أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - تدوير الهوان














المزيد.....

تدوير الهوان


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 21:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس كل ظلم يُفرض بالقوة، فبعض الظلم يعيش ويستمر لأن ضحاياه اعتادوه، ولأن شهوده صمتوا عنه، ولأن مؤسسات كان يفترض بها أن تكون صوتًا للحق فضّلت السلامة على المواجهة. ومن هنا تنشأ أخطر الظواهر الإنسانية والسياسية: “تدوير الهوان”.

وتدوير الهوان ليس مجرد استمرار للاضطهاد، بل هو إعادة إنتاجه جيلاً بعد جيل حتى يصبح جزءًا من الوعي الجمعي. إنه اللحظة التي يتحول فيها الخوف إلى ثقافة، والصمت إلى فضيلة، والتنازل عن الحقوق إلى حكمة مزعومة، والقبول بالظلم إلى شكل من أشكال التدين الخاطئ.

لقد عرف الأقباط عبر تاريخهم الطويل معنى الاضطهاد، لكنهم عرفوا أيضًا معنى المقاومة. والتاريخ الحقيقي للأقباط ليس تاريخ الضحايا فقط، بل تاريخ شعب رفض في مراحل كثيرة أن يخضع للظلم.

ففي عصور متعددة ثار المصريون الأقباط ضد الجبايات الجائرة، وضد التمييز، وضد الإذلال المنظم الذي استهدف كرامتهم الإنسانية. ولم تكن تلك الانتفاضات مجرد احتجاجات اقتصادية، بل كانت صرخات وجودية دفاعًا عن الإنسان وعن حقه في أن يعيش مرفوع الرأس.

لقد فهم أقباط مصر، عبر قرون طويلة، أن الإيمان لا يعني الاستسلام للظالم، وأن الصلاة ليست بديلًا عن الكرامة، وأن الله لم يخلق الإنسان ليعيش عبدًا لإنسان آخر.

غير أن المأساة التاريخية لم تكن دائمًا في قوة الظالم، بل أحيانًا في ضعف المظلوم. ولم يكن الضعف دائمًا نتيجة الخوف وحده، بل نتيجة خطاب طويل أقنع الناس بأن الصمت فضيلة مطلقة، وأن احتمال الظلم واجب ديني، وأن المطالبة بالحقوق خروج على الطاعة.

وهنا تبدأ دورة تدوير الهوان.

فعندما يتوقف الإنسان عن مقاومة الظلم بحجة الحكمة، ويتوقف عن المطالبة بحقوقه بحجة الصبر، ويتوقف عن الدفاع عن كرامته بحجة الاتضاع، يتحول الدين من رسالة تحرير إلى أداة تبرير، ويتحول الإيمان من قوة روحية إلى حالة من الاستسلام النفسي.

إن المسيحية لم تكن يومًا دينًا للهوان.

فالمسيح لم يصمت أمام النفاق الديني، ولم يبارك الظلم السياسي، ولم يدعُ البشر إلى عبادة الخوف. بل وقف أمام السلطة الدينية الفاسدة، وكشف زيفها، وواجه الظلم الأخلاقي بشجاعة نادرة.

وعندما قال المسيح: “وتعرفون الحق والحق يحرركم”، وضع الحرية في قلب الرسالة المسيحية.

فالحرية ليست فكرة سياسية مستوردة، بل هي جوهر إنجيلي عميق. والإنسان المسيحي ليس مدعوًا إلى عبادة القوة، بل إلى عبادة الحق. وليس مدعوًا إلى تقديس الخوف، بل إلى الشهادة للحقيقة مهما كان الثمن.

ومن هنا يصبح السؤال المؤلم:

ماذا يحدث عندما تصمت القيادات الروحية أمام الظلم الواقع على أبنائها؟

ماذا يحدث عندما يتحول دور الراعي من الدفاع عن القطيع إلى دعوة القطيع للصمت؟

وماذا يحدث عندما يصبح الحفاظ على العلاقات مع السلطة أهم من الحفاظ على كرامة المؤمنين؟

إن الصمت في بعض اللحظات التاريخية لا يكون حيادًا، بل موقفًا. وعدم الانحياز للمظلوم قد يتحول عمليًا إلى انحياز للظالم. وعندما يتكرر هذا الصمت ويتحول إلى سياسة دائمة، فإنه يصبح جزءًا من منظومة تدوير الهوان.

لا أقصد بذلك إدانة تاريخ كامل أو رجال دين قدموا تضحيات عظيمة من أجل شعبهم، فالتاريخ القبطي مليء ببطاركة وأساقفة ورهبان دفعوا أثمانًا باهظة دفاعًا عن الإيمان والإنسان. لكن التاريخ يعرف أيضًا لحظات أخرى انتصر فيها منطق السلامة على منطق الشهادة، ومنطق الصمت على منطق النبوة.

