أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - مدحت قلادة - الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة















المزيد.....

الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 18:12
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


“إن قيمة الإنسان لا تكمن فيما كان، بل فيما يستطيع، بنعمة الله، أن يصير.”

ربما لا يوجد سؤال شغل الفلسفة واللاهوت والقانون أكثر من هذا السؤال:

من هو الإنسان؟

هل الإنسان هو مجموع أخطائه؟

أم أنه كائن يتجاوز أخطاءه؟

هل يُختزل في لحظة سقوط، أم يُعرَّف بقدرته على النهوض؟

منذ فجر الحضارات، انقسم البشر بين رؤيتين متناقضتين؛ رؤية تجعل العدالة مرادفًا للعقوبة، ورؤية ترى أن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا إذا منحت الإنسان فرصة ليبدأ من جديد.

ولهذا فإن قيمة أي حضارة لا تُقاس بما تبنيه من قصور، ولا بما تملكه من جيوش، بل بالطريقة التي تعامل بها أضعف إنسان فيها.

لقد أدرك فيكتور هوغو هذه الحقيقة عندما كتب رائعته الخالدة “البؤساء”. لم يكن يروي قصة رجل سرق رغيف خبز، بل كان يفضح مجتمعًا اختزل إنسانًا كاملًا في لحظة جوع.

لم تكن مأساة جان فالجان أنه سرق.

بل أن المجتمع رفض أن يراه بعد السرقة.

رفض أن يرى الأب، والعامل، والإنسان الذي يمكن أن يتغير.

لقد رأى فيه رقمًا في سجل السجون، بينما رأى فيه الأسقف ميرييل إنسانًا يستحق فرصة جديدة.

وهكذا انتصرت الرحمة على القانون الجامد، لا لأنها أنكرت العدالة، بل لأنها كشفت غايتها الحقيقية: استعادة الإنسان.

إن السؤال الفلسفي الحقيقي ليس:

هل السرقة جريمة؟

فلا خلاف على أنها جريمة.

بل السؤال هو:

هل وظيفة العدالة أن تدمر الإنسان، أم أن تعيد إليه إنسانيته؟

إن القانون الذي يحمي المجتمع قانون عادل.

أما القانون الذي يحطم الإنسان فلا يصنع العدالة، بل يصنع الخوف.

ولهذا عرفت البشرية عبر التاريخ عقوبات جسدية دائمة، تجعل الإنسان يحمل جريمته على جسده ما بقي حيًا.

ومن أكثر هذه العقوبات إثارة للتأمل عقوبة قطع يد السارق.

فحتى لو انتهت الجريمة في لحظتها، فإن العقوبة لا تنتهي.

إنها تلاحق الإنسان كل يوم.

وتمنعه من العمل.

وتغلق أمامه أبواب الحياة.

وتحوّل لحظة سقوط إلى وصمة أبدية.

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الكبير:

هل خلق القانون ليصنع إنسانًا عاجزًا؟

أم ليعيد الإنسان إلى المجتمع؟

إن العقوبة التي تسلب الإنسان مستقبله قد تكون أشد قسوة من الجريمة نفسها.

فالعدالة التي ترى الماضي فقط، تحكم على الإنسان بالموت البطيء.

أما العدالة التي ترى المستقبل أيضًا، فإنها تمنحه فرصة للحياة.

لقد قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط إن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا كغاية في ذاته، لا كوسيلة. فالكرامة الإنسانية لا تسقط بالفقر، ولا تُلغى بالخطيئة، لأنها تنبع من قيمة الإنسان ذاته، لا من نجاحه أو فشله.

أما دوستويفسكي، فقد رأى أن أعماق النفس البشرية أعقد من أن تُختزل في جريمة، وأن الإنسان يحمل داخله إمكانية السقوط كما يحمل إمكانية القداسة، وأن المجتمع الذي يفقد الإيمان بقدرة الإنسان على التوبة، يفقد إيمانه بالإنسان نفسه.

لكن المسيحية ذهبت أبعد من كل الفلسفات.

لم تقدم نظرية عن الإنسان…

بل قدمت الإنسان الكامل.

قدمت يسوع المسيح.

ففي شخصه لم تعد الرحمة فكرة فلسفية، بل أصبحت وجه الله.

ولم تعد المحبة وصية أخلاقية، بل صارت أسلوب حياة.

لقد اقترب من الذين هرب منهم المجتمع.

جلس مع العشارين.

ولمس البرص.

واحتضن المنبوذين.

ودعا الخطاة إلى مائدته.

لم يبحث عن الكاملين، لأن الكاملين لا يحتاجون إلى طبيب، بل جاء إلى المنكسرين ليعيد إليهم كرامتهم.

وجاءت اللحظة التي كشفت قلب الله كله.

أحضر الكتبة والفريسيون امرأة أُمسكت في الزنا، طالبين حكمًا سريعًا بالرجم.

كانوا يحملون الحجارة.

أما المسيح فكان يحمل الإنسان.

انحنى إلى الأرض، ثم قال كلمته التي هزّت ضمير البشرية:

«من كان منكم بلا خطية فليرمها أولًا بحجر.»

لم يُبرر الخطية.

ولم يُلغِ العدالة.

لكنه كشف أن الإنسان الذي يدين أخاه، يحتاج هو أيضًا إلى الرحمة.

وحين انصرف الجميع، قال للمرأة:

«ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئي أيضًا.»

يا لها من كلمات!

