|
|
شيخ الأزهر.. حين يتحول الحنين إلى زمن الغزو إلى خطاب ديني
مدحت قلادة
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 08:04
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هناك فرق هائل بين أن تدرس التاريخ، وبين أن تنظر إليه بعين الإعجاب.
وهناك فرق أخطر بين أن تشرح للناس كيف كانت الحروب في الماضي، وبين أن تتحدث عن ذلك الماضي بلغة تجعل القوة القديمة تبدو وكأنها نموذج يستحق الحنين.
لهذا توقفت أمام كلمة شيخ الأزهر أحمد الطيب في احتفال المولد النبوي في 26 أغسطس 2026.
لم أتوقف عندها باعتبارها كلمة دينية عابرة.
توقفت لأن المتحدث ليس أستاذًا في جامعة، ولا واعظًا في مسجد، ولا كاتبًا يعبر عن رأيه الشخصي.
إنه شيخ الأزهر.
والأزهر ليس مؤسسة صغيرة.
إنه مؤسسة دينية وتعليمية ذات تأثير هائل في مصر والعالم الإسلامي.
ومن هنا تصبح الكلمة مسؤولية.
وتصبح الإشارة موقفًا.
ويصبح استدعاء الماضي قضية تتجاوز المتحدث نفسه.
المشكلة ليست في أن يذكر شيخ الأزهر التاريخ
أنا لا أعترض على دراسة التاريخ.
ولا أطالب بحذف كتب التراث.
ولا أخاف من قراءة تاريخ الإسلام، بما فيه من انتصارات وهزائم وحروب وصراعات.
بل على العكس:
المجتمع الناضج لا يخاف من تاريخه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التاريخ من مادة للدراسة إلى مصدر للشرعية الأخلاقية.
عندما يتحول الماضي من «ما حدث» إلى «ما ينبغي أن يحدث».
وهنا تحديدًا يصبح السؤال مشروعًا:
لماذا ما زال خطاب المؤسسة الدينية الكبرى في مصر يستدعي نموذج الفتح والغزو والحرب والسبي والاغتصاب عند الحديث عن قوة الإسلام؟
لماذا لا يكون معيار القوة في القرن الحادي والعشرين هو العلم؟
لماذا لا يكون هو الاقتصاد؟
لماذا لا تكون قوة الدولة في احترام مواطنيها؟
لماذا لا تكون قوة الدين في قدرته على صناعة الإنسان الرحيم، لا الإنسان المنتصر على المختلف؟
هذه ليست أسئلة ضد الإسلام.
هذه أسئلة ضد اختزال القوة في غزو وسرقه ونهب وسبي واغتصاب !!.
شيخ الأزهر يتحدث عن الحرب… وأنا أتحدث عن الضحية
في كلمته الأخيرة، تحدث شيخ الأزهر عن أخلاق الحرب، وعن أن الحرب في التصور الذي عرضه ليست غاية، بل ضرورة مرتبطة بدفع العدوان، وتحدث كذلك عن التخيير بين الإسلام أو السلام أو القتال. (مصراوي.كوم)
وقد يقول البعض:
ما المشكلة؟
إنه يتحدث عن أخلاق الحرب وليس عن الإرهاب.
صحيح.
لكنني أرى المشكلة في مكان آخر.
لماذا ما زلنا نحتاج إلى بناء خطاب ديني يشرح كيف تكون الحرب «أخلاقية»؟
لماذا لا تكون نقطة الانطلاق:
كيف نمنع الحرب؟
لماذا لا يكون السؤال:
كيف نبني مجتمعًا لا يحتاج فيه المسلم إلى قتال غير المسلم كي يثبت قوة دينه؟
كيف نبني وطنًا لا يحتاج فيه المواطن إلى الانتصار على المختلف حتى يشعر بالانتصار؟
هذه هي النقلة الفكرية التي أنتظرها من الأزهر.
لا أن يشرح لي كيف تكون الحرب أفضل.
بل أن يساعدني على الوصول إلى عالم لا تكون فيه الحرب أصلًا.
