أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - حين تُهان جومانا… لا يُهان شخص، بل تُختبر إنسانية وطن















المزيد.....

حين تُهان جومانا… لا يُهان شخص، بل تُختبر إنسانية وطن


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 13:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قال الفيلسوف جون لوك:
«حيثما ينتهي القانون يبدأ الاستبداد.»

ولعل هذه الكلمات تختصر مأساة كل مجتمع يسمح للسلطة أن تصبح أقوى من القانون، وللمنصب أن يصبح أقوى من الحقيقة، وللمجاملة أن تصبح أقوى من كرامة الإنسان.

ولهذا بقيت الحكمة القديمة صالحة لكل زمان:

«من أمن العقاب أساء الأدب.»

فالإنسان حين يطمئن إلى أنه لن يُسأل عما يفعل، قد ينسى حدود السلطة، وقد يتجاوز حدود الاحترام، وقد يتحول الخطأ عنده من واقعة عابرة إلى سلوك متكرر.

لكن الأخطر من المخطئ أحيانًا هو من يسارع إلى حمايته وتجميل خطئه.

جومانا… والسؤال الذي يجب ألا نهرب منه

في الواقعة المتداولة، كانت جومانا، الطالبة القبطية، في يوم تخرجها؛ اليوم الذي يفترض أن يكون يوم فرحها وفخرها بشهادتها.

وبحسب ما أثير حول الواقعة، تعرضت للطرد، كما أثيرت واقعة تصويرها رغمًا عنها، وكان الصليب ظاهرًا عليها، رغم أن ملابسها ـ وفق الرواية المتداولة ـ كانت عادية.

إذا ثبتت هذه الوقائع، فالمسألة ليست مجرد خلاف إداري.

وليست قضية ملابس.

وليست قضية صليب.

إنها قضية كرامة إنسان.

والسؤال الذي يجب أن يواجهه كل صاحب ضمير:

هل يجوز أن يشعر إنسان في وطنه أن هويته الدينية يمكن أن تجعله عرضة للإهانة أو الإقصاء؟

إذا كان الجواب «نعم»، فهذه ليست مشكلة جومانا وحدها.

إنها مشكلة في مفهومنا للدولة.

التسابق على مدح المخطئ إهانة للأخلاق

ما يثير الألم ليس فقط ما قيل إنه حدث لجومانا، وإنما ما يأتي بعد ذلك:

التسابق إلى مدح المسؤول، والحديث عن أخلاقه وتربيته وأمانته، وكأن كثرة المديح يمكن أن تلغي السلوك محل السؤال.

لا.

الأخلاق لا تُثبتها البيانات.

الأخلاق يثبتها السلوك.

والأمانة لا يثبتها المديح.

والتربية لا يثبتها المنصب.

والإنسان المحترم يظهر احترامه خصوصًا عندما يكون أمامه شخص أضعف منه ولا يستطيع أن يرد عليه.

ومن هنا فإن مدح المخطئ قبل ظهور الحقيقة ليس موقفًا أخلاقيًا.

بل قد يتحول إلى خطأ جديد.

لأنك حين تمدح من أخطأ بدل أن تسأل عن الخطأ، فأنت لا تحميه فقط؛ بل تساهم في حرمانه من أهم شيء يحتاجه الإنسان عندما يخطئ:

المراجعة.

والتسابق على مدح المخطئ خطأ مهين لمن يمدح، كما هو مهين لمن يُمدح؛ لأنه يحول الأخلاق إلى شهادة مجاملة، ويجعل الحقيقة آخر ما يُسأل عنه.

مدح الساقط لا يرفعه

هناك حقيقة إنسانية قاسية:

مدح الساقط لا يرفعه، وإنما يكشف من يصر على رفعه.

فإذا كان السلوك خاطئًا، فلن يصبح صحيحًا لأن عشرات الأشخاص وصفوا صاحبه بأنه صاحب أخلاق.

وإذا كان إنسان قد تعرض للظلم، فلن تختفي كرامته المهدرة لأن مؤسسة أصدرت بيانًا في مدح من يملك السلطة.

الحقيقة لا تُقاس بعدد الأصوات المؤيدة لها.

ولو كان الأمر كذلك، لما احتاج العالم إلى قضاء ولا تحقيق ولا قانون.

الجامعة ليست مكانًا لتعليم الخوف

الجامعة ليست مجرد مكان للحصول على شهادة.

إنها المكان الذي يتعلم فيه الشاب معنى المجتمع والدولة.

يتعلم فيه أن القانون واحد.

وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ.

وأن الاختلاف الديني ليس عيبًا.

وأن السلطة مسؤولية وليست امتيازًا.

وأن صاحب المنصب يمكن أن يُسأل، ويمكن أن يخطئ، ويمكن أن يُحاسب.

فإذا رأى الطالب أن القوة تنتصر على الضعف، وأن المنصب ينتصر على الطالب، وأن المختلف دينيًا يمكن أن يدفع ثمن اختلافه، ثم رأى بعد ذلك موجة من المديح لمن ارتبط اسمه بالواقعة، فماذا يتعلم؟

يتعلم أن القوة أهم من الحق.

وهذا أخطر درس يمكن أن يتعلمه إنسان في جامعة.

الدولة التي يضيع فيها العدل تصبح غابة

أرسطو رأى أن العدالة من أعظم الفضائل السياسية، لأنها تحفظ الجماعة وتنظم علاقة الإنسان بالإنسان.

وأفلاطون جعل العدالة أساسًا للدولة السليمة.

أما حين يغيب العدل، فإن المجتمع يبدأ في فقدان الشيء الذي يجعله دولة أصلًا.

فالظلم الذي لا يُحاسب عليه يصبح عادة.

والعادة التي تحميها المؤسسات تصبح ثقافة.

والثقافة التي يتعايش معها الناس تصبح نظامًا.

وهنا تبدأ الدولة في التحول إلى شيء آخر.

إلى غابة.

في الغابة لا يحتاج القوي إلى أن يكون عادلًا.

يكفي أن يكون قويًا.

أما الدولة الحديثة فقد قامت على نقيض ذلك تمامًا:

أن يكون الضعيف قادرًا على أخذ حقه من القوي.

هذه هي الحضارة.

وهذا هو القانون.

وهذه هي الإنسانية.

لا نريد دولة تحمي الأشخاص… نريد دولة تحمي الإنسان

لا أريد مؤسسة تدين أحدًا قبل التحقيق.

ولا أريد نقابة تصدر أحكامًا قبل سماع الأطراف.

ولا أريد أن يُظلم مسؤول كما لا أريد أن تُظلم طالبة.

ما أريده أبسط وأعمق:

العدل.

اسمعوا الطرفين.

افحصوا الوقائع.

راجعوا التسجيلات.

حاسبوا من أخطأ.

وبرئوا من لم يثبت خطؤه.

لكن لا تجعلوا المنصب جدارًا يحجب الحقيقة.

ولا تجعلوا المديح ستارًا يخفي السلوك.

جومانا ليست مجرد اسم

جومانا اليوم ليست مجرد طالبة في واقعة عابرة.

إنها تضع أمامنا مرآة.

مرآة نسأل فيها أنفسنا:

هل نحن قادرون على حماية المختلف؟

هل نستطيع أن نحمي فتاة قبطية عندما تكون وحدها؟

هل نستطيع أن نقول لصاحب السلطة:
إن كنت مخطئًا فأنت مخطئ، مهما كان منصبك؟

هل نستطيع أن نقول للطالبة:
أنت مواطنة كاملة الكرامة، ولن تصبح أقل إنسانية لأنك تحملين صليبًا؟

إذا استطعنا أن نفعل ذلك، فنحن نبني دولة.

أما إذا عجزنا، وظللنا نبحث عن مبررات للسلطة ونغرق الخطأ في المديح، فنحن لا نبني دولة حديثة.

نحن نهدمها من الداخل.

كلمة أخيرة للتاريخ

قد تنتهي المناصب.

وقد تختفي البيانات.

وقد ينسى الناس أسماء الذين تسابقوا في المديح.

لكن السلوك يبقى.

التاريخ لا يسأل كم شخصًا امتدح المخطئ.

بل يسأل:

من وقف مع الحقيقة عندما كان الوقوف معها مكلفًا؟

ومن وقف مع الإنسان عندما كان الإنسان ضعيفًا؟

ومن قال للسلطة: توقفي… فهناك كرامة إنسان؟

لذلك أقولها بوضوح:

من أمن العقاب أساء الأدب.
ومن جعل المنصب فوق القانون أهان الدولة.
ومن جعل المديح فوق الحقيقة أهان الأخلاق.
ومن تسابق في تبرير الخطأ شارك ـ ولو أخلاقيًا ـ في إطالة عمر الخطأ.

أما جومانا، فليست القضية أن نحبها أو نكرهها.

القضية أن نحترم إنسانيتها.

فإذا كان من حق المسؤول أن تُصان كرامته، فمن حق الطالبة أيضًا أن تُصان كرامتها.

وإذا كان للمؤسسة حق في الاحترام، فللإنسان قبل المؤسسة حق في الاحترام.

الدولة التي يضيع فيها العدل لا تبقى دولة بالمعنى الإنساني؛ تتحول شيئًا فشيئًا إلى غابة، حيث يحمي القوي القوي، ويبحث الضعيف عن النجاة.

أما الدولة التي نحلم بها فهي عكس ذلك تمامًا:

دولة يكون فيها القانون أقوى من المنصب،
والإنسان أكرم من السلطة،
والحقيقة أعلى من المديح،
والعدل فوق الجميع.

هذه ليست قضية جومانا وحدها.
هذه قضية وطن يريد أن يكون دولة.



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح «انصر أخاك» سلاحًا ضد الآخر
- مزرعة الحيوان شهادة في الاستبداد، والمنتفعين، وضحايا السلطة
- شيخ الأزهر.. حين يتحول الحنين إلى زمن الغزو إلى خطاب ديني
- عائد من الغربة
- معايير الأخلاق في الشرق التعيس
- حين يصبح الإيمان معركة والإنسان غنيمة
- سويسرا… وطن الامتنان والإنسان
- لذكاء الاجتماعي… عندما تصبح الإنسانية أسلوب حياة
- العظمة حين تجسدت
- المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا
- الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة
- الإنسان بين الضمير والضجيج
- إلى اللقاء يا إيزيس
- سقوط مصر في فخ السلفية: شهادة شاهد من داخل المعركة
- تدوير الهوان
- في كواليس مؤتمر الأقباط بالنمسا عندما يتحول الألم إلى قضية ع ...
- الملك المعتوه
- الدول المتخلفة
- أقذر عهود الاضطهاد
- لم أدرس الطب البيطري…


المزيد.....




- قطار ركاب يصطدم بشاحنة علقت بين حواجز معبر في بولندا.. شاهد ...
- واشنطن تطالب مجلس الأمن بإنصاف السودان وإخراجه من جحيم وفظائ ...
- انتصار السيسي تعلق على انهبار الرئيس الصيني وقرينته بالآثار ...
- من الحرب إلى -مدينة السهر-.. كيف أمضى بحّارة -أبراهام لينكول ...
- من إيران إلى لبنان وغزة.. هل فشلت الاتفاقات في تحويل تفوق إس ...
- خوفًا من التعقب.. الجيش الأمريكي يعطّل أدوات قد تكشف مواقع ج ...
- مأزق الأغلبية.. استطلاعات إسرائيلية تكشف تقلبات حادة في الخر ...
- -بذكاء اصطناعي-.. إيران تعلن استخدام صواريخ ومسيرات جديدة لض ...
- أطفال فلسطينيون.. من روسيا إلى الأمل
- -درع آخيل-.. صفقة دفاعية ضخمة بين اليونان وإسرائيل تعيد تشكي ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - حين تُهان جومانا… لا يُهان شخص، بل تُختبر إنسانية وطن