أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - كيف تسقط الاوطان















المزيد.....

كيف تسقط الاوطان


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 09:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس سقوط الأوطان لحظة درامية تنتهي فيها الجغرافيا، بل عملية بطيئة تبدأ من الداخل، من لحظة يختل فيها ميزان العدل، وتفقد فيها القيم حيادها، ويصبح الإنسان معيارًا للحق بدل أن يكون الحق معيارًا للإنسان. عندها فقط تبدأ الدولة في التحول من “وطن” إلى “ساحة تنازع هويات”، ومن “مجتمع” إلى “مجموعة جزر خائفة تعيش بجوار بعضها لا مع بعضها”.

في الشرق الأوسط، تتجلى واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في التاريخ المعاصر: خطابٌ مرتفع يطالب بالعدل والحرية والكرامة، يقابله واقع يمارس فيه الإقصاء والاضطهاد بأشكال مباشرة أو ناعمة، قانونية أو اجتماعية او دينية. الإنسان هنا لا يعيش فقط صراع المصالح، بل صراعًا أعمق بين ما يقوله وما يفعله، بين ما يؤمن به علنًا وما يمارسه ضمنيًا.

أولًا: العدل حين يُختزل في الهوية

المشكلة ليست في غياب القيم، بل في إعادة تعريفها وفق الانتماء. يصبح العدل قابلًا للتفاوض: يُطلب عندما نكون ضحايا، ويُعلق عندما نكون أقوياء. وكأن الحقيقة الأخلاقية تتغير بتغير موقعنا في الهرم الاجتماعي أو الانتماء الديني.

هذا النمط من التفكير أشار إليه أفلاطون حين حذّر من أن أخطر أشكال الانحراف الأخلاقي هو أن “يظن الإنسان أن العدل هو ما يخدمه هو ومن يشبهه”. وفي نفس السياق، يرى أرسطو أن الدولة التي لا تقوم على العدالة المشتركة تتحول تدريجيًا إلى صراع مصالح لا رابطة أخلاقية فيها.

هكذا يتراجع مفهوم المواطنة ليُستبدل بمنطق العصبية: “نحن” في مقابل “هم”، حتى لو كان “هم” يعيشون على نفس الأرض ويتكلمون نفس اللغة ويحملون نفس الهوية الوطنية.

ثانيًا: النرجسية الدينية وتفكيك المعنى الأخلاقي

أحد أخطر التحولات في الوعي الجمعي هو ما يمكن تسميته بـ”النرجسية الدينية”، حيث يتحول الإيمان من مشروع أخلاقي إلى هوية متفوقة، ومن دعوة للرحمة إلى أداة حكم على الآخرين. ومن حب وتقدير للآخر إلى احتقار وتعالي على الاخر ، حينما يظن البعض انه يملك الحقيقة المطلقة .

لكن جوهر الدين السليم ، في أصله، يقوم على : تواضع الإنسان أمام القيم المطلقة، لا تعاليه بها على غيره. وقد حذّر سبينوزا من تحويل الدين إلى أداة سلطة وسطو و اضطهاد ونشر الكراهيه ، مؤكدًا أن الإيمان الذي يُنتج الكراهية هو إيمان فقد روحه وفقد الصلاحية وسقط في تحقيق القيم الإنسانية .

ويذهب أيمانويل كانت إلى أساس أخلاقي أعمق حين يقول إن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا كغاية في ذاته، لا كوسيلة. لكن حين تُختزل الجماعات البشرية إلى “نحن” و”آخر”، يصبح الإنسان أداة: إما لتأكيد التفوق أو لتبرير الإقصاء.

ثالثًا: الأقليات… مرآة العدل الغائب

لا يُقاس العدل في المجتمعات بما تمنحه للأغلبية، بل بما تحميه للأقلية. فالأقليات ليست هامشًا تاريخيًا، بل اختبارًا حقيقيا و دائمًا لضمير الدولة والمجتمع.

الأقباط في مصر، والسريان والآشوريون في سوريا والعراق، وغيرهم من المكونات الأصلية و التاريخية في المنطقة، ليسوا طارئين على الجغرافيا ولا على التاريخ. بل هم جزء أصيل من النسيج الحضاري، لكنهم غالبًا ما وجدوا أنفسهم في موقع “الاختبار الدائم” لمدى قدرة المجتمعات على قبول الاختلاف.

في العراق، تعرض السريان والآشوريون لموجات تهجير قاسية، وصلت ذروتها مع صعود العنف المتطرف من الجماعات الاسلامية المختلفة الذي استهدفت وجودهم ذاته. وفي سوريا، دفعت مكونات عديدة ثمن الحرب، لكن بعض الأقليات واجهت تهديدًا مضاعفًا مرتبطًا بهويتها. وفي مصر، عاش الأقباط عبر عقود طويلة بين لحظات اندماج اجتماعي، وأخرى من التوتر أو العنف الطائفي أو التمييز غير المعلن ولكن الكل يدرك ان مهما تنوعت الأنظمة فإن كراهية الاقباط محفورة داخل قيادات الدولة.

