أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - دور الانعكاسية في علم الاجتماع وتحديات المعايرة المنهجية: السياق الليبي نموذجًا














المزيد.....

دور الانعكاسية في علم الاجتماع وتحديات المعايرة المنهجية: السياق الليبي نموذجًا


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 16:18
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في سياق تفعيل دور علم الاجتماع وإبراز مكانته، تبرز الانعكاسية كأداة جوهرية وبوصلة إبستمولوجية دقيقة يُقيَّم من خلالها المنتج السوسيولوجي. وهي أشبه ما تكون بعملية المعايرة؛ فكما تُعاير الأجهزة والمقاييس بدقة قبل البدء بالقياس لضمان سلامة المؤشرات والنتائج ، فإن الانعكاسية لا تنسحب على المادة المكتوبة فحسب، بل تمتد بالأساس إلى المنهجية المتبعة ومن ثم النتائج والتوصيات. وتتمثل في مراجعة الباحث الذاتية لنفسه، وتفكيك انحيازاته وأدواته قبل صدور الإنتاج المعرفي وخروجه إلى العلن، وهو ما أسس له السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو في دعوته للانعكاسية النقدية لتحرير الباحث من إسقاطاته المسبقة. وبناءً على ذلك، فإن الانعكاسية تهدف إلى قياس وتقييم البناء المنهجي الذي أفضى إلى تلك النتائج. وهي خطوة معرفية بالغة الأهمية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الفهم والتأصيل في الأوساط الأكاديمية العربية، لا سيما لدى الباحثين، لتصبح جزءًا بنيويًا وثابتًا في خطوات الإنتاج العلمي السوسيولوجي.
وفي السياق الليبي، ركزت تقييمات الدراسات السوسيولوجية لدى أساتذة الجيل الأول على المضمون والنتائج النهائية، دون الالتفات الكافي إلى مراجعة المنهجية التي أفضت إلى هذا الإنتاج. ومع أن ظروف مرحلة التأسيس وديناميكيات بناء الدولة الناشئة آنذاك فرضت على الجيل الأول تبني المناهج الكمية والأمبيريقية لسد الفراغ في البيانات الإحصائية، إلا أن الإشكال تمثّل في استمرار الاستدعاء الآلي لأداة الاستبانة وإعادة إنتاجها عقودًا طويلة دون مراجعة انعكاسية لمدى ملاءمتها للبنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع الليبي. ومع تقادم هذه الممارسات، كان الأمر يستدعي بالضرورة إلى وقفة للتدبر والتفكير حول مدى نجاعة هذه المنهجية، وما تتطلبه لضمان دقة النتائج وتعبيرها الحقيقي عن الواقع؛ فكما تقوم مختبرات التحاليل الطبية بمعايرة أجهزتها دوريًا لضمان صحة نتائجها، فإن علم الاجتماع في ليبيا بحاجة ماسة إلى هذه المعايرة المنهجية لتنعكس إيجابًا على صدقية مخرجاته. وبالنظر إلى الواقع الليبي في عقود الستينيات والسبعينيات، يبرز تساؤل جوهري: هل كان المجتمع آنذاك مهيًأ للتعاطي مع منهجية استُعيرت من مجتمعات غربية، لا سيما أمريكا التي تخرّج فيها أولئك الأساتذة، وهي منهجية تشترط شروطًا بنيوية؛ كالوعي الإحصائي، وارتفاع نسب التعليم، وحرية التعبير؟
إن غياب هذه المعايرة الانعكاسية بين الأداة والواقع أحدث فجوة معرفية عميقة، وهي الفجوة ذاتها التي دفعت الدكتور مصطفى التير، بكل تجرد وموضوعية علمية، إلى الاعتراف علنًا في إحدى فعاليات لعلم الاجتماع بأنه لم يفهم المجتمع الليبي في مرحلة ما بعد عام 2011.
وحتى نوضح المقصود بشكل أكثر تفصيلا وعمقا، فإن الغاية هنا ليست المساس بجهود الرواد أو الطعن في القامات العلمية التي أسست للمشهد السوسيولوجي الليبي، بل تكمن الحاجة في مراجعة وتقييم آليات دراسة الظواهر الاجتماعية لجعلها أكثر عمقا وأقرب لفهم الواقع بكل تجلياته. بناء على ذلك، فإن هذا السياق يدفعنا بالضرورة إلى تبني الانعكاسية كمنهج جوهري في تشكيل الوعي والإدراك المبدئي لدى الباحث قبل الولوج في عملية البحث والكتابة. وهي في ذلك تعمل كموجه دقيق يشبه نظام (GPS)، حيث تضبط المسار البحثي نحو الهدف المطلوب بأعلى درجة من الدقة. وخاصة ونحن نعيش عصر التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الأمر يتطلب معايرة دقيقة تحمي الباحث من الآلية الجامدة للتقنية، وتضمن توجيه المناهج لتتوافق مع طبيعة الدراسة والمجتمع؛ وهنا تفتح الانعكاسية الباب واسعًا للانتقال نحو المناهج الكيفية أو النوعية كالملاحظة المتعمقة ودراسة الحالة، كونها الأقدر على اختراق الخصوصية الثقافية للمجتمع الليبي بدلًا من الأرقام الصامتة للاستبانات الكمية. بالتالي فإن أهمية هذه المعايرة تنبع من كون النتائج هي ما سيُبنى عليه أي توصيات علمية؛ لتكون قائمة على أدلة متينة وقابلة للتطبيق الواقعي. وهذا يدفعنا إلى القول بأن جل الدراسات السوسيولوجية السابقة اعتمدت على توصيات اتسمت بالعمومية والتكرار، وافتقرت للقابلية للتنفيذ، لأنها لم تخضع لمعايرة انعكاسية تتأكد من مدى تعبيرها عن الاحتياجات المجتمعية والتنموية.
تأسيسًا على ما تقدّم، يمكن تحديد مسار الخطوات الإجرائية للانعكاسية في البحث السوسيولوجي على النحو الآتي:
أولًا: أن تتجذر الانعكاسية في وعي الباحث وتفكيره الاستباقي كخطوة معرفية أولية تسبق البدء الفعلي في تصميم البحث أو صياغته (أي مساءلة الذات الباحثة وانحيازاتها).
ثانيًا: توجيه النقد والمراجعة الإبستمولوجية إلى البناء المنهجي ومدى ملاءمة الأدوات للسياق الثقافي أولا، تليها مراجعة وتدقيق مضامين البحث ومحتواه العلمي.
ثالثًا: إدراك أن الانعكاسية لا تقتصر على الأدوات والمنهجية فحسب، بل تحكم مسارات البحث برمته؛ فالمعايرة هنا تمتد لفحص المخرجات والتأكد من مدى محاكاتها ومطابقتها للواقع الاجتماعي المعاش عبر المناهج الكيفية والنوعية المقترحة.
رابعًا: صياغة توصيات مدعومة بأدلة تطبيقية ملموسة، تترجم في مصفوفة إجرائية تعكس عمق التشخيص وفهم الباحث. وهنا نستدعي مفهوم الوصفة الطبية؛ إذ لا ينبغي للباحث الاجتماعي أن يقدم مجرد وصفة تسكينية عابرة، بل وصفة علاجية جذرية تنفذ إلى عمق الظاهرة أو الإشكالية وتفككها بشكل تفصيلي.

