أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - علم الاجتماع العربي بين الوعد المفقود والاثر السوسيولوجي















المزيد.....

علم الاجتماع العربي بين الوعد المفقود والاثر السوسيولوجي


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 12:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بادي ذي بدء، يبرز مفهوم وعد علم الاجتماع الذي صاغه ميلز كأداة ميكانيكية تفسر الأثر التحويلي المفترض للممارسة السوسيولوجية في رصد وتشخيص وتوجيه التحولات المجتمعية العربية بشتى مساراتها، تأسيسًا على ذلك، فإن هذا الوعد يدفعنا بالضرورة لمراجعة نقدية راديكالية لمدى تحقق الأثر السوسيولوجي في الواقع العربي الحالي؛ فضلًا عن مساءلة المجالات الهيكلية التي تربط الإنتاج المعرفي بصياغة وصناعة السياسات العامة، ومدى استعانة السلطة بالباحث السوسيولوجي في بناء الاستراتيجيات التنموية.
وفي سياق متصل، تتجاوز هذه المساءلة دائرة السلطة لتطال الفضاء العام؛ حيث يواجه المجتمع العربي اليوم موجات متلاطمةً مما أسماه زيجمونت باومان السيولة، وما وصفه آلان دينو بنظام التفاهة، أو ما حدده الطاهر لبيب بضياع المعنى، وهو ما أسميتُه بمتلازمة الهزال الفكري الناشئة بين ثالوث التفاهة واللامعنى والسيولة المعرفية.
ونتيجةً لهذا التداخل، تبرز فجوة معرفية واتصالية حادة؛ تتجلى في عجز علم الاجتماع العربي عن تبسيط أطروحاته النظرية وتوظيفها كتطعيمات فكرية ووقائية للمجتمع ضد هذه الظواهر الارتدادية. ومع هيمنة صنّاع الهزال الفكري والمؤثرين الرقميين على فضاءات التحول الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، يُلاحظ غياب شبه تام للخطاب السوسيولوجي الرصين، وانحسار أدوار باحثي وأساتذة علم الاجتماع في تقديم رؤى وتحليلات بديلة وقادرة على استقطاب الوعي الجمعي؛ الأمر الذي أوقع علم الاجتماع العربي في فخ ما أسماه عبد الكبير الخطيبي بالمعرفة المريحة، تلك المعرفة الوصفية الاستئناسية التي لا تشكل أي إرهاق معرفي أو مادي للباحث، وتبحث دومًا عن دوائر الظل والراحة، حيث بات الباحث حبيسًا داخل هذه الشرنقة.
تأسيسًا على ما تقدم، فإن هذه المراجعة النقدية تكشف أن الراهن السوسيولوجي العربي يقع بين معضلتين بنيويتين؛ الأولى تتمثل في انغلاق الإنتاج المعرفي المتخصص داخل قوالب تقليدية بعيدة عن السياقات الرقمية والمجتمعية الحية، وغياب تيار تواصل رصين يجسد مفهوم علم الاجتماع الشعبي. والثانية تتجسد في الغياب الهيكلي للجمعيات العلمية الإقليمية، وعلى رأسها الجمعية العربية لعلم الاجتماع التي خفت صوتها وتلاشى دورها الفاعل. ويعزى هذا الانكفاء سوسيولوجيًا ومؤسساتيًا إلى أزمة التمويل المستقل، وتشتت الجغرافيا السياسية العربية، وتحول بعض الكيانات الإقليمية المماثلة إلى واجهات بروتوكولية خاضعة للتوازنات السياسية على حساب الكفاءة العلمية، في وقت تشهد فيه جمعيات علم الاجتماع الدولية والإقليمية كالأمريكية، والفرنسية، والبريطانية، والآسيوية في الصين وكوريا، صعودًا ونشاطًا محوريًا في قيادة وتوجيه النقاشات العامة والسياسات الدولية، والمفارقة الكبرى هنا هي أن تلك المناقشات الدولية بعضها يُدار من قِبل باحثين عرب. وارتباطًا بهذه المفارقة، فإن هذا ما يدفعنا إلى القول بأن النقد الموجه لغياب الأثر التنموي لعلم الاجتماع في الوطن العربي لا ينطلق من التقليل من قيمة أو حجم الإنتاج المعرفي، بل من رصد الفجوة البنيوية التي تحول دون توظيف هذا الإنتاج لتحقيق وعد علم الاجتماع.
