أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - أزمة الدولة المصرية: المسار، والشرعية، ومأزق المستقبل















المزيد.....

أزمة الدولة المصرية: المسار، والشرعية، ومأزق المستقبل


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 02:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تُعد مصر واحدة من أقدم الدول في التاريخ الإنساني، لا باعتبارها كيانًا جغرافيًا فحسب، بل بوصفها أول دولة مركزية عرفت التنظيم والإدارة ومفهوم السلطة العامة. ومع ذلك، تعيش مصر الحديثة أزمة بنيوية عميقة تتعلق بطبيعة الدولة، وشكل الحكم، ومفهوم الشرعية، وحدود العلاقة بين الدين والسياسة والمؤسسة الأمنية.

هذه الأزمة لا يمكن اختزالها في شخص أو مرحلة بعينها، بل هي نتاج مسار طويل من الاختيارات السياسية الخاطئة، التي أضعفت الدولة، وأربكت الهوية الوطنية، وفتحت المجال لانقسام مجتمعي حاد وتطرف فكري غير مسبوق.



أولًا: الهوية المصرية ومفهوم الدولة

الهوية المصرية سابقة على الأديان والأيديولوجيات. فقد وُجدت مصر كدولة قبل تشكّل المفاهيم الدينية والسياسية الحديثة. ويُعد الأقباط الامتداد الحضاري والتاريخي الطبيعي لمصر القديمة، بما يمثل استمرارية الهوية الوطنية عبر آلاف السنين.

غير أن الدولة الحديثة لم تُبنَ على هذا الأساس الجامع، بل خضعت منذ منتصف القرن العشرين لمحاولات متكررة لإعادة تعريف الهوية الوطنية وفق رؤى أيديولوجية متغيرة، ما أضعف مفهوم المواطنة، وخلق فجوة متزايدة بين الدولة ومواطنيها.



ثانيًا: 1952 وبداية الدولة السلطوية

شكّلت حركة 1952 نقطة تحول كبرى في تاريخ مصر الحديث. فبرغم إنهائها النظام الملكي، فإنها لم تؤسس لجمهورية ديمقراطية دستورية، بل استبدلت الشرعية الدستورية بشرعية ثورية دائمة.

وأدى ذلك إلى:
• تركيز السلطة في يد الحاكم الفرد
• تهميش المؤسسات المنتخبة
• إضعاف استقلال القضاء
• إخضاع المجتمع المدني

فتكوّنت دولة قوية أمنيًا، لكنها ضعيفة مؤسسيًا، وعاجزة عن التطور الذاتي.



ثالثًا: الدين والسياسة… علاقة غير محسومة

من أخطر أزمات الدولة المصرية الحديثة غياب الحسم في العلاقة بين الدين والدولة. فقد انتقل النظام عبر العقود بين قمع الإسلام السياسي، ثم توظيفه، ثم التحالف التكتيكي معه، دون بناء دولة محايدة دينيًا.

هذا التذبذب أفضى إلى:
• تسييس الخطاب الديني
• تآكل مفهوم المواطنة المتساوية
• استمرار التمييز القانوني والرمزي
• فتح المجال أمام الفكر المتطرف



رابعًا: يناير وصعود الإسلام السياسي

كشفت ثورة يناير 2011 عمق الأزمة البنيوية في الدولة، لكنها لم تُترجم إلى مشروع وطني جامع. واستغل الإسلام السياسي الفراغ المؤسسي، ووصل إلى الحكم عبر توظيف الدين، لا عبر تقديم رؤية لإدارة دولة حديثة.

تحولت الدولة في هذه المرحلة إلى أداة تنظيمية، ما أدى إلى انهيار الثقة المجتمعية، وتصاعد الاستقطاب، وتهديد مفهوم الدولة الوطنية.



خامسًا: 30 يونيو… تفويض للمسار لا للأشخاص

مثّل خروج عشرات الملايين من المصريين في 30 يونيو لحظة تاريخية نادرة، عبّر فيها الشعب بوضوح عن رفض الدولة الدينية، وسحب الشرعية من جماعة خلطت بين التنظيم والدولة، وبين العقيدة والحكم.

كان هذا الخروج تفويضًا لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة وسيادة القانون. غير أن هذه الفرصة لم تُستثمر لتأسيس جمهورية جديدة، بل جرى احتواؤها ضمن منطق إدارة السلطة.



سادسًا: ما بعد 2013… إشكالية الاختيارات

واجهت المرحلة التالية تحديًا تاريخيًا يتمثل في إعادة تأسيس الدولة، غير أن السياسات المتبعة اتسمت بما يلي:
1. إعادة إنتاج الدولة السلطوية بدل بناء دولة مؤسسات
2. توسع الدور الأمني في المجال المدني
3. الإبقاء على المرجعية الدينية في الدستور
4. غياب الإصلاح السياسي الحقيقي
5. تهميش الكفاءات والخبرات الوطنية
6. تضييق المجال العام وحرية الرأي

وهو ما أفرز استقرارًا شكليًا قائمًا على الضبط، لا على التوافق المجتمعي.



