أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - معاناة الأقباط: حين يبتسم الخطر















المزيد.....

معاناة الأقباط: حين يبتسم الخطر


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 09:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تقول حكمة ساخرة: «الأسود والفهود حيوانات لطيفة جدًا، بينما الدجاج والبط من أخطر الحيوانات؛ فكل كائن يرى الأمور من الزاوية التي تخدم مصلحته الخاصة».

وراء هذه السخرية معنى يستحق التأمل: ليس كل خطر يبدو مخيفًا، وليس كل من يتحدث عن المحبة يعكس سلوكه معناها. فقد يبتسم الخطر، ويتحدث عن الأخوّة والوحدة، بينما يُطلب من المتضرر أن يصمت، ومن المظلوم أن يتحمل، حتى لا يُتهم بأنه يهدد السلام الاجتماعي.

وهنا يبرز السؤال: إذا كان الأقباط، كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، «نور عنينا»، فلماذا لا يزال بعضهم يشعر بالقلق على أمانه وحقوقه ومستقبله؟ وما قيمة الكلمات الجميلة إذا لم تتحول إلى واقع يلمسه المواطن على الأرض؟

هذا ليس سؤالًا لإثارة الفتنة، بل مطالبة بأن تتطابق شعارات المواطنة مع ممارساتها. فالوحدة الوطنية لا تعني إخفاء المشكلات، وإنما امتلاك الشجاعة لمواجهتها.

المحبة الحقيقية تُترجم إلى عدالة

لا يمكن إنكار الروابط الإنسانية والوطنية العميقة بين ملايين المصريين المسلمين والمسيحيين، لكن هذه الروابط لا تعني أن كل صور التمييز قد انتهت، أو أن كل مواطن يشعر بالأمان نفسه.

عندما يتعرض إنسان لاعتداء بسبب دينه، فالمطلوب ليس الاكتفاء بالدعوة إلى التسامح، بل التحقيق والمحاسبة. وعندما تواجه كنيسة مشكلة تتعلق بالبناء أو الترميم، فالمطلوب قواعد واضحة وعادلة. وعندما يشكو مواطن من التمييز أو من عدم الإنصاف، فلا ينبغي أن يصبح طرح شكواه سببًا للتشكيك في وطنيته.

فالوطنية لا تعني الصمت عن الخطأ، وانتقاد أداء المؤسسات لا يعني العداء للدولة. بل إن الدولة القوية هي التي تسمع الشكاوى، وتحقق فيها بشفافية، وتحاسب كل من يثبت تجاوزه، أيًا كان موقعه أو انتماؤه.

الأمن وحرية الاعتقاد: القانون للجميع

مهمة الأجهزة الأمنية هي حماية المواطنين، لا أن يشعر أي مواطن بأنها مصدر خوف أو تضييق. وأي شكاوى تتعلق بالتعامل مع أشخاص بسبب تعبيرهم عن معتقداتهم تستحق الفحص وفق الأدلة والقانون، مع ضمان الحقوق القانونية للجميع.

كما أن تطبيق المادة 98(و) من قانون العقوبات، المتعلقة بازدراء الأديان، يثير تساؤلات حول ضرورة ضمان الاتساق والعدالة في التطبيق، وألا تختلف المعاملة باختلاف ديانة المتهم. فالمعيار يجب أن يكون الفعل والأدلة والقانون، لا هوية الشخص أو معتقده.

وحرية الاعتقاد حق للجميع، مثلما أن الحماية من التهديد والتحريض على العنف حق للجميع. فلا يجوز أن تتحول القوانين إلى أدوات للانتقائية، ولا أن يُعمَّم الاتهام على جماعة دينية كاملة بسبب أفعال أفراد.

اختفاء الفتيات: لا إنكار للمخاوف ولا أحكام بلا دليل

تثير بعض بلاغات اختفاء فتيات وسيدات قبطيّات مخاوف لدى أسرهن بشأن احتمال الاستدراج أو الإكراه أو الزواج القسري أو الضغط لتغيير المعتقد. وهذه مخاوف تستدعي تحقيقًا جادًا وشفافًا، لا الإنكار المطلق ولا الاتهام المطلق.

