أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - معايير الأخلاق في الشرق التعيس















المزيد.....

معايير الأخلاق في الشرق التعيس


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 10:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الفراشة والصرصور: حين يصبح الانتماء معيارًا للخير والشر

«إذا قتلتَ صرصورًا فأنت بطل، وإذا قتلتَ فراشة فأنت شرير.»

قد لا تكون هذه العبارة لنيتشه، لكنها تختصر مفارقة أخلاقية عميقة: نحن لا نحكم دائمًا على الفعل بما هو عليه، بل على من فعله ومن وقع عليه.

الفراشة جميلة، فنحن نستنكر قتلها.
والصرصور قبيح، فنحن لا نرى في سحقه مأساة.

لكن ماذا يحدث عندما ننقل هذه الآلية من عالم الحشرات إلى عالم الإنسان؟

هنا يبدأ السؤال الذي لا يرحم:

هل نملك أخلاقًا، أم نملك ذوقًا أخلاقيًا يتغير بتغير هوية الفاعل والضحية؟


المطرقة التي تطرق على الأخلاق

لم يكن نيتشه يسأل فقط: ما الخير وما الشر؟

كان يسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا:

من أين جاءت فكرة الخير والشر أصلًا؟ ومن الذي منح نفسه سلطة تسمية هذا خيرًا وذاك شرًا؟

في جينالوجيا الأخلاق يحاول نيتشه أن يكشف التاريخ النفسي والصراعي للقيم، وأن يبين أن الأحكام الأخلاقية لم تولد دائمًا في عالم نقي من المصالح والقوة والضغينة والصراع.

ومن هنا تأتي أهمية «المطرقة» في فلسفته:
ليست المطرقة لهدم كل قيمة، بل لطرق الأصنام التي تبدو صلبة، حتى نعرف هل هي ذهب أم فراغ.

وأحد أكبر أصنامنا هو الاعتقاد بأننا نحكم على الأفعال بمعيار واحد.

والحقيقة قد تكون أكثر قسوة:

نحن كثيرًا ما نغيّر المعيار، ثم نحتفظ بالاسم نفسه: الأخلاق.


البارادوكس الشرقي

إذا احتل الآخر أرضًا قلنا: احتلال.

وإذا احتللنا نحن أرضًا بحثنا عن كلمة أخرى: فتح، تحرير، استعادة، رسالة، ضرورة تاريخية.

إذا اضطهد الآخر جماعتنا قلنا: اضطهاد وتطهير عرقي.

وإذا تعرضت جماعة أخرى للاضطهاد على أيدينا قلنا: فتنة، ظروف، أمن، وحدة وطنية.

إذا قتل خصمنا مدنيًا قلنا: إرهاب.

وإذا قتل حليفنا المدنيين بحثنا عن سياق يخفف الجريمة، وعن كلمة تمنحها شرعية.

هنا لا يعود الاختلاف في تفسير التاريخ.

بل يصبح الاختلاف في تعريف الجريمة نفسها.

وهذا هو البارادوكس:

الفعل واحد، لكن الحكم الأخلاقي يتغير بتغير هوية الفاعل.

القتل هو القتل.

لكننا نبحث عن أسماء مختلفة له.

والظلم هو الظلم.

لكننا نبحث عن قاموس يبرئنا منه.

عند هذه النقطة تصبح اللغة أخطر من السلاح؛ لأن السلاح يقتل الجسد، أما اللغة فتستطيع أن تقتل المعنى الأخلاقي للجريمة.


الأقباط في مصر: حين تتحول المواطنة إلى امتحان أخلاقي

قضية الأقباط في مصر لا ينبغي اختزالها في خصومة بين المسلمين والمسيحيين، ولا في اتهام جماعي للمسلمين.

إنها أعمق من ذلك.

إنها سؤال عن معنى الدولة؟

فالتقارير الحقوقية لا تزال توثق أشكالًا من التمييز الديني والعنف الطائفي ومشكلات مرتبطة ببناء وترميم دور العبادة وممارسة الحقوق الدينية.

لكن السؤال الأهم ليس كم كنيسة بُنيت، ولا كم قانونًا صدر.

السؤال:

هل يحتاج القبطي إلى إذن الأكثرية كي يكون مواطنًا كاملًا؟

إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام تسامح، لا أمام مواطنة.

التسامح يعني أن القوي يسمح للضعيف بالوجود.

