أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - حينما يصبح الله ذريعة















المزيد.....

حينما يصبح الله ذريعة


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 12:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عن الإنسان الذي هرب من غروره… فسقط في غياب ضميره

المشكلة مع التطرف ليست أنه يملك إيمانًا قويًا، بل أنه يملك يقينًا لا يسمح له بأن يشك في نفسه.

وهنا تبدأ الكارثة.

هناك تدين يحرر الإنسان من غروره، وهناك تدين يستخدم اسم الله لتحرير الإنسان من مسؤوليته الأخلاقية. الأول يجعل الإنسان أكثر تواضعًا ورحمة، والثاني يمنحه شعورًا بالتفوق والحق المطلق.

وهناك تدين يقود الإنسان لاعمال ضد العقل والمنطق والإنسانية ! بل ايمان يتحول الانسان لوحش كاسر منحط بدافع الايمان

وهذا هو أخطر شيء في التطرف: أن يتحول الاعتقاد إلى حصانة أخلاقية.

المتطرف لا يقول: أنا أريد أن أقتل.
يقول: أنا أنفذ الحق.

المتطرف ينكر انه يغتصب يسرق انما يدعي انه يطبق شرع الله !!

لا يقول: أنا أكره المختلف.
يقول: أنا أبغض الباطل.

لا يقول: أنا أريد الانتقام.
يقول: أنا أحقق العدالة.

وهكذا تتغير الكلمات، لكن الجريمة تبقى جريمة.

كان نيتشه يحذر من الإنسان الذي يجعل قيمه ذريعة لإدانة الآخرين، وكان سارتر أكثر قسوة حين وضع الإنسان أمام مسؤوليته عن اختياراته: لا يمكنك أن تهرب من مسؤوليتك بأن تختبئ خلف فكرة أكبر منك.

لكن المتطرف يفعل ذلك تحديدًا.

يستعير سلطة المقدس لكي يتخلص من عبء الضمير. بل يميت الضمير بشعارات مقدسة !!!

ومن هنا تولد النرجسية المقدسة:

أنا على الحق، إذن أنت على الباطل.
الله معي، إذن أنت ضدي.
أنا أملك الحقيقة، إذن لا يحق لك حتى أن تكون مختلفًا.

عند هذه النقطة لا يعود الإنسان يرى إنسانًا أمامه؛ يرى كافرًا، خائنًا، نجسًا، عدوًا، مرتدًا أو أي تسمية أخرى تسحب منه إنسانيته.

والإنسان لا يبدأ بقتل الآخر عندما يرفع السلاح.

يبدأ بقتله لغويًا.

فإذا سقطت إنسانيته في اللغة، أصبح إسقاط فكره و جسده أسهل.

وهنا يجب أن نتوقف أمام كل جريمة تُرتكب باسم الدين، لا لنسأل فقط: من القاتل؟ بل: أي فكرة جعلت القاتل قادرًا على رؤية ضحيته دون أن يرى إنسانًا؟

في أغسطس 2026، قُتلت أسرة من أربعة أفراد في منطقة النرجس بالتجمع الخامس: أب وأم وابنتان. وأودع المتهم مؤسسة للصحة النفسية لإعداد تقرير عن حالته العقلية بناءً على طلب الدفاع. وهذه الإحالة ليست حكمًا بالبراءة ولا تعني أنه سيفلت من العقاب، لكنها تضع أمامنا سؤالًا أكبر من القضية نفسها: كيف نضمن أن يبقى الإنسان، أيًا كان دينه، متساويًا في القيمة أمام القانون والضمير؟

لأن الدم لا ينبغي أن يكون له دين.

ولا توجد عقيدة تمنح إنسانًا حقًا فطريًا في دم إنسان آخر.

وهنا لا ينبغي أن نهرب من تاريخ الفقه الإسلامي أو نحاول تجميله. فقد قال فقهاء بالفعل، استنادًا إلى الحديث «لا يقتل مسلم بكافر»، وهذا يعني، ببساطة، أن هناك داخل التراث الفقهي الإسلامي تصورًا جعل قيمة الدم مرتبطة في بعض صوره بالانتماء الديني، فلم يكن دم المسلم ودم غير المسلم متساويين في الحكم عند جميع الفقهاء.

هذه ليست إدانة لكل مسلم، وليست اتهامًا لكل من عاش أو يعيش على الإسلام، لكنها حقيقة فقهية لا ينبغي دفنها تحت عبارات التجميل.

والسؤال الأخلاقي اليوم ليس كيف نبحث عن مخارج لغوية للدفاع عن هذا التصور، بل: هل يمكن أن نقبل في عصرنا أن تكون عقيدة الإنسان سببًا في أن تصبح حياته أقل قيمة في ميزان العدالة؟

أنا لا أقبل ذلك.

لا أقبل أن يكون دم المسلم أغلى من دم المسيحي، ولا أن يكون دم المسيحي أغلى من دم المسلم، ولا أن يحمل الإنسان قيمة قانونية مختلفة لأن اسمه مختلف أو صلاته مختلفة أو كتابه مختلف.

الدم لا يعرف العقيدة.

والرصاصة لا تسأل الضحية عن مذهبه قبل أن تدخل جسده.

وإذا كان القانون الحديث قد جعل المواطنة أساسًا للمساواة، فلا يجوز أن نعيد إلى المجال العام تمييزًا فقهيًا نشأ في سياقات تاريخية مختلفة، ثم نطلب من الإنسان المعاصر أن يعتبره معيارًا أبديًا لقيمة الدم.

بل إن مؤسسة الأزهر نفسها أكدت في تفسيرها لهذا الحديث على لسان العديد من شيوخها بصحة هذا الحديث !!!

المسألة إذن في النص ، الذي هو الدافع والمبرر لكل ما يفعله الإنسان بالنص عندما يريد أن يبرر نفسه.

كان كانط يرى أن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا كغاية لا كوسيلة.

أما التطرف فيفعل العكس تمامًا: يحول الإنسان إلى وسيلة لعقيدته، وسيلة للثأر، وسيلة للجماعة، وسيلة للحلم بالخلاص.

وحين تصبح الفكرة أهم من الإنسان، يصبح قتل الإنسان تفصيلًا.

وهنا نصل إلى جوهر المشكلة: المتطرف لا يحتاج إلى أن يكون بلا دين؛ أحيانًا يكون الخطر في أن يكون متدينًا .

يصلي، لكنه لا يتعلم الرحمة.
يحفظ النص، لكنه لا يتعلم الشك في نفسه.
يتحدث عن الجنة، لكنه يجعل الحياة جحيمًا لمن يخالفه.

وهذا هو المعنى العميق لفكرة إريك فروم عن الهروب من الحرية: الإنسان قد يخاف من مسؤوليته الشخصية، فيبحث عن سلطة مطلقة يذوب فيها. وعندما يجد تلك السلطة في تفسير ديني مغلق، يصبح مطيعًا لفكرة يظنها إلهية، بينما هو في الحقيقة يطيع خوفه، وغضبه، وحاجته إلى التفوق والانتماء.

لذلك فإن أخطر سؤال يمكن أن يواجهه المتطرف ليس: هل تؤمن بالله؟

بل:

ماذا لو كنت مخطئًا؟

هذا السؤال وحده قادر على هدم الكثير من الغرور المقدس.

لأن الإنسان الذي يحتمل احتمال خطئه يستطيع أن يتراجع، ويعتذر، ويرى الآخر، ويمنع الدم.

أما الذي يعتقد أن الله وقّع له شيكًا مفتوحًا على ضمائر البشر، فلن يحتاج إلى ضمير.

سيكفيه الشعار.

وهنا يتحول الدين من علاقة بين الإنسان وربه إلى أداة للسيطرة على الإنسان.

المأساة ليست أن المتطرف يكره الآخرين فقط؛ المأساة أنه يقنع نفسه أن كراهيته فضيلة.

وهذا أخطر من الكراهية نفسها.

فالحقد العادي يعرف أنه حقد.
أما الحقد المقدس فيعتقد أنه عدالة.

لهذا لا ينبغي أن نقيس التدين بعدد الصلوات ولا بطول اللحية ولا بحفظ النصوص ولا بكثرة الحديث عن الجنة والنار.

المعيار أبسط وأقسى:

ماذا يفعل إيمانك بالإنسان الذي لا يشبهك؟

هل يجعلك أكثر تواضعًا أم أكثر غرورًا؟
أكثر رحمة أم أكثر قسوة؟
أكثر خوفًا من ظلم الناس أم أكثر ثقة بأنك مخوّل بظلمهم؟

إذا كان إيمانك يجعلك ترى نفسك أفضل من الآخرين، فأنت لم تهزم غرورك؛ لقد أعطيته لغة مقدسة.

وإذا كان الله في خطابك دائمًا معك ضد الآخرين، فاسأل نفسك بصدق:

هل أنت الذي تتكلم باسم الله… أم أن الأنا هي التي تتكلم، لكنها استعارت اسم الله؟

لا أحد يملك الله.

ولا يملك أحد ختمًا إلهيًا يبيح له دم الآخر.

الدين الذي لا يجعل الإنسان أكثر إنسانية يحتاج إلى مراجعة، مهما كان عدد النصوص التي يستشهد بها.

فالاختبار الحقيقي للإيمان ليس مقدار ما تتحدث عن السماء، بل مقدار الرحمة التي تتركها خلفك على الأرض.

وعندما يصبح قتل الإنسان أسهل من الاعتراف بأننا قد نكون مخطئين، فالمشكلة لم تعد في قوة الإيمان.

المشكلة أن الضمير مات… وبقي الشعار.

" لا يؤخذ دم 🩸 مسلم بذمي "



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطرطرة على الشعب
- كان الله في عون مصر: حين يصبح الفشل سياسة
- حين يُدار الوطن بالجهل
- حين تُهان جومانا… لا يُهان شخص، بل تُختبر إنسانية وطن
- حين يصبح «انصر أخاك» سلاحًا ضد الآخر
- مزرعة الحيوان شهادة في الاستبداد، والمنتفعين، وضحايا السلطة
- شيخ الأزهر.. حين يتحول الحنين إلى زمن الغزو إلى خطاب ديني
- عائد من الغربة
- معايير الأخلاق في الشرق التعيس
- حين يصبح الإيمان معركة والإنسان غنيمة
- سويسرا… وطن الامتنان والإنسان
- لذكاء الاجتماعي… عندما تصبح الإنسانية أسلوب حياة
- العظمة حين تجسدت
- المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا
- الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة
- الإنسان بين الضمير والضجيج
- إلى اللقاء يا إيزيس
- سقوط مصر في فخ السلفية: شهادة شاهد من داخل المعركة
- تدوير الهوان
- في كواليس مؤتمر الأقباط بالنمسا عندما يتحول الألم إلى قضية ع ...


المزيد.....




- بينيلوبي كروز من الكورسيه الأسود إلى الريش الأبيض في تورونتو ...
- الحوثيون يعلنون استهداف -أرامكو- في ينبع وقاعدة خميس مشيط بع ...
- شبكة روسية في مرمى واشنطن.. اتهامات بالتخطيط لاغتيالات وتنفي ...
- غوتيريش يرحب بتأييد مجلس النواب الليبي اتفاق -4+4- ويعتبره خ ...
- سيمونيان ساخرة من الإندبندنت و-مراسلون بلا حدود-: RT بالهندي ...
- قائد القوات البرية الإيرانية: انتشار 10 ألوية على سواحل مكرا ...
- -الحرب ستكون قصيرة جدا-..لافروف يوجه إنذارا صارما لأوروبا ون ...
- 16 سبتمبر 1997 .. تعيين ستيف جوبز رئيسا تنفيذيا مؤقتا لشركة ...
- الرى: اجتماع مصري سوداني لتعزيز التعاون في مشروعات التنمية ا ...
- سوريا: ما هي ظروف وتداعيات مقتل 10 سجناء في عين العرب - كوبا ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - حينما يصبح الله ذريعة