أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا















المزيد.....

المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 23:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


“ليست المشكلة في أن الإنسان ينسى التاريخ، بل في أنه أحيانًا يعجز عن مغادرته.”

كلما جلست أشاهد مباراة لكرة القدم، يزداد يقيني أن الكرة لم تعد مجرد لعبة، وأن المستطيل الأخضر أصبح مساحة تتصارع فيها الأفكار أكثر مما تتصارع فيها الخطط التكتيكية. فالمباريات الكبرى لم تعد تُحسم بالأهداف وحدها، بل بالأيديولوجيا، والذاكرة، والانتماءات، والصور الذهنية التي يحملها كل مشجع في عقله.

ولهذا، لم تكن المباراة بين إسبانيا والأرجنتين بالنسبة إلى كثير من المسلمين مجرد نهائي لكأس العالم، بل كانت سؤالًا وجوديًا: من نشجع؟

هل نشجع إسبانيا؟

الدولة التي نجحت، بعد قرون من الصراع، في إنهاء الحكم الإسلامي في الأندلس، لتبدأ بعدها بناء حضارتها و تسير في ركب الحضارة الاوربية ؟

أم نشجع الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي؟

اللاعب الذي يراه ملايين البشر أعظم من لمس كرة القدم، بينما يراه آخرون “صهيونيًا” بسبب زيارة قام بها إلى إسرائيل قبل سنوات، متجاهلين الوقائع وسياقاتها المختلفة؟

وهنا تنتهي كرة القدم…

وتبدأ الفلسفة.

الإنسان لا يرى الحقيقة… بل يرى روايته عنها

يقول الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه:

“لا توجد حقائق، بل توجد تأويلات.”

قد يختلف الفلاسفة مع هذه العبارة، لكنها تفسر كثيرًا مما يحدث في عالمنا.

فالإنسان لا ينظر إلى الحدث بعين محايدة، وإنما يراه من خلال ذاكرته، وثقافته، ودينه، ومشاعره، والقصص التي تربى عليها منذ طفولته.

ولهذا يرى الإسباني في منتخب بلاده رمزًا للوطن.

ويراه المسلم ضد ميسي .

ويرى مشجع ميسي عبقرية كروية فذة بل افضل من لمست قدماه كرة القدم منذ بداية اللعبة .

ويراه آخر من خلال صورة تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي .

كل واحد يرى الحقيقة…

لكن من نافذته الخاصة.

عندما تصبح الصورة أقوى من الحقيقة

في عصر الإنترنت لم تعد الحقيقة هي التي تنتصر.

بل تنتصر الرواية الأسرع انتشارًا.

وفق دراسة شهيرة أجراها معهد MIT ونُشرت في مجلة Science عام 2018، فإن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أسرع بكثير من الأخبار الصحيحة، كما تصل إلى عدد أكبر من الناس خلال وقت أقصر.

هذه ليست مشكلة إعلامية فقط…

بل مشكلة فلسفية.

لأن الإنسان أصبح يصدق ما يراه كثيرًا، وليس ما يثبت صحته.

ولهذا تتحول صورة واحدة إلى حكم نهائي.

وتتحول إشاعة إلى يقين.

ويتحول منشور مجهول المصدر إلى حقيقة راسخة.

من يحتل العقل؟

لسنوات طويلة كنا نعتقد أن الاحتلال هو احتلال الأرض.

لكن التجربة الإنسانية أثبتت أن احتلال العقل أخطر بكثير.

فالأرض يمكن أن تتحرر.

أما العقل، إذا استسلم للدعاية، فقد يعيش أسيرًا طوال حياته وهو يظن نفسه حرًا.

إن أخطر ما تفعله الأيديولوجيا أنها تعفي الإنسان من التفكير.

فهي تقدم له العالم في صورة بسيطة:

هذا معنا.

وذاك ضدنا.

هذا بطل.

وذاك خائن.

وهكذا يرتاح العقل.

لأن التفكير مرهق.

أما التصنيف فهو مريح.

المسلم الحائر

إن المسلم البسيط لا يملك الوقت لقراءة الكتب التاريخية.

ولا لمراجعة الوثائق.

ولا للبحث في خلفيات الأخبار.

إنه يتلقى معلوماته من مقطع لا يتجاوز دقيقة، أو منشور لا يتجاوز بضعة أسطر.

ثم يُطلب منه أن يبني موقفًا من العالم كله.

تشير تقارير We Are Social وMeltwater إلى أن الإنسان يقضي في المتوسط أكثر من ساعتين يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي.

أي أن هذه المنصات أصبحت المدرسة الجديدة.

لكنها مدرسة بلا معلمين.

وبلا منهج.

وبلا مراجعة.

ولهذا تنتشر المشاعر أسرع من المعرفة.

وينتشر الغضب أسرع من الحقيقة.

ميسي… بين الأسطورة الرياضية والصورة السياسية

ليونيل ميسي ليس معصومًا.

وليس نبيًا.

وليس قائدًا سياسيًا.

إنه لاعب كرة قدم.

لكن من الصعب إنكار مكانته الرياضية.

ثماني كرات ذهبية.

بطل لكأس العالم.

بطل لكوبا أمريكا.

عشرات الألقاب المحلية والقارية.

مئات الأهداف.

ومئات التمريرات الحاسمة.

وأرقام قياسية جعلت اسمه حاضرًا في كل نقاش جاد حول أعظم لاعب في تاريخ اللعبة.