أما المواطنة فتعني أن الحق سابق على رضا الأكثرية.

وهذه هي النقلة الحضارية الكبرى:

لا أريد أن أكون مقبولًا لأنك تتسامح معي؛ أريد أن أكون مساويًا لك لأنني إنسان ومواطن.

الضحية التي لا تشبهنا

الاختبار الحقيقي للأخلاق لا يحدث عندما يكون المظلوم «منّا».

عندها يكون التعاطف سهلًا.

الاختبار يبدأ عندما يكون المظلوم منهم.

هل أرفض تعذيب شخص لأنني أكره أفكاره؟

هل أرفض قتل المدنيين عندما يكون القاتل من معسكري؟

هل أدافع عن حرية شخص يسيء إلى معتقدي؟

هل أرفض إكراه إنسان على دينه حتى لو كان الدين الذي سيُجبر عليه هو ديني؟

هل أحمي الأقلية عندما تكون أقلية لا أحبها؟

هنا فقط ينكشف الضمير.

فإذا تغير جوابنا بتغير هوية الضحية، فنحن لا نملك مبدأ أخلاقيًا.

نحن نملك ولاءً قبليًا متأنقًا في لغة الفضيلة.

أخطر ما في ازدواجية المعايير

ازدواجية المعايير ليست مجرد نفاق.

النفاق يعرف الحقيقة ثم يخفيها.

أما ازدواجية المعايير فتستطيع أن تفعل شيئًا أخطر:

أن تعيد تشكيل الحقيقة نفسها.

نحن لا نقول فقط:

«ما فعلناه خطأ.»

بل نخترع تعريفًا يجعل ما فعلناه ليس خطأ أصلًا.

الاحتلال يصبح فتحًا.

القمع يصبح أمنًا.

التمييز يصبح حماية للهوية.

الانتقام يصبح عدالة.

الإكراه يصبح هداية.

وهكذا لا نحتاج إلى تبرئة الجريمة.

نحن نغيّر اسمها.

وحين تتغير أسماء الجرائم، يصبح الضمير نفسه شريكًا في الجريمة.

المرآة قبل المطرقة

هنا لا تكفي مطرقة نيتشه.

نحتاج إلى مرآة.

فالمطرقة تسأل:

هل قيمك صلبة حقًا؟

أما المرآة فتسأل:

هل تطبقها على نفسك؟

قل لخصمك:

«القتل جريمة.»

ثم انظر إلى المرآة.

هل ستقولها عندما يكون القاتل من جماعتك؟

قل:

«الاضطهاد جريمة.»

ثم انظر إلى المرآة.

هل ستقولها عندما تكون الضحية مختلفة عنك؟

قل:

«الحرية حق.»

ثم اسأل نفسك:

هل تقبلها عندما يستخدمها من يكره دينك؟

إذا تغيرت إجابتك، فقد سقط القناع.

الأخلاق تبدأ عندما تصبح أنت المتهم

أجمل المبادئ لا تكلفنا شيئًا عندما نحاكم بها الآخرين.

لكن الأخلاق تبدأ في اللحظة التي نقبل فيها أن نقف نحن أيضًا أمام المحكمة نفسها.

المبدأ الأخلاقي الحقيقي هو الذي يستطيع أن يدين صديقك كما يدين عدوك، وأن يدين جماعتك كما يدين خصمك، وأن يحمي المختلف كما يحمي المشابه.

لذلك فإن السؤال الأخلاقي ليس:

من معنا؟

بل:

ما الذي حدث؟

وليس:

من فعل؟

بل:

هل كان الفعل عادلًا؟

وليس:

من الضحية؟

بل:

هل ظُلم إنسان؟

هذه الأسئلة البسيطة تهدم جبالًا من التبريرات.

شهادة للتاريخ

يا من سيقرأون هذه الكلمات بعدنا:

لا تبحثوا في تاريخنا فقط عن المجرمين والضحايا.

ابحثوا عن اللغة التي استخدمناها عندما أردنا تبرير أفعالنا.

ستكتشفون أن الإنسان لم يكن دائمًا يقتل باسم الشر.

كثيرًا ما قتل باسم الخير.

ولم يكن يضطهد باسم الكراهية دائمًا.

كثيرًا ما اضطهد باسم الأمن والهوية والمقدس والوطن.

وهذه هي المفارقة الكبرى:

أخطر الظلم ليس الذي يعرف نفسه ظلمًا، بل الذي يعتقد أنه فضيلة.

لذلك لا أكتب هذه الكلمات لأدين جماعة وأبرئ أخرى.

ذلك سيكون تكرارًا للجريمة نفسها.

أكتبها لأدين المعيار المزدوج أينما كان.

في الأغلبية أو الأقلية.

في الدولة أو المجتمع.

في الدين أو السياسة.

في الشرق أو الغرب.

فالظلم لا يصبح عدلًا لأن مرتكبه منّا، والقتل لا يصبح أقل قتلًا لأن الضحية من «هم».

الخاتمة: الفراشة والصرصور

ربما كانت مشكلتنا أننا لم نتعلم بعد أن الإنسان ليس فراشة ولا صرصورًا.

لا ينبغي أن تكون قيمة الإنسان مرتبطة بجماله في أعيننا، ولا بقربه من جماعتنا، ولا بدينه، ولا بلغته، ولا بدمه، ولا بموقفه السياسي.

الإنسان يستحق العدالة لأنه إنسان.

وهذه الجملة البسيطة تهدم كثيرًا من تاريخنا.

لأنها تمنعني من أن أقول:

دمنا أغلى من دمهم.

حريتنا أهم من حريتهم.

موتانا شهداء، وموتاهم أرقام.

عنفنا دفاع، وعنفهم إرهاب.

اضطهادنا ضرورة، واضطهادهم جريمة.

عندها فقط نفهم لماذا نحتاج إلى نيتشه.

ليس كي نهدم الأخلاق، بل كي نهدم الأكاذيب التي تختبئ داخل الأخلاق.

ولماذا نحتاج إلى المطرقة؟

لأن بعض الأصنام لا تسقط بالنقاش.

ولماذا نحتاج إلى المرآة؟

لأن أخطر خصم للأخلاق ليس الآخر.

إنه قدرتنا على استثناء أنفسنا منها.

وهنا، في هذه النقطة تحديدًا، ينكشف الشرق التعيس:

ليس لأنه لا يعرف الخير من الشر،

بل لأنه كثيرًا ما يعرف الشر عندما يفعله الآخر،

ثم يبحث عن اسم جميل له عندما نفعله نحن.

وهذه ليست أخلاقًا.

إنها فقط:

أخلاق الفراشة والصرصور.



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الإيمان معركة والإنسان غنيمة
- سويسرا… وطن الامتنان والإنسان
- لذكاء الاجتماعي… عندما تصبح الإنسانية أسلوب حياة
- العظمة حين تجسدت
- المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا
- الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة
- الإنسان بين الضمير والضجيج
- إلى اللقاء يا إيزيس
- سقوط مصر في فخ السلفية: شهادة شاهد من داخل المعركة
- تدوير الهوان
- في كواليس مؤتمر الأقباط بالنمسا عندما يتحول الألم إلى قضية ع ...
- الملك المعتوه
- الدول المتخلفة
- أقذر عهود الاضطهاد
- لم أدرس الطب البيطري…
- اخلاق الشعوب المقهورة
- كيف تسقط الاوطان
- الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
- الأقباط بين خطاب الطمأنة وواقع الحقوق ؟
- ‎البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة



المزيد.....




- غابات بكر وسواحل خلابة.. تنتشر في البرازيل كنوز طبيعية لا يع ...
- ناصيف زيتون ودانييلا رحمة يحتفلان بعمادة ابنهما إلياس
- لا حديث عن استئناف المفاوضات مع أمريكا.. اتصال هاتفي بين عرا ...
- بعد تهديد ترامب.. رئيس إيران: نخوض -حربا شاملة- ونعتذر عن ال ...
- حرب خرائط وتصريحات: ترامب يضم هرمز على -تروث سوشيال- ورضائي ...
- زيارة مرتقبة لقائد الجيش الباكستاني إلى طهران
- عقب اتصال تمهيدي بعراقجي.. قائد الجيش الباكستاني يزور طهران ...
- تحذير من تأثير مسكن شائع للألم على الهرمونات والخصوبة
- من ساحة الأمويين إلى -اللباس الشرعي-.. مظاهرة جديدة -لتحديد ...
- بوتين في كلمة مصورة بمناسية ذكرى ميلاد الرئيس الأول للشيشان: ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - معايير الأخلاق في الشرق التعيس