في جملة واحدة اجتمع الحق والنعمة.

لم يقل لها إن الزنا فضيلة.

ولم يقل لها إن الخطية بلا قيمة.

لكنه رفض أن تتحول خطيتها إلى هويتها.

لقد فصل بين الإنسان والخطية.

فالخطيئة حادثة…

أما الإنسان فهو صورة الله.

وهنا تبلغ المسيحية ذروة عظمتها.

فالله لا ينظر إلى الإنسان كما يراه الناس.

الناس يقرأون الماضي.

أما الله فيكتب المستقبل.

ولذلك أعلن السيد المسيح في الموعظة على الجبل حقيقة تهز كل فلسفات الانتقام، فقال:

«لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين.» (متى 5: 45)

تأملوا هذا الإعلان الإلهي.

الشمس لا تتوقف أمام بيت الخاطئ.

والمطر لا يلتف حول حقل الظالم.

والهواء لا يسأل الإنسان عن دينه أو تاريخه قبل أن يمنحه الحياة.

الله يعطي لأنه محبة.

ويمنح لأنه أب.

ويفتح أبواب الرجاء حتى لمن أغلقها البشر.

ولو عاملنا الله بمنطق الاستحقاق، لما بقي أحد واقفًا.

لكن رحمته تسبق استحقاقاتنا.

ونعمته أقوى من ماضينا.

ولهذا احتضن بطرس بعد إنكاره.

وقَبِل اللص التائب وهو على الصليب.

وصلى من أجل الذين صلبوه قائلًا:

«يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون.»

أي فلسفة تستطيع أن تبلغ هذا العمق؟

وأي قانون يستطيع أن يسمو إلى هذا الارتفاع؟

إن المسيحية لا تنكر العدالة، لكنها ترفض أن تتحول العدالة إلى انتقام.

ولا تبرر الخطية، لكنها ترفض أن يُختزل الإنسان في خطيته.

إنها تحارب الشر بكل قوة، لكنها تحب الإنسان بكل عمق.

فالغاية ليست أن يمتلئ العالم بالمحكوم عليهم.

بل أن يمتلئ بالذين استعادوا إنسانيتهم.

إن الحضارة التي تؤمن بالإنسان، لا تكتفي بمعاقبة المذنب، بل تبحث عن أسباب سقوطه، وتمنحه فرصة للنهوض.

فالفقير يحتاج إلى عمل أكثر مما يحتاج إلى السجن.

والجائع يحتاج إلى رغيف خبز أكثر مما يحتاج إلى بتر يد.

والخاطئ يحتاج إلى باب توبة أكثر مما يحتاج إلى حجر يُلقى عليه.

إن الله، منذ البدء، لم يخلق الإنسان ليعيش أسير ماضيه، بل ليحيا حرًا في مستقبل نعمته.

ولهذا فإن السؤال الذي سيظل يواجه كل مجتمع وكل قانون وكل إنسان هو:

هل نريد عدالة تُرضي رغبتنا في الانتقام؟

أم عدالة تشبه قلب الله؟

فالإنسان، قبل أن يكون متهمًا، هو إنسان.

وقبل أن يكون خاطئًا، هو صورة الله.

وقبل أن يكون ماضيًا، هو مستقبل تصنعه النعمة.

لهذا ستبقى الرسالة التي يحتاجها عالمنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بسيطة في كلماتها، عظيمة في معناها:

الإنسان أولًا…

لأن هذا هو قلب الله.



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان بين الضمير والضجيج
- إلى اللقاء يا إيزيس
- سقوط مصر في فخ السلفية: شهادة شاهد من داخل المعركة
- تدوير الهوان
- في كواليس مؤتمر الأقباط بالنمسا عندما يتحول الألم إلى قضية ع ...
- الملك المعتوه
- الدول المتخلفة
- أقذر عهود الاضطهاد
- لم أدرس الطب البيطري…
- اخلاق الشعوب المقهورة
- كيف تسقط الاوطان
- الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
- الأقباط بين خطاب الطمأنة وواقع الحقوق ؟
- ‎البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة

- البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة
- بلد العميان
- سيلفانا كمان وكمان
- ليس تراجعًا… انما هو احتلال
- المسيح بالضعف أظهر القوة
- الجمهورية الجديدة… من وعد الحرية إلى واقع الاضطهاد


المزيد.....




- من وادي السيليكون إلى عقود البنتاغون.. استثمارات أبناء ترامب ...
- فيديو منسوب لـ-لحظة إغراق إيران سفينة أمريكية في مضيق هرمز-. ...
- مصادر في الرئاسة اللبنانية لبي بي سي: -لقاء عون ونتنياهو مرف ...
- أكثر من 700 طفل قضوا في الحرب الإسرائيلية على لبنان.. ومبادر ...
- دعوات إيرانية للانتقام من ميرتس تثير مخاوف من هجمات في ألمان ...
- روسيا توجه تحذيرا وتوصية لمواطنيها المتواجدين في دول الخليج ...
- ترامب: روسيا مستعدة لعقد اتفاق بشأن تسوية النزاع في أوكرانيا ...
- ليس بشهادة الميلاد.. طبيب يوضح الطريقة الأدق لتحديد العمر ال ...
- نقص الفيريتين لا يسبب الإرهاق فقط.. طبيبة تحذر من علامات أخر ...
- لانتراتوفا: روسيا وأوكرانيا تتفاوضان حول المزيد من عمليات ال ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - مدحت قلادة - الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة