أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - الفكاهة السياسية ضمن فضاء المقاومة إبان عهد القذافي















المزيد.....

الفكاهة السياسية ضمن فضاء المقاومة إبان عهد القذافي


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 20:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يبرز علم اجتماع الفكاهة كأحد أكثر الحقول المعرفية لعلم الاجتماع العام حيويةً وتأثيرًا، لا سيما في تشريح البيئات القمعية وتفكيكها؛ وهو ما تجلى في مقالة أرسلها إليّ أحد أساتذة علم الاجتماع العرب، تناول فيها النكتة والقصة الساخرة كأداة للمقاومة الرمزية. وبناءً على ذلك، يكتسب هذا السياق أهمية جوهرية عند تطبيقه على الحالة الليبية؛ نظرًا لخصوصية سنوات الديكتاتورية التي امتدت لأربعة عقود ونيف، حيث تحولت السخرية والفكاهة إلى آليةٍ دفاعية توضح مدى سخط المجتمع، بمختلف أفراده وفئاته، على السلطة؛ إذ تعمل كأداة للتفريغ النفسي والاجتماعي تحت وطأة الضغوط القمعية. ومن ثمّ، شكلت تلك الفكاهات تجسيدًا لما يسميه جيمس سكوت بأسلحة الضعفاء أو المقاومة بالحيلة؛ وهي الأطر الفكرية والشفرات التواصلية التي تخلقها المجتمعات المقهورة خارج نطاق رؤية القوى المهيمنة، لتعرية الخلل البنيوي في تركيبة نظام شمولي قام على سلطة وفكر الفرد الواحد. بالتالي لا تنشد هذه المقالة سوى الاقتراب من هذا السياق المهم ومحاولة فهمه وإزلة بعض العتمة والغموض المحيطة به.
من ثم حين ننتقل من الإطار المفهومي إلى تفكيك تلك النصوص، نجدها توثق سوسيولوجيًا كيف تعامل رأس السلطة مع أفراد المجتمع بنظرة استخفاف وفوقية، فضلا عن رصده المساعي الحثيثة لتوريث الأبناء مقاليد الحكم. وعلى الرغم من غزارة هذا المخزون الساخر وثرائه، يلاحظ أن هذا الحقل السوسيولوجي الحيوي لم يلقَ حتى الآن أي اهتمام أو التفاتة علمية من قِبل الباحثين والأساتذة في ليبيا؛ إذ تفتقر الدراسات السوسيولوجية في ليبيا لمثل هذه المقاربات المهمة، مما يضيع فرصًا لاشتباك معرفي عميق مع وقائع تاريخ الوعي الجمعي وتطوراته.
وعلى هذا النحو تتجسد هذه المقاومة الرمزية في قصص تتسم بالفكاهة كانت متداولةً آنذاك؛ منها تلك القصة الرمزية التي تحكي عن مواطن اضطر تحت وطأة العوز إلى أكل العشب الأخضر المحيط ببيت رأس الدولة، تعبيرًا عن عجزه التام عن توفير قوت يومه. وحين شاهده رأس السلطة في ذلك المأزق المعيشي، لم يلتفت لمعاناته بل أمر حرسه بتبديل العشب الأخضر بعشب يابس. ومن خلال التفكيك السوسيولوجي لهذه السردية الساخرة، يتبين لنا كيف تحاكي الواقع المرير والضنك المعيشي الذي عاناه المواطن إبان عهد القذافي؛ في مفارقة صارخة مع توفر الإمكانات المالية الضخمة وعوائد النفط، فضلا عن كونها تكشف نظرة الاستخفاف والفوقية التي كانت تمارسها السلطة تجاه الشعب. ولما كانت هذه الفكاهة تمتلك قوة وقدرة ناعمة على هز شرعية النظام السائد، فقد دُفعت الأجهزة الأمنية إلى إدراجها ضمن المحظورات الأمنية؛ حيث عكفت على رصد مثل هذه السرديات والقصص السياسية الساخرة، وتجريم تداولها، واقتياد مدديها إلى السجون. وكذلك لم يقتصر هذا التضييق على الممارسات الأمنية الميدانية، بل تعداه إلى تأسيس منظومة تشريعية قمعية جرمت النكتة والقصة السياسية بصرامة. ولعل أبرز الشواهد التاريخية على ذلك، قرار مجلس قيادة الثورة رقم (1) لسنة 1969 م بشأن حماية الثورة، والذي نص صراحة على عدم تقييد النيابة العامة في التحقيق بالقيود والإجراءات المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية، مع إخضاع الأحكام الصادرة لتصديق مجلس قيادة الثورة، الذي منح سلطة إلغاء