أنا سمعت هذا الخطاب من قبل
وهنا أتكلم بصفتي شاهدًا، لا متفرجًا.
لقد وقفت في منتدى الأقليات في الأمم المتحدة بجنيف، وتحدثت أمام ممثلي دول من أنحاء العالم عن قضية التطرف، وعن علاقة الفكر الديني المتشدد بمؤسسات التعليم الأزهري الديني.
وكانت كلمتي عن علاقة الأزهر بالارهاب وكيف ان معظم قيادات الجماعات الارهابية هم خريجي جامعة الأزهر و بالتدقيق خريجي تعاليم الأزهر .
ولم يكن كلامي اتهامًا عشوائيًا.
بل طرحت أمثلة محددة.
وعندما اعترض ممثل مصر على حديثي في إحدى مشاركاتي بالأمم المتحدة، وطالبني بعدم إلقاء الاتهامات جزافًا، تمسكت بأن النقاش يجب أن يكون حول الوقائع لا حول حماية صورة المؤسسة. وتوثق رواية منشورة عن تلك الواقعة أنني ذكرت أسماء مثل عمر عبد الرحمن وأشرت إلى قيادات مرتبطة بجماعات متطرفة، وطالبت ممثل مصر بأن ينفي الوقائع إن كان يستطيع. (Ahram Canada)
وأنا اليوم لا أقول إن كل خريج من الأزهر متطرف.
هذا كلام سخيف وظالم.
انما اؤكد إن الأزهر هو الذي يصنع كل إرهابي.
تاكيد لذلك إذا كانت مؤسسة دينية كبرى مسؤولة عن تخريج أجيال من العلماء والدعاة ، وتجد ان معظم القيادات الأرهابية خريجي هذه المؤسسة ، ثم استطاعت التيارات المتطرفة أن تجد داخل المجال الديني أشخاصًا ذوي تكوين أزهري، فهذه المؤسسة مطالبة بأن تسأل نفسها بصدق: أين الخلل؟
ليس المطلوب أن ندين ملايين الطلاب.
المطلوب أن نفحص المنهج.
أن نفحص الخطاب.
أن نفحص طريقة قراءة التراث.
أن نفحص علاقة الطالب بالآخر.
وأن نسأل:
هل نخرج إنسانًا حرًا، أم نخرج حافظًا لمقولات لا يستطيع مساءلتها؟
لا تقولوا لي: هؤلاء إرهابيون وليسوا أزهريين
هذه الإجابة لم تعد كافية.
لأنها تهرب من السؤال بدلًا من مواجهته.
الإرهابي لا يولد إرهابيًا.
والتطرف لا ينزل على الإنسان من السماء فجأة.
هناك بيئة فكرية.
وهناك أفكار.
وهناك تأويلات.
وهناك تصور للآخر.
وهناك علاقة بين المقدس والسلطة.
وهناك مفهوم للحاكم والمحكوم.
وهناك تصور عن المسلم وغير المسلم.
وهناك تصور عن الحرب والسلام.
وهناك تصور عن المرأة.
وهناك تصور عن الحرية.
وكل ذلك يصنع في النهاية عقلًا يمكن أن يكون حصينًا ضد التطرف، أو قابلًا لأن يجد التطرف فيه أرضًا خصبة.
لهذا لا يكفي أن نقول:
الإرهابي أساء فهم الدين.
السؤال الأهم:
من علّمه كيف يفكر؟
ومنحه أدوات التفكير؟
وأين تعلم؟
وماذا قرأ؟
ومن الذي قال له إن بعض نصوص الماضي يجب أن تبقى فوق النقد؟
أخطر سؤال: لماذا الحنين إلى القوة؟
أنا هنا أصل إلى النقطة التي أراها أخطر من الحديث عن الحرب نفسه.
الحنين إلى زمن القوة.
حين يصبح تاريخ الفتوحات والغزوات حيث السبي والسرقة والاغتصاب مصدرًا للفخر الديني، فإن الرسالة غير المباشرة التي تصل إلى الشاب قد تكون:
كان المسلم قويًا عندما كان يفتح البلاد.
كان قويًا عندما كان ينتصر عسكريًا.
كان قويًا عندما يخضع الآخر.
أما اليوم، وقد أصبح العالم قائمًا على الدولة والمواطنة والقانون وحقوق الإنسان، فيبدو المسلم ــ وفق هذا المنطق ــ وكأنه فقد شيئًا من قوته.
وهنا تبدأ الكارثة.
لأن الشاب الذي يشعر بأن عصره «عصر هزيمة»، وأن العصر الذهبي هو عصر الغزو، قد يبحث يومًا عن طريقة لاستعادة ذلك المجد. حيث تقدس القوة وأعمالها في نظره " الغزو والسبي والاغتصاب والسرقة !!)
وهذا بالضبط ما يجب أن تحاربه المؤسسة الدينية، لا أن تعيد إنتاج مفرداته.
الشاب المصري لا يحتاج إلى استعادة جيوش الغزو .
يحتاج إلى استعادة الجامعة.
والمعمل.
والمصنع.
والكتاب.
والعلم.
والحرية.
والقانون.
والكرامة.
الصين ليست شهادة على قوة الدين
إذا كان الوصول العسكري إلى الصين يُستدعى بوصفه دليلًا على عظمة المسلمين وقوتهم في الماضي، فأنا أسأل:
وماذا عن الصين اليوم؟
الصين لم تعد مقياسًا لمسافة وصل إليها جيش.
أصبحت مقياسًا للعلم والتكنولوجيا والاقتصاد والإنتاج والتعليم.
هذه هي القوة التي تصنع القرن الحادي والعشرين.
العالم لم يعد يقيس الدول بعدد الأراضي التي احتلتها.
بل بعدد العلماء الذين أنتجتهم.
بعدد براءات الاختراع.
بقوة الاقتصاد.
بمستوى التعليم.
بحجم المعرفة.
بقدرة الإنسان على أن يعيش حرًا وآمنًا.
فلماذا نصر على استدعاء مقياس القوة من القرن القديم إلى عالم مختلف تمامًا؟
هل نريد أن نعيد إنتاج القرن السابع أم أن نصنع القرن الحادي والعشرين؟
لذلك يخاف العالم من الإسلام بل تعتبره الصين مرض عقلي
وهنا أريد أن أكون واضحًا جدًا.
أنا قبطي مصري.
وأعرف معنى أن تعيش أقلية دينية داخل مجتمع أغلبيته مختلفة عنك.
وأعرف معنى أن تتحول الهوية الدينية من علاقة شخصية بين الإنسان وربه إلى معيار لتحديد من هو المواطن الكامل ومن هو المواطن الناقص.
ولهذا أنا أخاف من الإسلام عندما يتحول إلى أيديولوجيا سياسية فوق المواطنة.
أخاف من الدين عندما يتحول إلى أداة لتصنيف البشر.
أخاف من النص عندما يتحول إلى سلاح ضد الإنسان.
أخاف من التراث عندما يمنع العقل من مساءلته.
وأخاف من المؤسسة عندما ترفض أن تعترف بأن بعض أفكار الماضي لم تعد صالحة لعالم اليوم.
الأقليات لا تريد أن تكون ضيوفًا في أوطانها
هذه النقطة تحدثت عنها في الأمم المتحدة.
اتذكر كلمتي في مؤتمر الاقليات بجنيف كانت كلمتي امام المنتدى العالمي في جنيف لأطلب من العالم
ذهبت لأقول إن حقوق الأقليات ليست منحة من الأغلبية.
المسيحي ليس مواطنًا لأن الأغلبية سمحت له بذلك.
والشيعي ليس مواطنًا لأن الأغلبية قبلت به.
واليهودي ليس مواطنًا لأن الأغلبية تسامحت معه.
وغير المؤمن لا يفقد إنسانيته لأنه لا يؤمن بما يؤمن به الآخرون.
المواطنة حق.
والكرامة حق.
والحرية حق.
والحياة حق.
والقانون يجب أن يحمي الإنسان قبل أن يسأل عن عقيدته.
وهذا هو المكان الذي أريد أن يصل إليه الأزهر والذي يتعلمه شيخ الأزهر الذي مازال يعيش على مبداء الغزو والسبي !!!
الأزهر أمام امتحان تاريخي
الأزهر اليوم أمام امتحان لا يتعلق بشخص أحمد الطيب.
الامتحان أكبر من الرجل.
إنه امتحان المؤسسة نفسها.
هل تستطيع أن تقول:
نعم، هذا تراثنا، لكن ليس كل ما في التراث صالحًا ليكون قانونًا أخلاقيًا لعصرنا؟
هل تستطيع أن تقول:
نعم، كانت هناك حروب وفتوحات وسبي وعبودية في التاريخ، لكننا لا نعتبرها نموذجًا أخلاقيًا يجب استعادته؟
هل تستطيع أن تقول:
الإنسان المعاصر لا يُقاس بدينه.
ولا بجنسه.
ولا بطائفته.
ولا بأصله.
بل بإنسانيته ومواطنته وحقوقه؟
إذا استطاع الأزهر أن يقول ذلك بوضوح، فسوف يكون قد دخل عصرًا جديدًا.
أما إذا ظل يشرح لنا لماذا كانت حروب الماضي عادلة، وكيف كان القتال منظمًا، ومن الذي كان يجوز قتاله، ومتى يبدأ القتال، فإن السؤال سيظل قائمًا:
لماذا لا يكون خطابنا الديني مركزًا على إنهاء ثقافة الحرب بدلًا من تحسين صورتها؟
لا أريد شيخ الأزهر يدافع عن الماضي واعماله المشينة ضد الإنسانية
أريد أزهرًا يحاكم الماضي بالعقل.
هذه نقطة جوهرية.
أنا لا أطلب من الأزهر أن يخجل من تاريخه.
أطلب منه أن يمتلك الشجاعة الكافية ليقول إن التاريخ ليس وحيًا.
وأن كتب الفقه ليست قرآنًا.
وأن اجتهادات البشر ليست أوامر إلهية.
وأن ما كان مناسبًا لبنية مجتمع قبل ألف عام ليس بالضرورة مناسبًا لدولة حديثة تقوم على المواطنة والقانون.
هذا ليس هدمًا للدين.
هذا هو احترام العقل.
المرأة ليست غنيمة
ولا يمكن أن نتحدث عن الحروب القديمة ونصمت عن المرأة.
لأن المرأة دفعت الثمن الأكبر في كثير من الحروب القديمة.
السبي ليس مصطلحًا تاريخيًا محايدًا بالنسبة لمن كانت حياتها وجسدها وإرادتها محل سيطرة المنتصر.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه الأزهر اليوم ليس:
كيف كانت أحكام السبي؟
بل:
هل يمكن لعقل ديني معاصر أن يقبل أصلًا أن يتحول الإنسان إلى ملكية للإنسان؟
إجابتي واضحة:
لا.
انتهى.
ليس لأن الغرب قال ذلك.
وليس لأن الأمم المتحدة قالت ذلك.
بل لأن كرامة الإنسان أصبحت قاعدة أخلاقية لا يجوز التراجع عنها.
لا أريد من شيخ الأزهر أن يكون حارسًا للتراث
أريده أن يكون حارسًا للإنسان.
وهذا فرق هائل.
حارس التراث يخشى أن يقترب أحد من النص.
أما حارس الإنسان فيسأل:
ماذا يفعل هذا النص عندما يدخل حياة إنسان حقيقي؟
هل يحمي حريته؟
هل يحمي كرامته؟
هل يحمي المرأة؟
هل يحمي الطفل؟
هل يحمي المختلف؟
هل يسمح له بأن يعيش دون خوف؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح في القرن الحادي والعشرين.
مصر لا تحتاج إلى استعادة أمجاد الغزو
مصر تحتاج إلى صناعة أمجاد جديدة.
نريد أن نصل إلى الصين بالعلم، لا بالجيوش.
نريد أن نصل إلى أوروبا بالاختراع، لا بالغزو.
نريد أن يصل صوت مصر إلى العالم بالموسيقى والطب والهندسة والفلسفة والأدب، لا بصوت السيف.
نريد أن لا يكون خريج الأزهر مجرد ناقل لمقولات الماضي التي ضد الإنسان والإنسانية .
نريد أن يكون الإمام قادرًا على مواجهة التطرف الفكري قبل أن يتحول إلى إرهاب.
نريد أن يتعلم الطالب أن السؤال ليس جريمة.
وأن الاختلاف ليس كفرًا.
وأن النقد ليس خيانة.
وأن المسيحي ليس عدوًا.
وأن المرأة ليست ملكية.
وأن الوطن ليس غنيمة.
وهنا أقولها لشيخ الأزهر بصراحة
يا شيخ الأزهر،
لا أريد منك أن تعتذر عن الإسلام.
ولا أريد منك أن تعتذر عن تاريخ من الظلم والدماء وانعدام الإنسانية .
ولا أريد منك أن تمحو التاريخ.
ولا أريد منك أن تهدم التراث.
أريد منك شيئًا أصعب بكثير.
أريد منك أن تتحرر من الحاجة إلى إثبات عظمة الماضي بعظمة الغزو.
أريد منك أن تقول للشباب:
لسنا أقوياء لأن أجدادنا غزوا بلادًا.
نحن أقوياء عندما يكون الإنسان في بلادنا حرًا.
نحن أقوياء عندما لا يخاف المسيحي من المسلم.
ولا يخاف المسلم من المختلف معه.
ولا تخاف المرأة من الرجل.
ولا يخاف الطالب من السؤال.
ولا يخاف الكاتب من النقد.
ولا يخاف المواطن من الدولة.
هذه هي القوة.
الكلمة التي كنت أنتظرها
كنت أتمنى أن أسمع من شيخ الأزهر في ذكرى المولد النبوي كلمة مختلفة.
كنت أتمنى أن يقول:
لقد تغير العالم.
وانتهى عصر الغزو.
وانتهى عصر السبي.
وانتهى عصر العبودية.
وانتهى عصر الدولة التي تقيس عظمتها بما تحتله من أراضٍ.
وأصبح أعظم فتح هو فتح العقل.
وأعظم جهاد هو جهاد الإنسان ضد جهله وكراهيته.
وأعظم انتصار هو أن يعيش المختلفون معًا دون أن يخاف أحدهم من الآخر.
كنت أريد أن أسمع:
لن نستعيد الماضي، لأن مهمتنا أن نصنع المستقبل.
لكنني بدلًا من ذلك وجدت نفسي أمام خطاب لا يزال يعيد تقديم تاريخ الحرب والفتوحات بوصفه مادة مركزية لفهم القوة الدينية.
وهنا كان لا بد أن أقول:
كفى.
ليست معركتي مع أحمد الطيب
معركتي ليست شخصية.
قد يذهب أحمد الطيب غدًا، ويأتي شيخ أزهر آخر.
لكن السؤال سيبقى:
ماذا يريد الأزهر أن يكون؟
متحفًا للتراث؟
أم جامعة للعقل؟
حارسًا للماضي؟
أم شريكًا في صناعة المستقبل؟
مؤسسة تشرح للناس كيف كانت الحروب؟
أم مؤسسة تقودهم إلى تجاوز ثقافة الحرب؟
هذه هي المعركة.
وأنا لا أساوم على حقوق الأقليات
لقد قلت هذا في الأمم المتحدة.
وأقوله اليوم وكل يوم
لا أقبل أن تكون حقوق الأقليات موضوعًا للمجاملة.
ولا أقبل أن تكون المواطنة خطابًا جميلًا بينما تظل بعض الأفكار القديمة حاضرة في العقل الديني والاجتماعي.
لا أقبل أن يطلب مني أحد أن أكون «أقلية متسامحًا معها».
أنا مواطن.
والمسيحي مواطن.
والمسلم مواطن.
والشيعي مواطن.
واليهودي مواطن.
واللاديني مواطن.
والدولة التي تحترم الإنسان لا تحتاج إلى أن تسأل أولًا: ماذا تعتقد؟
بل تسأل:
هل أنت إنسان؟
والإجابة تكفي.
رغم كل ما سبق، أنا لا أطالب بهدم الأزهر.
بل أطالب بإصلاح فكره.
لأن مؤسسة بهذا الحجم تمول ب 52 مليار من الجنيهات في دولة فقيرة تصبح أخطر مؤسسة في إعادة إنتاج وتدوير التطرف إذا أغلقت باب النقد.
ويمكن أن تكون أقوى مؤسسة في محاربته إذا امتلكت شجاعة النقد.
الأزهر يستطيع أن يقول إن التراث تاريخ.
ويستطيع أن يقول إن الاجتهاد البشري ليس مقدسًا.
ويستطيع أن يقول إن المواطنة فوق الانتماء الديني في الدولة المدنية.
ويستطيع أن يقول إن الحرية ليست خطرًا على الدين.
ويستطيع أن يقول إن المرأة ليست نصف إنسان.
ويستطيع أن يقول إن المختلف ليس مشروع عدو.
ويستطيع أن يقول إن زمن الغزو انتهى.
هذه الكلمات لو قيلت بصدق، ستكون أقوى من ألف مؤتمر عن مكافحة الإرهاب.
أما أنا…
فلا أريد إسلامًا ضعيفًا.
ولا أريد مسيحية خائفة.
ولا أريد يهودية مطاردة.
ولا أريد دينًا بلا أتباع.
أريد شيئًا أبسط:
أريد إنسانًا حرًا.
إنسانًا يستطيع أن يؤمن دون أن يفرض إيمانه على غيره.
ويستطيع أن يختلف دون أن يكره.
ويستطيع أن ينتقد دون أن يُقتل.
ويستطيع أن يعبد دون أن يُضطهد.
ويستطيع ألا يعبد دون أن يفقد حقه في الحياة.
هذا هو العالم الذي أريد أن أعيش فيه.
شيخ الأزهر أمام المرآة
يا شيخ الأزهر،
التاريخ لن يسألك يومًا:
كم حربًا شرحت أخلاقها؟
ولا:
كم مرة تحدثت عن انتصارات الماضي؟
ولا:
كم بلدًا وصل إليه الفاتحون؟
ولا كم سببة اغتصبناها ، وكم مدينة دمرناها ، ولا كم غزوة قمنا بها !!!!
التاريخ سيسألك سؤالًا واحدًا:
ماذا فعلت عندما كان بإمكانك أن تغير عقل أمة؟
هل تركت لها الماضي؟
أم أعطيتها المستقبل؟
هل علمت أبناءها كيف ينتصرون على الآخر؟
أم علمتهم كيف ينتصرون على أنفسهم؟
هل جعلت الدين جسرًا؟
أم تركته يتحول إلى جدار؟
هل جعلت الإنسان غاية؟
أم جعلت الهوية غاية؟
هنا سيكون الحساب الحقيقي.
وأخيرًا
أنا مدحت قلادة.
قبطي مصري.
وتحدثت عن حقوق الأقليات في الأمم المتحدة، لأنني أعرف أن أخطر ما يمكن أن يحدث للأقليات ليس أن يحمل شخص سلاحًا فقط.
الأخطر أن تتحول الفكرة التي تبرر السلاح إلى شيء محترم ومحصن من النقد.
الإرهاب يبدأ حين يصبح الإنسان مستعدًا لقتل أخيه لأنه أقنع نفسه أن الآخر أقل منه.
ولهذا فإن معركة الإرهاب تبدأ قبل البندقية.
تبدأ في المدرسة.
وفي الكتاب.
وفي المنبر.
وفي الخطاب.
وفي طريقة قراءة التاريخ.
وفي الطريقة التي نعلّم بها أبناءنا أن يروا المختلف.
ومن هنا فإن مسؤولية الأزهر ليست أن يقول لنا إن الحرب كانت لها أخلاق.
مسؤوليته أن يساعدنا على أن نخرج من عقل الحرب نفسه.