هنا يظهر سؤال فلسفي حاسم: هل العدل قيمة عامة للجميع، أم امتياز يُمنح حسب الانتماء؟

رابعًا: سقوط المصداقية الأخلاقية

أخطر ما في انعدام العدل ليس الظلم ذاته، بل القدرة على تبريره. حين يصبح الخطاب الأخلاقي منفصلًا عن الفعل، تتحول القيم إلى أقنعة اجتماعية، لا إلى بوصلة سلوكية.

هنا عبر عن ذلك الفيلسوف جان جاك روسو " ان أخطر فساد هو ذاك الذي يتخفى خلف الفضيلة”. وهذه هي المأساة: أن تُستخدم كلمات مثل الشرف، الإيمان، والعدالة، لتغطية ممارسات تناقضها تمامًا.

ويضيف ألبرت كامو بوضوح أخلاقي صارم أن الإنسان الحقيقي هو من يرفض الظلم حتى حين لا يكون هو الضحية. لأن العدالة، إن لم تكن شاملة، تفقد معناها.

خامسًا: السياسة كمرآة للوعي المختل

في المجال السياسي، تتجلى الازدواجية بأوضح صورها: إدانة الظلم حين يصدر من الخصوم، وتبريره حين يصدر من “الذات”. رفض العنصرية حين تُمارس ضدنا، والصمت حين تُمارس من قبلنا أو باسمنا.

هذا النمط من التفكير لا يبني دولًا، بل يعيد إنتاج الأزمات. وقد وصفت هانا آرندت هذا النوع من الانحدار الأخلاقي بـ”تفاهة الشر”، حيث لا يحتاج الظلم إلى وحوش، بل يكفي أن يُمارس دون تفكير نقدي أو مساءلة ضمير.

سادسًا: حين يصبح العدل شرط البقاء

التاريخ لا يرحم المجتمعات التي تفقد توازنها الأخلاقي. فالدول لا تنهار فقط بالغزو أو الفقر أو الحروب، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج شعور داخلي بالإنصاف بين مواطنيها.

العدل ليس قيمة مثالية فقط، بل شرط وجودي. لأنه عندما يشعر الإنسان أنه غير مرئي داخل وطنه، يبدأ في الانسحاب نفسيًا قبل أن ينسحب سياسيًا، ثم يتحول الانسحاب إلى قطيعة.

خاتمة: نحو وطن يحتضن الجميع

الخروج من هذه الدائرة لا يكون بشعارات جديدة، بل بتحول جذري في فهم الإنسان لنفسه ولغيره.

الوطن الحقيقي ليس الذي يطلب الولاء، بل الذي يستحقه. ليس الذي يفرض الانتماء، بل الذي يمنحه معنى. ليس الذي يرفع شعار العدالة، بل الذي يطبقها حتى حين تكون ضد مصالح الأقوى.

إن بناء وطن يحتضن الجميع يبدأ من ثلاث حقائق بسيطة لكنها ثورية:

* لا عدل بلا مساواة كاملة في الكرامة.
* لا وطن بلا حماية حقيقية للمختلف قبل المتماثل.
* لا مستقبل لمجتمع يبرر الظلم حين يخدم هويته.

هنا حسب كلمات مارتن لوثر كينج "الظلم في أي مكان هو تهديد للعدل في كل مكان”.

وهنا جوهر الطريق:
إما أن يكون العدل قاعدة للجميع… أو لا يكون وطن أصلًا.
فالأوطان لا تسقط فجأة، بل حين يتعود الناس على الظلم… ويصمتون .

اخيرا اختم بكلمة تعبر عن ايمان الملايين بالوطن وتعبر عنه " دون عدالة لا يوجد أمن، ودون أمن لا يوجد شعور بالانتماء، ودون انتماء لا يوجد وطن "

الخلاصة: العدالة أولًا… أو لا وقبل كل شيء



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
- الأقباط بين خطاب الطمأنة وواقع الحقوق ؟
- ‎البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة

- البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة
- بلد العميان
- سيلفانا كمان وكمان
- ليس تراجعًا… انما هو احتلال
- المسيح بالضعف أظهر القوة
- الجمهورية الجديدة… من وعد الحرية إلى واقع الاضطهاد
- اعيدوا لنا مصر
- سجدات الإرهاب
- التعصب الديني ونهاية وطن
- العدالة الغائبة في مصر: اضطهاد بلا عقاب ودولة بلا ميزان
- «نجاحات» جمهورية السيسي السلفية
- الأزهر وإدارة الإرهاب وتهديد العالم
- السيسي… حرية عقيدة للمنصات، سجون للشباب
- أزمة الدولة المصرية: المسار، والشرعية، ومأزق المستقبل
- حين تتحول الرياضة إلى أداة إقصاء… كيف تهدم العنصرية مصر بصمت ...
- مصر: دولة تحمي الخاطفين وتُجرّم حرية الاختيار
- حصاد عام 2025 عام انعدام الأمن وغياب العدالة وتكريس القمع


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - كيف تسقط الاوطان