أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - الفائض الديني بين الإيمان وقيمة الإنسان















المزيد.....

الفائض الديني بين الإيمان وقيمة الإنسان


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 14:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس السؤال: هل نؤمن؟

فهذا سؤال يخص علاقة الإنسان بالسماء.

أما السؤال الأكثر إيلامًا فهو:

ماذا صنع إيماننا بالإنسان؟

هل جعله أكثر رحمة؟
أكثر عدلًا؟
أكثر صدقًا؟
أكثر احترامًا لكرامة المختلف؟

أم أن الإيمان أصبح مظهرًا، والطقوس هوية، والخطاب الديني لغةً اجتماعية، بينما ظل الإنسان في داخله كما هو؟

هنا تبدأ الحكاية.

فـالفائض الديني ليس أن يكون الإنسان مؤمنًا، ولا أن يمارس شعائره؛ وإنما أن يتضخم حضور الدين في المظهر والخطاب والمؤسسة، بينما ينعدم حضوره في الضمير والسلوك.

قد تمتلئ المساجد، وتزدحم المنابر، وتنتشر المظاهر الدينية، وتعلو الشعارات، ثم نسأل:

أين الرحمة؟
أين العدل؟
أين حرمة الإنسان؟

هذه ليست أسئلة ضد الدين، بل ربما كانت أكثر الأسئلة دفاعًا عن جوهره.

لأن الدين الذي لا يجعل الإنسان أكثر إنسانية، يتحول من معنى إلى مظهر، ومن علاقة بالضمير إلى علاقة بالسلطة الاجتماعية.

وهنا تكمن الخطورة.

حين يصبح المظهر أهم من الجوهر، يصبح الإنسان حريصًا على أن يبدو صالحًا أكثر من حرصه على أن يكون صالحًا.

وكأننا نسينا سؤال سقراط الشهير:

«الحياة التي لا تُفحَص لا تستحق أن تُعاش.»

فكيف يمكن لمجتمع أن يفحص ملابس الإنسان وعقيدته وهيئته، ولا يفحص ضميره؟

كيف نراقب ما يظهر على الجسد، ونترك ما يختبئ في النفس؟

حين تتدين الدولة بالمظهر

لكن المأساة لا تتوقف عند الفرد.

حين تتبنى الدولة والمؤسسات منطق المظهر، تصبح المسألة أكثر خطورة.

الدولة التي تنشغل بملابس الناس أكثر من أخلاقهم، وبهيئاتهم أكثر من سلوكهم، وبالشعارات أكثر من العدالة، لا تبني إنسانًا صالحًا؛ إنها تبني إنسانًا يعرف كيف يبدو صالحًا.

فالملابس يمكن تغييرها في دقائق، أما الضمير فيحتاج إلى عمر كامل.

وحين يصبح المظهر معيارًا للأخلاق، يستطيع الفاسد أن يختبئ خلف هيئة صالحة، بينما يُدان الصادق لأنه لا يرتدي الصورة التي يريدها المجتمع.

أي عقل هذا الذي يحاكم الإنسان على ما يرتديه، ولا يسأل عما يفعله؟

الدولة تستطيع أن تراقب الشارع، وأن تضبط المظهر، وأن تضع القواعد، لكنها لا تستطيع أن تصنع ضميرًا بالقوة.

فالرحمة لا تُفرض بقرار.

والأمانة لا تُنتج بالرقابة وحدها.

والإنسانية لا تُكتب في قانون.

إنها تبدأ من الداخل.

وهنا يطل كانط بفكرته الأخلاقية العميقة:

«عامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان آخر كغاية، وليس مجرد وسيلة.»

كم نحن بحاجة إلى هذه الجملة!

فالإنسان ليس وسيلة لخدمة سلطة، ولا وسيلة لإثبات عقيدة، ولا وسيلة لحماية صورة المجتمع، ولا وسيلة لتحقيق مصالح الآخرين.

الإنسان غاية.

وعندما تنسى الدولة هذه الحقيقة، يصبح المواطن رقمًا.

وعندما تنساها المؤسسة الدينية، يصبح المختلف مشكلة.

وعندما ينساها المجتمع، يصبح الإنسان مجرد صورة.

حين يصبح الشعار نقيضًا للحقيقة

وهنا نصل إلى المفارقة الأكثر قسوة.

حديث طويل عن العدل… بينما يتفشى الظلم.

حديث عن الإيمان… بينما تأتي الممارسة في الاتجاه المعاكس لكل ما يفترضه الإيمان من رحمة وصدق وكرامة.

حديث عن الأخوة في الوطن… بينما يُقصى المختلف أو يُهمَّش أو يُعامل وكأن مواطنته أقل قيمة.

حديث عن الأمانة… بينما تُسرق من البسطاء أشياء أكبر من المال:

تُسرق فرصهم، وحقوقهم، وطمأنينتهم، وحتى أحلامهم.

حديث عن الرحمة… بينما يُترك الضعيف وحيدًا أمام القسوة.

حديث عن كرامة الإنسان… بينما تصبح كرامته قابلة للتفاوض عندما يختلف في الدين أو الفكر أو الرأي.

فأي إيمان هذا الذي يرفع الشعار ويهزم المعنى؟

وأي أخلاق تلك التي تهتم بما يراه الناس، ولا تخشى ما يراه الضمير؟

هنا يصبح “الفائض الديني” أكثر من ظاهرة اجتماعية؛ يصبح مفارقة أخلاقية:

هنا يصبح الفائض الديني كارثة إنسانية :

نزداد تدينًا في الصورة، ونبتعد عن الدين في القيمة.

نكثر من الحديث عن الله، ونقلل من قيمة الإنسان.

نرفع رايات الأخوة، ونمارس الإقصاء.

نتحدث عن الأمانة، ثم نسرق من البسطاء مستقبلهم.

نتحدث عن العدل، ثم نعتاد الظلم حتى يصبح جزءًا من المشهد اليومي.

المشكلة إذن ليست أن الدين حاضر أكثر من اللازم، بل أن الضمير غائب أكثر مما ينبغي.

المشكلة هنا ليس غياب الدين انما فساد الدين والتدين .

الإنسان قبل كل شيء

لقد شهد المجتمع المصري خلال عقود متعاقبة حضورًا قويًا للخطاب الديني في المجال العام، وتداخلت في مراحل مختلفة الأسئلة الدينية مع السياسة والمجتمع والهوية وزادت في هذا العهد التدين السلفي و زادت جرعات التدين مما اصاب المجتمع بفائض ديني مزور افقد الإنسان انسانيته

وكان ومازال دور الأزهر حاضرًا بصورة مركزية في تشكيل المجال الديني المصري ونشر دين بلا ضمير وإيمان بلا أعمال و دين بلا فضيله .

لكن السؤال ليس في وجود المؤسسة الدينية بحد ذاتها بل فيما تقدمه وفيما تدرسة وفيما تشحن به أتباعها

السؤال الأعمق:

متى يصبح المقدس سلطة على العقل؟
ومتى يصبح الاختلاف جريمة اجتماعية؟
ومتى تتحول العقيدة من شأن روحي إلى معيار لقيمة الإنسان؟

هنا يصبح الخطر أكبر من مجرد التشدد.

لأن الإنسان يبدأ في فقدان أغلى ما يملك:

حقه في أن يسأل.

والإنسان الذي يخاف السؤال، يخاف المعرفة.

والذي يخاف المعرفة، يسهل قياده.

والذي يفقد حريته في التفكير، يمكن أن يتحول الدين في حياته من نور إلى جدار.

ولهذا فإن قضية المختلف دينيًا أو فكريًا ليست قضية فئة بعينها؛ إنها اختبار لمعنى الإنسان نفسه.

فإذا كانت قيمة الإنسان تتغير بحسب دينه أو طائفته أو أفكاره، فنحن أمام مجتمع لم يكتشف بعد أن:

كرامة الإنسان ليست منحة من جماعة، ولا امتيازًا تمنحه سلطة.

الكرامة تسبق كل الهويات.

السؤال الذي لا يريد أحد سماعه

ربما لا تكمن مأساة مجتمعاتنا في قلة الدين، وإنما في فائض ديني بلا ضمير، وفائض شكلي بلا جوهر، وفائض شعارات يقابله عجز عن صناعة الإنسان.

فالجوهر لا يحتاج إلى استعراض.

والإنسان الأخلاقي لا يحتاج إلى إعلان أخلاقه.

ومن يخاف الله حقًا ــ وفق إيمانه ــ لا يحتاج إلى إذلال إنسان آخر كي يثبت إيمانه.

لذلك لا ينبغي أن نسأل المجتمع:

كم عندك من الدين؟

بل السؤال الأكثر قسوة:

كم بقي من الإنسان في هذا الدين؟

لأن الدين حين يفقد الضمير يصبح شكلًا.

والشكل حين ينفصل عن الجوهر يصبح شعارًا.

والشعار حين ينفصل عن الحقيقة يصبح قناعًا.

وخلف القناع…

قد يختفي الإنسان.

فائض ديني بلا ضمير.
فائض شكلي بلا جوهر.
شعار عن العدل… وظلم في الواقع.
حديث عن الإيمان… وسلوك يناقضه.
حديث عن الأخوة… وممارسة للإقصاء.
حديث عن الأمانة… وسرقة لأحلام البسطاء.

وفي النهاية، لا يعود السؤال:

هل نحن مجتمع متدين؟

بل:

هل نحن مجتمع ما زال يشعر؟

لأن المجتمع الذي يفقد ضميره قد يحتفظ بكل شيء:

بالمؤسسات،
بالشعارات،
بالمظاهر،
بالمنابر،
بالطقوس…

إلا الإنسان.

فائضٌ في الدين…
ونقصٌ في الإنسان.



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شعر بعنوان في بلادي
- حينما يصبح الله ذريعة
- الطرطرة على الشعب
- كان الله في عون مصر: حين يصبح الفشل سياسة
- حين يُدار الوطن بالجهل
- حين تُهان جومانا… لا يُهان شخص، بل تُختبر إنسانية وطن
- حين يصبح «انصر أخاك» سلاحًا ضد الآخر
- مزرعة الحيوان شهادة في الاستبداد، والمنتفعين، وضحايا السلطة
- شيخ الأزهر.. حين يتحول الحنين إلى زمن الغزو إلى خطاب ديني
- عائد من الغربة
- معايير الأخلاق في الشرق التعيس
- حين يصبح الإيمان معركة والإنسان غنيمة
- سويسرا… وطن الامتنان والإنسان
- لذكاء الاجتماعي… عندما تصبح الإنسانية أسلوب حياة
- العظمة حين تجسدت
- المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا
- الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة
- الإنسان بين الضمير والضجيج
- إلى اللقاء يا إيزيس
- سقوط مصر في فخ السلفية: شهادة شاهد من داخل المعركة


المزيد.....




- أسسها عرب.. شركة توصيل تتحدى منافسيها في إسرائيل
- مرموطان جبليان يتجولان في شوارع خليج سان فرانسيسكو.. كيف وصل ...
- شاهد.. شخصان يتشبثان بجذع شجرة وسط نهر بعد انقلاب قاربهما وا ...
- المغرب يطوي صفحة -الساعة الإضافية- بعد سنوات من الجدل، وعودة ...
- الثلج الذي كاد أن يبتلع خطانا
- تصعيد في كردفان.. مسيرات الدعم السريع تستهدف الأبيض ومركبات ...
- توغل إسرائيلي وقصف وغارات في مناطق عدة بجنوب لبنان
- السيسي يبحث مع مدير الاستخبارات الأمريكية قضايا الشرق الأوسط ...
- ناسا تحذر من تحرك مركز كتلة الأرض وتأثيره على أنظمة الملاحة ...
- رئيس وزراء كندا يسخر من ترامب ويقلد حركته الشهيرة -الأكورديو ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - الفائض الديني بين الإيمان وقيمة الإنسان