ليس من الصحيح افتراض أن كل حالة اختفاء تنطوي على اختطاف، كما لا يجوز تجاهل وقوع الإكراه في حالات بعينها تقودها عصابات الأسلمة الممولة من الخليج . المطلوب هو البحث الجاد عن المفقودات، والتحقق من سلامتهن، واحترام إرادة المرأة البالغة وحقها في اختيار حياتها ومعتقدها بحرية، ومحاسبة كل من يثبت ارتكابه جريمة.

الحقيقة والأدلة هما الطريق إلى حماية المظلوم، ومحاسبة المسؤول، ووقف الشائعات التي تؤذي الأبرياء وتزيد الاحتقان.

والحقيقة ان مفهوم حرية العقيدة يجب ان يتم تغييره لدى الأجهزة لان مفهومهم الدخول للإسلام ، ومن حاول الخروج فهنا دور اجهزة القمع والقضاء المتأسلم !!

التعليم والتاريخ: مصر ليست رواية واحدة

المواطنة لا تتعلق بالأمن والقانون فقط، بل أيضًا بما يتعلمه أبناؤنا عن وطنهم. فتاريخ مصر يمتد من الحضارة المصرية القديمة إلى التراث القبطي، مرورًا بالعصور العربية والإسلامية، وصولًا إلى مصر الحديثة. وكل هذه المراحل جزء من هويتنا الوطنية.

إنصاف التاريخ القبطي لا يعني إقصاء التاريخ العربي والإسلامي، كما أن الاعتزاز بهذا الأخير لا يبرر تهميش أي مكوّن آخر. والمطلوب من المناهج أن تعرض تاريخ مصر بتنوعه وثرائه، وأن تقدم إسهامات مختلف مكوناتها بإنصاف، حتى يرى كل طفل نفسه جزءًا من قصة وطنه.

فالتعليم الذي يعكس التنوع يبني الانتماء، أما تهميش بعض فصول التاريخ فقد يزرع شعورًا بالإقصاء، حتى دون قصد.

الوحدة لا تعني الصمت

التسامح ليس مجاملة موسمية في الأعياد، بل احترام يومي لحق الآخر في الاختلاف. كما أن المصالحة الاجتماعية، حين تقع نزاعات، لا ينبغي أن تصبح بديلًا عن العدالة أو وسيلة لإجبار الضحية على التنازل عن حقها.

إن مواجهة التعصب لا تكون بتعميم الاتهام على المسلمين أو المسيحيين، بل بمحاسبة المسؤول عن الفعل وفق الأدلة والقانون. فالوحدة الوطنية لا تُحمى بإنكار المشكلات، وإنما بحلها، ولا تقوى بإسكات المتضرر، بل بإعادة ثقته في العدالة.

كلمة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي

سيادة الرئيس، حين تقول إن الأقباط «نور عنينا»، فإن الاختبار الحقيقي لهذه الكلمات ليس التصفيق لها، بل ما يلمسه المواطن على أرض الواقع.

«نور عنينا» ليست كلمات جوفاء تُقال في المناسبات، ولا أجهزة أمنية يتجاوز دورها حماية المواطن إلى تخويفه أو التضييق عليه، ولا تعليمًا يُهمّش مكوّنًا من مكونات الهوية المصرية لصالح رواية واحدة. إنها قانون يُطبَّق على الجميع بلا تمييز، ومحاسبة لكل من يعتدي على مواطن بسبب دينه، وحرية اعتقاد مصونة، ومناهج تنصف تاريخ مصر، ومؤسسات تحمي الحقوق وتخضع للمساءلة.

الأقباط لا يطلبون امتيازًا أو مكانة فوق أحد؛ إنهم يطلبون حقًا أصيلًا لكل مصري: أن يعيش آمنًا، وأن يُعامل بكرامة، وأن يجد القانون إلى جواره حين يُظلم.

والدرس الأهم أن الدولة القوية ليست التي تمنع الناس من الشكوى، بل التي تجعلهم يثقون بأن شكواهم لن تضيع. ووحدة المصريين لا تتحقق بالشعارات، بل حين يشعر كل مواطن أن كرامته مصونة، وأن دينه لا يجعله موضع ريبة، وأن العدالة لا تسأل عن عقيدته قبل أن تنصفه.

سيادة الرئيس، لا نريد أن نسمع فقط أننا «نور عنينا»؛ نريد أن نرى ذلك في أفعال الدولة. فالمحبة التي لا تحمي، والمواطنة التي لا تساوي، والوحدة التي لا تحتمل الشكوى، تظل كلمات مهما تكررت.

فليكن الامتحان فيما يحدث على الأرض، لا فيما يُقال فوق المنابر؛ وفي الحقوق التي تُصان، لا في الوعود التي تُنسى.

مصر أكبر من أن تُختزل في رواية واحدة، وأعرق من أن يُهمَّش جزء من تاريخها، وأقوى من أن تخشى الاعتراف بأخطائها. وهي تستحق وطنًا لا يضطر فيه أي إنسان إلى الاختيار بين كرامته وصمته.

«نور عنينا» ليست عبارة نرددها، بل مسؤولية نتحملها؛ وليست وعدًا نطلقه، بل عدالة ومساواة وأمانًا نصنعها على الأرض



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بلطجة الأغلبية حين تستأسد بالدولة.. دولة الحشد لا دولة القان ...
- مصر من دولة إلى عزبة: الأمن فوق القانون والدين سلاح ضد المخت ...
- أوروبا التي تنام واقفة
- حصاد الكراهية شهادة شاملة للتاريخ
- الثورة والانسان
- الإرهاب لا يبدأ من الضغط على الزناد
- الفائض الديني بين الإيمان وقيمة الإنسان
- شعر بعنوان في بلادي
- حينما يصبح الله ذريعة
- الطرطرة على الشعب
- كان الله في عون مصر: حين يصبح الفشل سياسة
- حين يُدار الوطن بالجهل
- حين تُهان جومانا… لا يُهان شخص، بل تُختبر إنسانية وطن
- حين يصبح «انصر أخاك» سلاحًا ضد الآخر
- مزرعة الحيوان شهادة في الاستبداد، والمنتفعين، وضحايا السلطة
- شيخ الأزهر.. حين يتحول الحنين إلى زمن الغزو إلى خطاب ديني
- عائد من الغربة
- معايير الأخلاق في الشرق التعيس
- حين يصبح الإيمان معركة والإنسان غنيمة
- سويسرا… وطن الامتنان والإنسان


المزيد.....




- صورة مؤثرة لأنثى فيل تحمل جثّة صغيرها تفوز بمسابقة مصور الحي ...
- بين الأحمر والأسود.. إطلالتا سيلينا غوميز وكيتي بيري بلوس أن ...
- ترامب لا يرى أي ضرورة للعفو عن نفسه لأنه -لم يرتكب شيئا سيئا ...
- الدفاع الروسية: استهداف مركز لوجستي في أوديسا وسفينة تحمل شح ...
- 11 جثة في منزل و11 ماسورة في الجدار!
- ترامب يؤكد تحدثه مع طيارين عسكريين شاهدوا أجساما طائرة مجهول ...
- كارني يحذر من محاولات الولايات المتحدة لتفكيك كندا
- مباشر: التحالف بقيادة السعودية يكشف حصيلة 20 هجوما حوثيا على ...
- كوريا الجنوبية تدرس توسيع عملياتها العسكرية في الشرق الأوسط ...
- إعمار ينتظر السياسة.. مَن يعيد غزة مِن الركام؟


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - معاناة الأقباط: حين يبتسم الخطر