدد فئة بعينها، بل سيطال الوطن بأكمله.

حتى تعود مصر سيظل صوتنا مرتفعًا، وموقفنا ثابتًا، وإيماننا راسخًا بأن هذا الوطن يستحق الأفضل وسنستمر في فضح كل الجرائم على كافة الأصعدة وكل دول العالم ولن نصمت ،

انه واجب إنساني اخلاقي وطني وديني حتى تعود لنا مصر التي عرفناها



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سجدات الإرهاب
- التعصب الديني ونهاية وطن
- العدالة الغائبة في مصر: اضطهاد بلا عقاب ودولة بلا ميزان
- «نجاحات» جمهورية السيسي السلفية
- الأزهر وإدارة الإرهاب وتهديد العالم
- السيسي… حرية عقيدة للمنصات، سجون للشباب
- أزمة الدولة المصرية: المسار، والشرعية، ومأزق المستقبل
- حين تتحول الرياضة إلى أداة إقصاء… كيف تهدم العنصرية مصر بصمت ...
- مصر: دولة تحمي الخاطفين وتُجرّم حرية الاختيار
- حصاد عام 2025 عام انعدام الأمن وغياب العدالة وتكريس القمع
- الذكرى الثانية لرفيق كفاح
- عهد ظلم الأقباط في مصر: قراءة موثقة لواقع لا يزال يتكرر
- صاحب القضية
- الدولة الساقطة والنظام الفاشي
- الديكتاتور... حين يتجمّل الظلم باسم الوطن
- اشرف قائد عسكري معاصر
- رسالة اخيرة للسيسي
- السيسي والضربة القاضية لمصر
- حرب اسرائيل ايران - اثر الدين على الإدراك -
- العدل في الإسلام


المزيد.....




- لماذا تبدو مرافقة ناقلات النفط في مضيق هرمز مهمة محفوفة بالم ...
- فيديو منسوب لـ-ضربة إيرانية على قاعدة أمريكية في قطر-.. ما ص ...
- حتى آخر قطرة.. تجارب فيزيائية واكتشافات في المطبخ بدل المختب ...
- حرب إيران.. كيف تحول ميرتس من متفهم لترامب إلى متشكك بنواياه ...
- لبنان: خطر كارثة إنسانية شاملة
- إيران: توسيع ساحات الصراع لكسب الحرب
- معركة مضيق هرمز.. هل مزقت التحالف الغربي؟
- سماء الشرق الأوسط مزدحمة بالإمدادات.. تصاعد الشحن العسكري ال ...
- محمد المسفر: على العرب توجيه رسائل واضحة لأمريكا وإسرائيل بو ...
- وزير الإعلام الباكستاني للجزيرة: مستعدون للوساطة بين أمريكا ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - اعيدوا لنا مصر