هذه حقائق رياضية.

أما المواقف السياسية، فيمكن الاتفاق معها أو الاختلاف حولها، لكن من الخطأ أن نمحو تاريخًا رياضيًا كاملًا بسبب موقف أو صورة أو رواية غير مكتملة.

إن الإنصاف يقتضي الفصل بين تقييم الإنجاز الرياضي، وبين تقييم المواقف السياسية.

هل نحاكم الحاضر بالماضي؟

يبقى السؤال الأصعب.

هل نحاكم إسبانيا اليوم بما فعله الإسبان قبل خمسة قرون؟

إذا كانت الإجابة نعم…

فهل نقبل أن يحاكمنا العالم نحن أيضًا بتاريخنا المشين من سرقة اوطان واغتصاب وأعمال يندى لها الجبين ؟

وهل يرث الإنسان ذنب أجداده؟

الفيلسوف الفرنسي بول ريكور كان يرى أن الذاكرة ضرورة، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا أصبحت تمنع الإنسان من رؤية الواقع.

فالذاكرة يجب أن تعلمنا.

لا أن تسجننا.

والتاريخ يجب أن يفسر الحاضر.

لا أن يحكم عليه إلى الأبد.

الكراهية لا تنتج إلا الكراهية

التجربة الإنسانية كلها تقول إن الكراهية لا تبني حضارة.

ولم تنتج الكراهية يومًا علمًا.

ولا أدبًا.

ولا فلسفة.

ولا اقتصادًا.

إنها تنتج فقط مزيدًا من الكراهية.

ولهذا فإن تحويل الرياضة إلى ساحة للصراعات السياسية والدينية لا يخدم القضية الفلسطينية، ولا يخدم المسلمين، ولا يخدم العدالة.

بل يجعل الإنسان يفقد قدرته على التمييز بين الموقف السياسي، والإنجاز الإنساني، والموهبة الرياضية.

المشكلة ليست في ميسي… ولا في إسبانيا

المشكلة الحقيقية ليست في ميسي.

وليست في إسبانيا.

بل في الطريقة التي نفكر بها.

لقد أصبح كثير من الناس يبحثون عن المعلومة التي تؤكد قناعاتهم، لا عن الحقيقة.

وهو ما يسميه علماء النفس التحيز التأكيدي (Confirmation Bias)، أي ميل الإنسان إلى تصديق ما يوافق أفكاره، ورفض ما يخالفها، حتى لو كانت الأدلة أقوى.

ومن هنا تبدأ صناعة الأوهام.

ثم تتحول الأوهام إلى يقين.

ثم يتحول اليقين إلى تعصب.

ثم يصبح التعصب دينًا جديدًا لا يقبل النقاش.

خاتمة

المسلم الحائر ليس حائرًا بين إسبانيا والأرجنتين.

ولا بين ميسي وخصومه.

إنه حائر بين عقل يريد أن يفكر…

وصوت مرتفع يريد أن يفكر بالنيابة عنه.

حائر بين التاريخ والواقع.

بين الحقيقة والدعاية.

بين المعرفة والانفعال.

لقد انتهت المباراة.

ورفع أحد الفريقين الكأس.

لكن السؤال الحقيقي سيبقى مطروحًا بعد كل بطولة، وبعد كل حدث، وبعد كل أزمة:

هل نمتلك شجاعة أن نراجع أفكارنا، أم أننا سنكتفي بترديد ما يريد الآخرون منا أن نردده؟

لأن أخطر أنواع الهزيمة ليست أن تخسر مباراة…

بل أن تخسر استقلال عقلك.

بل ان تصبح سجين فكر الأخرين ..



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة
- الإنسان بين الضمير والضجيج
- إلى اللقاء يا إيزيس
- سقوط مصر في فخ السلفية: شهادة شاهد من داخل المعركة
- تدوير الهوان
- في كواليس مؤتمر الأقباط بالنمسا عندما يتحول الألم إلى قضية ع ...
- الملك المعتوه
- الدول المتخلفة
- أقذر عهود الاضطهاد
- لم أدرس الطب البيطري…
- اخلاق الشعوب المقهورة
- كيف تسقط الاوطان
- الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
- الأقباط بين خطاب الطمأنة وواقع الحقوق ؟
- ‎البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة

- البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة
- بلد العميان
- سيلفانا كمان وكمان
- ليس تراجعًا… انما هو احتلال
- المسيح بالضعف أظهر القوة


المزيد.....




- -شوارع العين- كما لم ترها من قبل..مصور يوثق خبايا مدينة بالإ ...
- أرفع جائزة أدبية صينية تذهب إلى عامل توصيل أطعمة
- ما الملابس الأنسب لمقاومة موجات الحرّ؟
- ترامب يفرض رسوما جمركية بنسبة 50% على السلع الكندية بسبب نزا ...
- أوروبا تتراجع في مجال الذكاء الاصطناعي.. فما الحلول؟
- علماء ألمان يستخلصون الماء من الهواء.. كيف يتم ذلك؟
- قطر تعلن استئناف الملاحة البحرية ضمن نطاق 7 أميال
- ألمانيا وبريطانيا تتعهدان بمواصلة دعم أوكرانيا
- الوسطاء يقترحون هدنة 10 أيام لإنقاذ اتفاق طهران وواشنطن
- Oppo تطرح هاتفها المنافس قريبا


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا