أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - الملك المعتوه















المزيد.....

الملك المعتوه


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 18:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في قريةٍ صغيرة من قرى العالم الغارق في الجهل والخوف، عاش حاكمٌ لم يكن يملك من الحكمة بقدر ما كان يملك من المصفقين.
حاكمٌ صنع له الناس عرشًا من الوهم، حتى صار اسمه يُذكر وكأنه مقدس، وصارت صورته تُرفع فوق العقول، لا فوق الجدران فقط.

كان أهل القرية إذا ذُكر اسمه هتفوا بحماسٍ أعمى:
العادل… الحكيم… الرحيم… القوي… الأمين.

لكن أحدًا منهم لم يكن يجرؤ على السؤال:
أين عدله؟
وأين رحمته؟
وأين حكمته في كل هذا الخراب؟

لقد تحول التهليل مع الوقت إلى عبادةٍ جماعية للعقل المغلق، وصار التفكير خطرًا، وأصبح السؤال خيانة، وتحولت الجماهير إلى قطيعٍ يخشى أن يرى الحقيقة حتى لا يخسر وهم الطمأنينة.

وسط هذا الضجيج، جلس رجلٌ وحيد يراقب المشهد بصمت.
لم يكن ثائرًا، ولا صاحب جيش، ولا داعية فوضى.
كل ما فعله أنه استخدم عقله.

قرأ قوانين الحاكم، وتأملها طويلًا، فوجد أنها تقوم على ثلاث قواعد رئيسية:

أولًا:
أن الحاكم هو السيد المطلق، وصاحب الحق الكامل في الأمر والنهي، وعلى الجميع الاعتراف به دون نقاش.

ثانيًا:
أن هناك يومًا للحساب بعد الموت، يُجازى فيه المؤمنون بالحاكم بمكانة عظيمة ونعيمٍ أبدي.

ثالثًا:
أن البشر أحرار في الاختيار؛ فمن أطاع الحاكم وآمن به نال المكافأة، ومن رفضه استحق العقاب.

في البداية بدت القوانين متماسكة، لكن الرجل كلما تعمق في التفكير، ازداد شعوره بأن هناك خللًا مرعبًا في عقل هذا الحاكم وفي عقول أتباعه.

فصرخ داخله متسائلًا:

إذا كان البشر أحرارًا في الاختيار، فلماذا يتحول أتباع الحاكم إلى سجّانين وجلادين؟

إذا كان الحاكم سيحاسب الجميع بنفسه في النهاية، فلماذا يسمح لأتباعه أن يعذبوا البشر في الحاضر؟

إذا كان واثقًا من عدالته، فلماذا يخاف من حرية الناس؟

وإذا كان الحق واضحًا كما يدّعون، فلماذا يحتاج إلى السيوف والسجون والتهديد؟

أي عدالة هذه التي تعاقب الإنسان مرتين؟
مرةً في حياته على يد الأتباع، ومرةً بعد موته على يد الحاكم؟

وأي حرية اختيار تبقى حين يصبح الاختلاف جريمة، والتفكير خطيئة، والسؤال كفرًا؟

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في القوانين فقط، بل في أتباع الحاكم أنفسهم.

لقد اكتشف الرجل أن هؤلاء الأتباع لم يعودوا يرون البشر كبشر، بل كأدواتٍ يجب إخضاعها أو تحطيمها.

أباحوا لأنفسهم سرقة المختلفين عنهم.
واعتبروا التنكيل بالناس بطولةً وشجاعة.
ورأوا في القسوة فضيلة، وفي الإذلال انتصارًا.

صاروا يقتحمون حياة الناس باسم الحاكم.
يتدخلون في أفكارهم، وملابسهم، وأحلامهم، وحتى في حقهم في التفكير.

وكلما ازداد ظلمهم، ازداد يقينهم بأنهم “الأقرب إلى الحاكم”.

أي منطقٍ هذا؟

كيف يمكن لإنسانٍ أن يسرق ويقتل ويُهين ثم يظن أنه يؤدي عملًا مقدسًا؟

كيف يمكن أن يتحول الظلم إلى فضيلة فقط لأن الضحية مختلفة؟

لقد أصبح أتباع الحاكم يرون أن كل عمل غير أخلاقي ضد الآخرين عملٌ محمود، طالما أنه يخدم سلطان الحاكم.

فإن كذبوا قالوا: من أجل الحاكم.
وإن سرقوا قالوا: من أجل الحاكم.
وإن قتلوا قالوا: دفاعًا عن الحاكم.
وإن اضطهدوا الأبرياء قالوا: هذا ما يرضي الحاكم.

وهكذا تحولت القرية إلى سجنٍ كبير، لا تحكمه العدالة، بل يحكمه الخوف.

الخوف من السؤال.
الخوف من التفكير.
الخوف من أن يقول أحدهم: لماذا؟

وكان أخطر ما فعله الحاكم أنه أقنع الناس أن الظلم يمكن أن يكون مقدسًا إذا ارتكب باسمه.

وهنا أدرك الرجل الحقيقة الكبرى:

أن الطغيان لا يعيش بقوة الحاكم وحده، بل بضعف العقول التي تبرر له.

فالحاكم المعتوه لم يكن ليستطيع السيطرة على القرية لولا جموع المهللين الذين خافوا من التفكير أكثر مما خافوا من الظلم.

لقد صنعوا منه إلهًا صغيرًا، ثم سلموه عقولهم، وبعد ذلك استغربوا كيف تحولت حياتهم إلى عبودية.

لقد كان الحاكم يعلم أن الإنسان الحر أخطر من ألف سيف، لذلك لم يكن يخشى إلا أصحاب العقول.

ولهذا حارب السؤال، لأن السؤال يوقظ العقل.
وحارب الحرية، لأن الحرية تكسر الخوف.
وحارب الاختلاف، لأن الاختلاف يكشف زيفه.

أما أتباعه، فقد وجدوا في سلطته فرصةً لإخراج أسوأ ما في نفوسهم.

فالإنسان حين يظن أن السماء تبارك كراهيته، يصبح أكثر وحشية من أي حيوان.

وحين يقتنع أن العنف طريق الفضيلة، يتحول إلى آلة قمع لا ترى في الآخرين بشرًا.

لقد شوه الحاكم معنى الأخلاق، فبدلًا من أن تكون الأخلاق قائمة على الرحمة والعدل والمحبة، جعلها قائمة على الطاعة العمياء والكراهية والعقاب.

حتى المكافآت التي وعد بها أتباعه لم تكن قائمة على السمو الروحي أو المعرفة أو السلام، بل على الشهوات والملذات والرغبات الجسدية، وكأن الإنسان لا قيمة له إلا باعتباره جسدًا جائعًا للمتعة.

فأي حكمة في هذا؟
وأي قداسة؟
وأي عقل يمكن أن يرى في الشهوة مشروعًا أخلاقيًا؟

إن الحاكم العادل لا يحتاج إلى لصوصٍ وقتلة ليدافعوا عنه.
ولا يحتاج إلى إخافة الناس حتى يؤمنوا به.
ولا يحتاج إلى تحويل البشر إلى نسخٍ مكررة تخشى التفكير.

فالحق لا يخاف من السؤال.
والحقيقة لا تحتاج إلى سوط.
والعدل لا يُفرض بالقهر.

أما الطغاة، فهم دائمًا يخافون العقل الحر، لأن العقل الحر يفضح تناقضاتهم.

لقد فهم الرجل أخيرًا أن الحاكم المعتوه ليس فقط ذلك الجالس على العرش، بل أيضًا كل عقلٍ تنازل عن إنسانيته واختار أن يكون أداةً للظلم.

فحين يصبح القمع فضيلة، والكراهية عبادة، والظلم طريقًا إلى رضا الحاكم، تنهار الإنسانية كلها.

ولهذا جاءت كلمات الكتاب المقدس صارخة في وجه كل طاغية وكل ظالم:

“ويلٌ للذين يشرّعون فرائض جور، وللكتبة الذين يسطرون عسفًا.”
— سفر إشعياء 10: 1

وقال السيد المسيح:

“طوبى للرحماء، لأنهم يُرحمون.”
— إنجيل متى 5: 7

وقال أيضًا:

“تعرفون الحق، والحق يحرركم.”
— إنجيل يوحنا 8: 32

فالحق يحرر الإنسان…
أما الطغيان فيحول البشر إلى عبيد.

والإيمان الحقيقي لا يولد من الخوف، بل من الحرية.
ولا ينمو بالسيف، بل بالمحبة.
ولا ينتصر بالقمع، بل بالعدل.

أما الحاكم المعتوه، فسيظل دائمًا خائفًا…
لأن أعظم أعدائه ليس السلاح، بل إنسانٌ قرر أن يفكر



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدول المتخلفة
- أقذر عهود الاضطهاد
- لم أدرس الطب البيطري…
- اخلاق الشعوب المقهورة
- كيف تسقط الاوطان
- الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
- الأقباط بين خطاب الطمأنة وواقع الحقوق ؟
- ‎البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة

- البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة
- بلد العميان
- سيلفانا كمان وكمان
- ليس تراجعًا… انما هو احتلال
- المسيح بالضعف أظهر القوة
- الجمهورية الجديدة… من وعد الحرية إلى واقع الاضطهاد
- اعيدوا لنا مصر
- سجدات الإرهاب
- التعصب الديني ونهاية وطن
- العدالة الغائبة في مصر: اضطهاد بلا عقاب ودولة بلا ميزان
- «نجاحات» جمهورية السيسي السلفية
- الأزهر وإدارة الإرهاب وتهديد العالم


المزيد.....




- السعودية.. ضبط 8 وافدين أتراك والأمن العام يكشف ما فعلوه
- باكستان: عشرات القتلى والجرحى في تفجير استهدف قطارًا.. و-جيش ...
- هذه تفاصيل أحدث هجوم روسي على أوكرانيا بصاروخ أوريشنيك
- ماذا تخبئ آبل لمؤتمر المطورين؟ -سيري- الذكية وتحديثات كبرى ل ...
- لاحتواء -تسرب كيميائي خطير-.. كاليفورنيا تعلن الطوارئ وتستدع ...
- التعليم لا يقبل التأجيل.. عنوان معركة يخوضها الناس في غزة
- العائلة والحرب والإعلام.. ترمب يحكم وسط دراما مفتوحة
- مع كلمة -وداعا-.. ترمب ينشر صورة مسيّرة تضرب سفنا إيرانية وي ...
- الشرطة التركية تطرد زعيم حزب الشعب -المعزول- من المقر
- أول تعليق من نتنياهو على الاتفاق الأمريكي الإيراني الوشيك


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - الملك المعتوه