أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - الدول المتخلفة














المزيد.....

الدول المتخلفة


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 21:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست المأساة الحقيقية في الدول المتخلفة أنها متأخرة اقتصادياً أو علمياً فقط، بل إن الكارثة الأكبر تكمن في العقل الجمعي الذي تعايش مع التخلف حتى أصبح جزءاً من هويته وثقافته اليومية.

إن بعض المجتمعات لم تعد تعاني من التخلف باعتباره أزمة عابرة، بل أصبحت تدافع عنه، وتهاجم كل محاولة للخروج منه. تركت العلم، وابتعدت عن التفكير النقدي، وسلمت عقولها لخطابات التطرف والكراهية، حتى صار الجهل يُقدَّم باعتباره فضيلة، وأصبح المتشدد يُعامل كرمز للبطولة والقداسة و هناك علاقة طردية بين الارهاب والتخلف كلما زاد التخلف زاد التطرف و الكراهية والنرجسية الدينية .

في هذه المجتمعات، نجد منابر تزرع الكراهية بدلاً من المعرفة، وتغذي العقول بأفكار تنتمي إلى قرون بعيدة دون أي محاولة لفهم تغيرات العصر أو احتياجات الإنسان الحديث. هناك من يحارب حرية الفكر، ويخيف الناس من العلم، ويعتبر التطور مؤامرة، بينما يتم تقديم التخلف باعتباره حفاظاً على الهوية وعلامة على السير على دروب السلف حيث التخلف و التأخر و البداوة.

والأخطر أن بعض هذه المجتمعات لا تكتفي برفض الحداثة، بل تمجد العنف الجسدي والعقوبات البدنية القاسية وكأنها دليل على القوة والفضيلة. فترى التهليل لعقوبات مثل الجلد وقطع اليد والإيذاء البدني، ويُصور القسوة على أنها عدالة، بينما تُهاجم قيم الرحمة وحقوق الإنسان باعتبارها ضعفاً أو انحلالاً. وهكذا يتحول العنف إلى ثقافة، ويصبح الألم وسيلة لإثبات “الإيمان” أو “الالتزام”، لا باعتباره أزمة إنسانية تحتاج إلى مراجعة.

أما المرأة، ففي كثير من هذه البيئات، لا تُعامل كشريك كامل في المجتمع، بل تُحاصر وتُقيد وتُختزل قيمتها الإنسانية تحت شعارات دينية أو اجتماعية جامدة. وهكذا تتحول المجتمعات إلى كيانات معطلة، لأن أي مجتمع يقمع نصفه لا يمكنه أن ينهض اي مجتمع تحتقر نصفه هو مجتمع مريض عليل متخلف .

وفي هذه البيئات أيضاً تنتشر حالة من العداء المزمن للعلم. فكل اكتشاف علمي، وكل فكرة تنويرية، وكل محاولة لاستخدام العقل تُقابل بالشك أو التخوين أو التكفير. بل إن بعض الأصوات تهاجم المنطق نفسه، وتعتبر التفكير النقدي خطراً يجب محاربته. وتتحول الخرافة إلى “حقيقة”، بينما يصبح العلم موضع اتهام فتنتشر الخرافات بل تقدس وتبجل رغم انها ضد العلم والمنطق و الحقيقة.

ومن أخطر مظاهر المتخلفة هي أزمة الوعي في هذه المجتمعات أنها تصنع من بعض الشخصيات المجنونة والمتخلفة “أيقونات” رغم أن خطابها يقوم على معاداة العلم والعقل والمنطق. فبدلاً من الاحتفاء بالمفكر والعالِم والطبيب الحقيقي، يتم تصدير شخصيات تهاجم التفكير العلمي وتُروّج لأفكار تقوم على الخرافة أو التفسيرات غير المنطقية، ثم تُقدَّم للجماهير باعتبارها نماذج للعبقرية أو الحكمة وتتسابق اجهزة الإعلام في الترحيب بكل ارهابي متخلف عديم العقل و غريب المنطق .

وقد ظهرت نماذج لشخصيات قدمت خطاباً رافضاً لكثير من الحقائق العلمية والطبية، وروّجت لأنظمة وأفكار بعيدة عن المنهج العلمي، ثم تحولت عند بعض الناس إلى رموز شعبية يتم الدفاع عنها بصورة عاطفية رغم تناقض أفكارها مع أبسط قواعد العلم والمنطق. وكلما ازداد الخطاب غرابة أو تحدياً للمعرفة الحديثة، ازداد التصفيق له من جماهير أنهكها الجهل وأصبحت ترى في معاداة العلم نوعاً من البطولة.

كما ساهمت بعض الرموز الدينية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تكريس خطاب محافظ ومتشدّد تجاه المرأة والحياة المدنية والفكر الحديث. فقد جرى أحياناً تقديم المرأة باعتبارها أقل قيمة أو أقل قدرة، وتم ترسيخ أفكار تقلل من دورها الإنساني والمجتمعي، بينما تم تصوير الحداثة والفكر النقدي كأنهما خطر على الدين والهوية !! و هللت الشعوب المختلفة بتعبيرات للشيوخ ترسخ الجهل و تحط من القيم الإنسانية السليمة وصار الكل يهتف ويصفق لتعبيرات ضد الشرف و الإنسانية تحت مسميات مختلفة الرياضة الايمانية .