فالكنيسة ليست مجرد مؤسسة للحفاظ على الطقوس، بل هي ضمير أخلاقي للمجتمع. وإذا فقد الضمير صوته، يصبح المجتمع أكثر عرضة للظلم.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب ليس الاضطهاد ذاته، بل اعتياد الاضطهاد. لأن الإنسان حين يعتاد الهوان يبدأ في الدفاع عنه. ويصبح كل من يطالب بالكرامة متهمًا بإثارة المشكلات. وكل من يرفع صوته مطالبًا بالعدل يصبح متهورًا في نظر من تعودوا الصمت.

وهكذا تدور العجلة.

جيل يتعرض للظلم.

وجيل يتعلم الصمت.

وجيل يرث الخوف.

ثم يأتي جيل جديد لا يعرف أن الحرية كانت يومًا حقًا طبيعيًا للإنسان.

لكن التاريخ يعلمنا أن هذه الدورة ليست قدرًا أبديًا.

لقد سقطت إمبراطوريات ظنت نفسها خالدة.

وانهارت أنظمة بنت قوتها على الخوف.

واختفت قوى امتلكت السلاح والمال والنفوذ.

وبقيت فكرة الحرية.

فالحرية أقوى من السجون.

والحق أطول عمرًا من السلطة.

والكرامة أعمق من الخوف.

إن مستقبل الأقباط، بل ومستقبل مصر كلها، لا يمكن أن يُبنى على إدارة الخوف أو إعادة تدوير الهوان. بل يُبنى على المواطنة الكاملة، وعلى المساواة أمام القانون، وعلى شجاعة قول الحقيقة، وعلى إيمان مسيحي أصيل يرى في الإنسان صورة الله، ويرفض أن تُهان صورة الله في أي إنسان.

لقد آن الأوان للخروج من دائرة الهوان الموروث.

آن الأوان لأن يُفهم الصبر باعتباره قوة لا خضوعًا، والاتضاع باعتباره فضيلة لا استسلامًا، والمحبة باعتبارها دفاعًا عن الإنسان لا تبريرًا لظلمه.

فالرب لم يخلق الإنسان ليعيش مذلولًا، ولم يمنحه الحرية لكي يتنازل عنها، ولم يضع فيه كرامته الإلهية لكي يقبل الإهانة باعتبارها قدرًا.

ولذلك ستبقى الحرية والأمان والكرامة هي الأمل المنشود.

وسيظل كل صوت يرفض الظلم، وكل قلم يفضح الهوان، وكل إنسان يتمسك بحقه في المواطنة الكاملة، شاهدًا على أن تاريخ الأقباط لم يكن يومًا تاريخ استسلام، بل تاريخ شعب يؤمن أن الله خلق الإنسان حرًا، وأنها ليست منحة من حاكم، بل عطية من الله ذاته



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في كواليس مؤتمر الأقباط بالنمسا عندما يتحول الألم إلى قضية ع ...
- الملك المعتوه
- الدول المتخلفة
- أقذر عهود الاضطهاد
- لم أدرس الطب البيطري…
- اخلاق الشعوب المقهورة
- كيف تسقط الاوطان
- الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
- الأقباط بين خطاب الطمأنة وواقع الحقوق ؟
- ‎البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة

- البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة
- بلد العميان
- سيلفانا كمان وكمان
- ليس تراجعًا… انما هو احتلال
- المسيح بالضعف أظهر القوة
- الجمهورية الجديدة… من وعد الحرية إلى واقع الاضطهاد
- اعيدوا لنا مصر
- سجدات الإرهاب
- التعصب الديني ونهاية وطن
- العدالة الغائبة في مصر: اضطهاد بلا عقاب ودولة بلا ميزان


المزيد.....




- مصر.. فيديو فتاة تتعرض للركل والضرب من شاب في الشارع والداخل ...
- بلا ذكور منذ 100 ألف عام: السمكة التي أربكت نظرية التطوّر
- مئة يوم على حرب إيران وتحوّل مسار المستشار فريدريش ميرتس
- -قُتلوا بالخطأ-.. لماذا لا يمكن للاحتلال تبرير قتل 3 عسكريين ...
- قبل أن يرتدي بدلته بساعات.. مهند يزف إلى قبره بدل عروسه
- من سيضحك أخيرا؟ حرب باردة بين فرنسا وروسيا على ثروات مدغشقر ...
- شاهد.. قذائف إسرائيلية تباغت مراسلة الجزيرة على الهواء
- التجسس الإسرائيلي في أمريكا.. تاريخ طويل من الشكوك بين الحلي ...
- عاجل | نيويورك تايمز: إسرائيل كثفت محاولات التنصت على مسؤولي ...
- إيران تضع ترامب في مأزق وهدنة لبنان تتهاوى


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - تدوير الهوان