لا أريد من شيخ الأزهر أن يحزن على زمن كان المسلمون فيه أقوياء لأن جيوشهم وصلت إلى هذا البلد أو ذاك.
أريد منه أن يحزن على زمن ما زال فيه إنسان مسلم يقتل إنسانًا مسلمًا.
وأن يحزن على مسيحي يخاف من هويته.
وعلى امرأة تُختزل في جسدها.
وعلى طفل يولد وفي رأسه كراهية للآخر.
وعلى شاب يتعلم أن مجد أجداده كان في السيف، بدل أن يتعلم أن مجده يمكن أن يكون في العلم.
الصين التي وصلتها الجيوش قديمًا ليست هي الصين التي يجب أن نصل إليها اليوم.
نصل إليها بالعقل.
بالعلم.
بالاختراع.
بالجامعة.
بالمستشفى.
بالاقتصاد.
بكرامة الإنسان.
هذه هي الفتوحات التي أريدها.
فتح العقول، لا فتح البلاد.
انتصار الإنسان، لا انتصار الإنسان على الإنسان.
ولهذا أقولها بلا مواربة:
ليس المطلوب أن نهدم الأزهر.
المطلوب أن نهدم داخله كل فكرة تجعل الماضي سيدًا على المستقبل.
ليس المطلوب أن نحارب الدين.
المطلوب أن نحارب استخدام الدين لتبرير الكراهية.
وليس المطلوب أن نمحو التاريخ.
المطلوب أن نضع التاريخ في مكانه: وراءنا، لا أمامنا.
فإذا ظل الماضي أثقل من المستقبل، فلن نصنع وطنًا جديدًا.
وإذا ظل الغزو هو صورة القوة، فلن نبني سلامًا.
وإذا ظل المختلف هو الآخر، فلن تتحقق المواطنة.
أما إذا أصبح الإنسان هو القيمة الأولى…
فقط عندها يمكن أن نقول إننا خرجنا فعلًا من زمن السيف إلى زمن الحضارة.
#مدحت_قلادة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عائد من الغربة
-
معايير الأخلاق في الشرق التعيس
-
حين يصبح الإيمان معركة والإنسان غنيمة
-
سويسرا… وطن الامتنان والإنسان
-
لذكاء الاجتماعي… عندما تصبح الإنسانية أسلوب حياة
-
العظمة حين تجسدت
-
المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا
-
الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة
-
الإنسان بين الضمير والضجيج
-
إلى اللقاء يا إيزيس
-
سقوط مصر في فخ السلفية: شهادة شاهد من داخل المعركة
-
تدوير الهوان
-
في كواليس مؤتمر الأقباط بالنمسا عندما يتحول الألم إلى قضية ع
...
-
الملك المعتوه
-
الدول المتخلفة
-
أقذر عهود الاضطهاد
-
لم أدرس الطب البيطري…
-
اخلاق الشعوب المقهورة
-
كيف تسقط الاوطان
-
الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
المزيد.....
-
مصر.. هكذا رد علاء مبارك على سؤال عن عدد الجامعات الحكومية ب
...
-
-إنت الشوفير؟-.. اعتذار مؤثر أردني لطيار سوري (فيديو)
-
رهينة بريطانية-إسرائيلية سابقة لدى حركة حماس تتزوج في تل أبي
...
-
عواصف رعدية وسيول تجتاح مناطق لبنان وسوريا (فيديوهات)
-
عراقجي يكشف عن معلومات استخباراتية تتعلق بالتلاعب بأسواق الط
...
-
أوسلو.. آلاف النرويجيين يشيعون الملك هارالد الخامس (فيديو)
-
الولايات المتحدة.. تحذير من أزمة في ورق المرحاض بعد تهديد كن
...
-
الإعلام العبري: ماذا كشف التدريب الجوي الصيني المصري عن مواز
...
-
النيجر: تمرد في قاعدة عسكرية... ما الدلالات والتبعات؟
-
-استيقظت لأجد خفاشا يحاول دخول فمي-.. لحظات رعب عاشتها طبيبة
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|