الحكم، أو تخفيفه، أو إعادة المحاكمة؛ حيث أُدرجت ضمن الأعمال المجرمة رواية الحكايات المختلفة عن الوضع السياسي أو الاقتصادي للبلاد. وعلى النحو ذاته، جاء القانون رقم (8) لسنة 1994 م بشأن حماية المجتمع من الظواهر التي حرمها القرآن الكريم، ليجرم كل من يقوم بترويج إشاعة، أو كان من المرجفين الذين يروجون أخبار السوء أو النكتة المغرضة. ونتيجةً لتوظيف هذه الأدوات القانونية والأمنية، جرى تجفيف الفضاء العام وتحويله إلى مساحات صامتة يمحى فيها أي تعبير يخرج عن السردية الرسمية. ومن ثم، غدت النكتة والقصة السياسية المنفذ الرمزي الوحيد المتبقي لخرق هذا الجدار القمعي؛ مما يبرهن سوسيولوجيًا على الهاجس المرعب الذي كانت تشكله الفكاهة الشعبية في تقويض الهيبة المتخيلة للسلطة الفردية.
وعلى هذا الأساس، تكشف هذه التدابير العقابية الصارمة، في جوهرها، عن عجز بنيوي لدى النظام في كبح جماح الفكاهة السياسية، مثلما تبرهن على عمق السخط الشعبي المتراكم؛ إذ أفرزت كل مرحلة تاريخية منظومتها الساخرة الخاصة لتفكيك بنية السلطة وتعرية هشاشة مؤسساتها. ولم يقتصر هذا التفكيك الرمزي على نقد القمع الفج، بل امتد ليتناول الممارسات الإدارية العبثية، المتمثلة في استمرار بعض الوزراء والمسؤولين في مناصبهم لعقود طويلة، عبر آلية التدوير المستمر ونقلهم من وزارة إلى أخرى. وفي هذا الإطار، برزت قصص فكاهية تشبّه عملية التدوير هذه بقرعة الورق؛ حيث كان رأس السلطة يقوم بخلط أوراق الأسماء وطرحها على الطاولة، ليجري اختيار الطاقم الوزاري بناء على هذه التوليفة العشوائية القائمة على الولاء والترضيات لا الكفاءة. كما تُعرّي هذه السرديات الساخرة مأزق السلطة في إدارة مؤسسات الدولة، حيث رسخ نسق وظيفي يقوم على تنفيذ الأوامر الفوقية دون تفكير أو مناقشة. وتتجلى هذه العبثية المعيارية بوضوح في قصة شهيرة تُروى عن ترشيح أحد المسؤولين لموقع قيادي؛ وحين أُبْلِغ رأس السلطة بأن هذا المرشح يعاني من ضعف حاد في الذاكرة نتيجة لتعاطي المسكرات، لدرجة أنه ينسى أين يضع الملفات، جاء رده حاسمًا: هذا هو المستهدف!. إن هذه الواقعة الرمزية، رغم طابعها الفكاهي، تُشخّص سوسيولوجيًا معايير الاختيار في تلك الحقبة؛ إذ لم يكن النظام يبحث عن الكفاءة الإدارية، بل كان يسعى عمدًا لانتقاء أدوات وظيفية تساهم في تجريف الكفاءات ومحو الذاكرة الوطنية، بما يضمن تأبيد سلطة الفرد المطلقة.
وبناء عليه، يتضح أن الفكاهة شكلت في مضمونها آلية بنيوية للتفريغ النفسي والاجتماعي، واستجابة رمزية واعية للأزمات المعقدة التي مر بها المجتمع الليبي إبان تلك الحقبة. ولا يعني هذا التأطير ارتهان الفكاهة السياسية بتلك المرحلة الزمانية فحسب؛ إذ يكشف التتبع التاريخي وجود ممارسات ساخرة مماثلة في العهد الملكي، مثلما تؤكد الشواهد استمرارها وحيويتها في مرحلة ما بعد سنة 2011 م حتى اليوم. ومع ذلك، فإن إفراد المساحة التحليلية الكبرى لتفكيك الفكاهة في سياق النظام السابق تفرضه اعتبارات سوسيولوجية موضوعية؛ وفي مقدمتها طول المدة الزمنية لبقائه في السلطة لأكثر من أربعة عقود، فضلا عن كون النتائج والآليات والتشوهات المؤسسية التي خلفها ذلك النسق هي الذخيرة البنيوية التي أدت بالضرورة إلى إفراز التحولات الراهنة وتشكيل ملامح الأزمات الحالية . وعليه، يُصبح تشخيص الفكاهة السياسية في تلك المرحلة، وتحليلها، وتفسير أبعادها، مطلبا إبستمولوجيًا ملحا لفهم جذور الوعي واللاوعي الجمعي في ليبيا.