ومن هذا المنطلق، تتحدد المعضلة الأساسية التي تكمن في وجود عراقيل هيكلية مرتبطة بغياب الرغبة السياسية في إشراك الباحث السوسيولوجي في صناعة السياسات العامة أو منحه دورًا حرًّا في الفضاءات العامة؛ حيث يُقيد دور الباحث السوسيولوجي غالبًا في أطر وظيفية ضيقة واستشارات شكلية. ولكن، مع تسليمنا بوطأة هذه القيود السياسية والمؤسساتية كحجر عثرة أساسي، فإن الراهن السوسيولوجي المعاصر المستند إلى التحولات المجتمعية يفرض ضرورة البحث عن مسارات فاعلية بديلة، تتجاوز الانسداد المؤسساتي نحو أدوار بسيطة ومقبولة، لكنها ذات أثر تراكمي نافذ.
وفي هذا السياق، كان من الممكن للكيانات الإقليمية الممثلة في الجمعية العربية لعلم الاجتماع ـ لو حافظت على ديناميكيتها ـ أن تضطلع بأدوار مرنة تتناسب مع الهوامش المتاحة؛ ولعل أبرزها استثمار الفضاء الرقمي لمواجهة متلازمة الهزال الفكري. وفي المقابل، فإن التمدد المتسارع لمنصات التواصل الاجتماعي، وظاهرة الرواج المليوني للفيديوهات القصيرة القائمة على طرح أفكار سطحية ومفرغة من القيمة، يطرح تساؤلاً جوهرياً حول انكفاء أساتذة وباحثي علم الاجتماع عن هذا المجال. بيد أن الواقع يشهد ثمة تجارب ومبادرات فردية واعدة لبعض أساتذة علم الاجتماع أثبتت إمكانية صناعة محتوى رقمي رصين ومبسط يتخذ شكل تطعيمات فكرية واقية للمجتمع من تلك المتلازمة. بناءً على ذلك، نسارع إلى القول بأن هذا التحول من الخطاب النخبوي إلى التبسيط المعرفي الموجه للجمهور يمثل الممر الآمن والأكثر فاعلية لعلم الاجتماع العربي المعاصر لإعادة بناء شرعيته المجتمعية وتحقيق وعده الإنساني بعيدًا عن اشتراطات الرضا السياسي.
بيد أن هذا الطموح نحو تمكين وعد علم الاجتماع وتحقيق أثره التنموي يواجه معضلة إبستمولوجية ومؤسساتية؛ حيث تضغط المعايير الكمية الصارمة المفروضة في أنظمة الترقيات الأكاديمية العربية والتصنيفات الدولية على الباحث للاهتمام بمعدلات النشر المتسارعة، مما يدفعه نحو إنتاج معرفة مغتربة داخل أوعية نشر معزولة اجتماعيًا، لا يُنظر إليها إلا كأدوات وظيفية لاستيفاء شروط الترقي المعرفي. وتتجلى أبرز مظاهر هذا الاغتراب في الشروط المعيارية التي تفرضها المجلات العلمية المحكمة والمصنفة دوليًا؛ حيث يُطالب الباحث العربي غالبًا بتعديل الأطر التفسيرية لأبحاثه لتنسجم مع السياقات العولمية المجردة، مما يضطره أحيانًا إلى تهميش الخصوصيات المحلية لصالح النماذج التفسيرية الغربية السائدة.