وفي الوقت نفسه، ساعدت بعض هذه الخطابات على نشر ثقافة الانغلاق والتشدد، وأثّرت في المزاج الشعبي حتى أصبح أكثر ميلاً لرفض الاختلاف والتنوع والانفتاح. كما انتشرت تفسيرات وخطابات تتعارض مع المنطق والعصر، لكنها تحولت في نظر قطاعات واسعة إلى حقائق مقدسة لا يجوز الاقتراب منها أو مناقشتها.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: حين يتحول رفض العلم إلى فضيلة، ومعاداة العقل إلى بطولة، والتشدد إلى رمز شعبي، يصبح المجتمع أسيراً للتخلف بإرادته، لا ضحية له فقط.

أما بعض المشاهير في هذه المجتمعات فلا يمثلون الوعي أو الإبداع، بل يمثلون الضجيج والتطرف والعداء للعقل. نرى من يتحدث بثقة ضد العلم والمنطق، ويهاجم الفكر الإنساني الطبيعي، ثم يجد التصفيق والهتاف من جماهير فقدت القدرة على التمييز بين الفكر الحقيقي والدجل.

إنها شعوب تعيش أزمة وعي حقيقية؛ تُمجّد المتطرف، وتصفق للجاهل، وتهاجم أصحاب الفكر والعلم، حتى أصبح المفكر المستنير غريباً وسط مجتمعه، بينما يتحول صاحب الخطاب المتشدد إلى نجم جماهيري.

المجتمعات التي تفقد بوصلتها الإنسانية تصبح عاجزة عن إنتاج الحضارة، لأنها تستبدل العقل بالصوت العالي، والعلم بالخرافة، والإنسانية بالتعصب. وحين يُحتقر التفكير الحر، وتُحاصر الأسئلة، ويُخيف الناس من المعرفة، يصبح التخلف قدراً مستمراً لا مجرد مرحلة مؤقتة.

إن النهضة لا تبدأ بالمال ولا بالشعارات، بل تبدأ بتحرير العقل. فالأمم التي تحترم العلم، وتؤمن بحرية الإنسان، وتُعلي قيمة التفكير، هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل.

أما المجتمعات التي تقدس الجهل، وتمجد القسوة، وتخاف من العقل، وتحتقر المشاعر الإنسانية فإنها تبقى أسيرة الماضي مهما امتلكت من ثروات أو رفعت من شعارات.

التخلف الحقيقي ليس نقص الموارد… بل غياب الوعي مع قيام اجهزة بكل قياداتها السيادية و التنفيذية والدينية حراسا لعدم التفكير و الحفاظ على التخلف و التطرف وانعدام الإنسانية انظر لمصر بعد قراءة المقال ولا تتعجب .



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أقذر عهود الاضطهاد
- لم أدرس الطب البيطري…
- اخلاق الشعوب المقهورة
- كيف تسقط الاوطان
- الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
- الأقباط بين خطاب الطمأنة وواقع الحقوق ؟
- ‎البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة

- البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة
- بلد العميان
- سيلفانا كمان وكمان
- ليس تراجعًا… انما هو احتلال
- المسيح بالضعف أظهر القوة
- الجمهورية الجديدة… من وعد الحرية إلى واقع الاضطهاد
- اعيدوا لنا مصر
- سجدات الإرهاب
- التعصب الديني ونهاية وطن
- العدالة الغائبة في مصر: اضطهاد بلا عقاب ودولة بلا ميزان
- «نجاحات» جمهورية السيسي السلفية
- الأزهر وإدارة الإرهاب وتهديد العالم
- السيسي… حرية عقيدة للمنصات، سجون للشباب


المزيد.....




- -إعلان حرب-.. سموتريتش عن سعي الجنائية الدولية لإصدار مذكرة ...
- شاهد كيف علّق وزير خارجية مصر على تصريحات ترامب بتأجيل الهجو ...
- الإمارات تعلن نتائج تحقيقاتها بهجوم محطة براكة النووية وتحدد ...
- بين نفي الدعم السريع وروايات عن عودته إلى جبهات القتال في ال ...
- -مكافأة ضخمة لاغتيال ترامب ونتنياهو-.. البرلمان الإيراني يست ...
- السودان.. مقتل 28 شخصًا على الأقل في هجوم بمسيّرة استهدف سوق ...
- الإمارات تكشف مصدر الهجوم الذي استهدف محطة -براكة- النووية
- البحرين تعلق دخول الأجانب من ثلاث دول أفريقية إلى أراضيها بس ...
- خبير بالأمن البحري: لا أحد يسيطر على هرمز وترمب يمارس الخداع ...
- كيف تختار سكين الأضحية المثالية؟ أسرار وحكايات أقدم سنّان في ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - الدول المتخلفة