اخيرًا نخلص إلى أن الانعكاسية هي ممارسة علمية مستدامة، يجب أن تكون جزءًا أصيلا من منظومة التفكير المنهجي للباحث وآليات عمله عند القيام بأي دراسة سوسيولوجية تسعى لفهم وتفكيك الواقع الليبي بشكل أكثر عمق وتجرد وموضوعية.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفكاهة السياسية ضمن فضاء المقاومة إبان عهد القذافي
- علم الاجتماع العربي بين الوعد المفقود والاثر السوسيولوجي
- نحن بحاجة إلى ليبية التطوير والتحصين: نقد لأوهام الرتق الجزئ ...
- ديناميكيات الاحتجاجات الشبكية لجيل زد: من التعبئة الخوارزمية ...
- الجامعات الليبية بين سراب التصنيفات الدولية وأولويات غائبة ف ...
- الذكاء الاصطناعي وتحولات البحث السوسيولوجي: نحو سوسيولوجيا خ ...
- أثر مخرجات التعليم في السلوك الاحتجاجي الطلابي : قراءة سوسيو ...
- قياس الأثر في الجامعات العربية: من المنهجية الواحدة إلى مرون ...
- وهم تصنيف ستانفورد: لماذا تحتاج العلوم الاجتماعية في العالم ...
- الذكاء الاصطناعي تسونامي معرفي: مقاربة سوسيولوجية في الإكراه ...
- هل الجامعات العربية مستعدة لجامعات المستقبل؟
- 7 أكتوبر بين الاختزال النفسي والزلزال الجيوسياسي: مراجعة فكر ...
- غابات المشكلات وبذور التحول المؤجل
- كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟
- المناهج التعليمية في ليبيا بين وهم الجودة وسوسيولوجيا التشظي ...
- اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم ...
- ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2 ...
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية


المزيد.....




- وزير الأمن الداخلي الأمريكي يعتزم إجراء تحقيق بعد الانتخابات ...
- مستشار لترامب: نتائج الانتخابات كانت -أكبر من أن تُزوّر-
- من الأحمر إلى الأزرق.. سكان تكساس يحتفلون بفوز تاريخي للديمق ...
- الولايات المتحدة تبدأ تفكيك حاملة -إنتربرايز- النووية
- بمشاركة روسية.. جامعة النور العراقية تستضيف مؤتمرا دوليا لبح ...
- كشف تفاصيل عملية قادش: كيف شكلت مصر تهديدا لإسرائيل وأجبرتها ...
- بوتين: قادة إفريقيا انبهروا بالتوافق الديني في روسيا
- مصر تدعو واشنطن وطهران إلى التهدئة وتجنب العودة للمواجهة الع ...
- بيسكوف: دميترييف ولانتراتوفا سيمثلان روسيا في لقاء ميلانيا ت ...
- الجزائر.. عناوين روسية في معرض الكتاب


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - دور الانعكاسية في علم الاجتماع وتحديات المعايرة المنهجية: السياق الليبي نموذجًا