وعموما فإن ما يعنينا الإشارة إليه في هذا الخصوص إن الفكاهة السياسية تتجلى كأداة حيوية للمقاومة الرمزية لم تحظ بـما تستحقه من تسليط الضوء والبحث السوسيولوجي؛ على الرغم من أهميتها البالغة في كشف الزوايا المعتمة لطبيعة العلاقات الديناميكية بين أفراد المجتمع والسلطة، وتحديد مساحات التوافق والمقاومة في تلك العلاقات. كما إن هذه الفكاهة، وبغض النظر عن مفارقاتها الساخرة أو مأساويتها المبطنة في أحيان أخرى، تمتلك قدرة تفكيكية تُعرّي النسق السياسي وتكشف ثقوبه السوداء في إدارة مؤسسات الدولة.
وهكذا كان الفضاء العام، فحين يُوغل النظام في القسوة ويتجاهل الاحتياجات العضوية للمجتمع ومتطلباته التنموية، تنشط هذه السرديات لتملأ الفراغ المعرفي والسياسي؛ وهنا تتبدى إمكانية صياغة مقاربة سوسيولوجية تشبيهية تُحلل الاحتقان الوظيفي للنسق الشمولي؛ إذ تبدو الفكاهة أقرب إلى ديناميكية الضغط في شبكات المياه التالفة. فمع تقادم الزمن وغياب الصيانة للمواسير البنيوية والمؤسسية بفعل الإهمال الاستبدادي، تظهر الثقوب التي تتسرب منها قطرات السخرية. ومع تصاعد الضغط السلطوي الممنهج، وغياب قنوات التغذية الراجعة الرسمية، تزداد قوة اندفاع تلك السرديات الساخرة من التصدعات؛ لتصبح شواهد عيان دامغة على فشل سياسات النظام وتآكل بنيته التحتية.
وحاصل القول إذن، تشكل سوسيولوجيا الفكاهة في المجتمعات الشمولية حقلا بكرًا ما يزال في حاجة إلى مزيد من البحث والكشف؛ ليتسنى لنا رصد زوايا غير مطروقة وغير مرئية في فهم هندسة المقاومة الشعبية وتفكيك آليات التسلط.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- علم الاجتماع العربي بين الوعد المفقود والاثر السوسيولوجي
- نحن بحاجة إلى ليبية التطوير والتحصين: نقد لأوهام الرتق الجزئ ...
- ديناميكيات الاحتجاجات الشبكية لجيل زد: من التعبئة الخوارزمية ...
- الجامعات الليبية بين سراب التصنيفات الدولية وأولويات غائبة ف ...
- الذكاء الاصطناعي وتحولات البحث السوسيولوجي: نحو سوسيولوجيا خ ...
- أثر مخرجات التعليم في السلوك الاحتجاجي الطلابي : قراءة سوسيو ...
- قياس الأثر في الجامعات العربية: من المنهجية الواحدة إلى مرون ...
- وهم تصنيف ستانفورد: لماذا تحتاج العلوم الاجتماعية في العالم ...
- الذكاء الاصطناعي تسونامي معرفي: مقاربة سوسيولوجية في الإكراه ...
- هل الجامعات العربية مستعدة لجامعات المستقبل؟
- 7 أكتوبر بين الاختزال النفسي والزلزال الجيوسياسي: مراجعة فكر ...
- غابات المشكلات وبذور التحول المؤجل
- كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟
- المناهج التعليمية في ليبيا بين وهم الجودة وسوسيولوجيا التشظي ...
- اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم ...
- ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2 ...
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...


المزيد.....




- الأردن.. الملكة رانيا بـ -المدرقة الكركية- في خطاب العرش
- استمع إلى الكلمات الأخيرة لقائدة طائرة قبل تحطمها ومقتل ركاب ...
- -كبار أقوياء-.. نتنياهو يفقد الأغلبية ويتهم الأحزاب العربية ...
- مصر تستعد للسيناريو الأسوأ بخطة حكومية لمواجهة تداعيات التصع ...
- ماتفيينكو: العالم ينتظر رسائل مهمة من اللقاء المحتمل بين بوت ...
- مشروبات الإلكتروليت تتصدر الترند.. هل تعالج الإرهاق أم تهدد ...
- الجامعة العربية تحذر من مساع إسرائيلية لتقسيم الصومال وتعزيز ...
- وزير الصحة الروسي: لا يوجد حتى الآن دواء شامل يطيل العمر
- الحرس الثوري الإيراني يعلن إحباط هجوم إرهابي ومقتل أحد منفذي ...
- في ذروة الحرب.. السودان يوجه تعهدا استثنائيا إلى مصر


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - الفكاهة السياسية ضمن فضاء المقاومة إبان عهد القذافي