سابعًا: التطرف وانقسام المجتمع

أحد أخطر نتائج هذا المسار هو تحول التطرف إلى ظاهرة مجتمعية عامة. لم يعد التطرف حكرًا على جماعات عنيفة، بل أصبح نمط تفكير وسلوكًا يوميًا.

شهدت مصر استقطابًا حادًا أعاد تعريف الانتماء الوطني على أساس ديني، فانقسم المجتمع بقوة إلى مسلم ومسيحي بدلًا من مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.

الأخطر أن هذا الفكر الإقصائي تغلغل في مؤسسات الدولة نفسها، حيث تأثرت به قطاعات داخل:
• الأجهزة الأمنية
• الهياكل التنفيذية
• بعض دوائر المنظومة القضائية

وهو ما انعكس في تفاوت تطبيق القانون، وتراجع حياد الدولة، وضعف ثقة قطاعات واسعة من المواطنين، خصوصًا الأقباط، في عدالة المؤسسات.



ثامنًا: الأزمة الاقتصادية والاجتماعية

لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن بنية الحكم. فغياب الشفافية والمساءلة، واحتكار القرار، وتهميش الخبرات، أدت إلى:
• تصاعد الديون
• تآكل الطبقة الوسطى
• اتساع الفجوة الاجتماعية

ومع غياب حلول جذرية، جرى توظيف الخطاب الديني لامتصاص الغضب الاجتماعي، لا لمعالجة الأسباب الحقيقية للأزمة.



تاسعًا: المخاطر المستقبلية

إن استمرار هذا المسار يهدد:
• وحدة النسيج الوطني
• مفهوم الدولة المدنية
• فرص التنمية المستدامة
• الاستقرار طويل الأمد

فالدولة التي تنحاز دينيًا أو تُدار أمنيًا تفقد قدرتها على تمثيل جميع مواطنيها، وتتحول من دولة قانون إلى دولة جماعات.



خاتمة

أزمة مصر ليست أزمة أشخاص، بل أزمة مسار وبنية حكم.
ولا يمكن تجاوزها دون الاعتراف بأن:
• الاستقرار لا يُفرض بالقوة
• الشرعية لا تُدار بالدين
• الدولة لا تُبنى دون مؤسسات مستقلة ومجال عام مفتوح

مصر، بتاريخها وشعبها، قادرة على النهوض، لكنها تحتاج إلى دولة تفهم معنى الدولة، لا سلطة تبحث عن البقاء.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل نمتلك الشجاعة لتغيير المسار وبناء دولة مدنية حديثة؟
أم سيظل المستقبل رهينة لإدارة الأزمات بدل حلّها



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتحول الرياضة إلى أداة إقصاء… كيف تهدم العنصرية مصر بصمت ...
- مصر: دولة تحمي الخاطفين وتُجرّم حرية الاختيار
- حصاد عام 2025 عام انعدام الأمن وغياب العدالة وتكريس القمع
- الذكرى الثانية لرفيق كفاح
- عهد ظلم الأقباط في مصر: قراءة موثقة لواقع لا يزال يتكرر
- صاحب القضية
- الدولة الساقطة والنظام الفاشي
- الديكتاتور... حين يتجمّل الظلم باسم الوطن
- اشرف قائد عسكري معاصر
- رسالة اخيرة للسيسي
- السيسي والضربة القاضية لمصر
- حرب اسرائيل ايران - اثر الدين على الإدراك -
- العدل في الإسلام
- متي يرحل السيسي ؟
- الاقباط والفهم الخاطىء للمسيحية
- تجارة الآعضاء في مصر
- غياب الصرخة وبقي الأمل
- كلاكيت الاسلام فقط !!!
- و الحافي إذا تقبقب
- التبني في المسيحية


المزيد.....




- رئيسة وزراء إيطاليا تأمل في ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام
- هجوم انتحاري يستهدف حفل زفاف في شمال غرب باكستان ويوقع قتلى ...
- وفاة رضيعين في فرنسا.. كيف تلوّث حليب الأطفال من نستله ودانو ...
- مسؤولون أمريكيون يزورون إسرائيل لمناقشة ملف غزة وإيران
- كيف تستعد لجنة إدارة غزة في مصر لاستلام مهامها؟
- ماكرون يجدد دعمه للجيش اللبناني.. وسلام يؤكد المضي بحصر السل ...
- -انضمام- عربي و-تحفظ- أوروبي لـ-مجلس سلام- عالمي برئاسة ترام ...
- رويترز: أمريكا تكثف الضغوط على العراق لتقويض -النفوذ الإيران ...
- فيدان: إسرائيل ما زالت تتحين الفرصة لمهاجمة إيران
- في ساعاته الأخيرة.. تلميحات لتمديد وقف إطلاق النار بين دمشق ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - أزمة الدولة المصرية: المسار، والشرعية، ومأزق المستقبل