وارتباطًا بهذا المنظور، فإن هذا التوجه المعياري يستدعي مقاربةً أكثر توازنًا لا تدعو إلى الانكفاء الإقليمي أو القومي، بل تطالب بالتوطين المعرفي؛ بحيث تُدرس الظاهرة المحلية بخصوصيتها العربية لإثراء أو دحض أو تعديل النظريات الكونية، بدلًا من الانخراط في هروب معرفي من المقاربات المحلية المعقدة التي قد تنطوي على مآزق مع السلطة السياسية. كما إن هذا التموقع يُحيلنا مباشرة إلى تعميم مقاربة سوسيولوجية ثلاثية الأبعاد لتوصيف حالة علم الاجتماع في الفضاء العربي كما تبدت في رصدي لواقع السوسيولوجيا في الجامعات الليبية، حيث بات الحقل المعرفي العربي محكومًا بثالوث: المادح، والهارب، والصامت:
• فئة المادح: وتمثل التيار الذي يسخر الأدوات السوسيولوجية لتبرير السياسات القائمة ومداهنة السلطة التنفيذية للحصول على الحظوة والمكتسبات المادية والمعنوية.
• فئة الهارب: وتشمل الباحثين الذين هربوا نحو القضايا المريحة، مثل موضوعات نظرية مجردة أو قضايا العولمة البعيدة تمامًا عن السياقات والهموم المجتمعية المحلية تفاديًا للمساءلة.
• فئة الصامت: وتضم الباحثين الذين آثروا العزلة المعرفية والانكفاء على التدريس التقليدي دون الاشتباك في أي قضايا تهم الفضاء العام.
ونتيجةً لذلك، فإن تفكيك هذا الثالوث يكشف أن أزمة عدم تحقق وعد علم الاجتماع في المنطقة العربية هي أزمة تموقع أخلاقي وإبستمولوجي للسوسيولوجيا العربية، التي تأرجحت بين الاستقطاب السياسي، والهروب المعولم، والصمت السلبي، مما أعاق تحول علم الاجتماع إلى قوة نقدية وإصلاحية فاعلة في مجتمعاتها.
وتأسيسًا على ما تقدم، يفرض التحول المتسارع في بنية الاتصال الحديث إعادة النظر في الفضاءات التي يتشكل عبرها وعي المجتمعات وإدراكها للواقع الحاضر؛ حيث غدت منصات التواصل الاجتماعي سياقًا هيكليًا ومحوريًا في صياغة الوعي الجمعي وإعادة إنتاج القيم. وهذا التحول البنيوي المهم يستدعي تدخلات عاجلة ومنهجية من قِبل أساتذة وباحثي علم الاجتماع عبر الفضاء الرقمي، من خلال صياغة واضحة لعلم الاجتماع الشعبي الرقمي، وهو توجه يعني توظيف الاستعارات السوسيولوجية اليومية وإعادة إنتاج المفاهيم والنظريات المعقدة عبر قوالب بصرية وموجزة تفكك الظاهرة المعيشة من نبض الواقع صعودًا نحو التجريد المدروس؛ لتمكينهم من تحقيق وعد علم الاجتماع بشكل أعمق، وامتلاك الجرأة على النبش في التابوهات، واختراق دوائر الظل، وصناعة الأدلة الميدانية الصلبة من رحم البيئات المأزومة والهشة، أي تبني سوسيولوجيا الاشتباك .
إن هذه الفاعلية الرقمية المأمولة تبدأ بالضرورة من خلال عقلنة العلاقة مع السلطة عبر تقليص جرعات المديح الوظيفي وحصرها في حدود الأطر التنموية المقبولة علميًا، بالتوازي مع العمل على توحيد المقاييس الذهنية والمعيارية حول القيم الاجتماعية والأخلاقية الكبرى التي تحمي المجتمع من التفكك والتسطيح.
وبناءً على ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى صياغة دور أكثر ديناميكية وفاعلية للجمعية العربية لعلم الاجتماع، من خلال إصلاحات هيكلية تعيد ربط استراتيجياتها مباشرةً بهذه السياقات الرقمية؛ بحيث تتحول إلى منصة ريادية تدعم الباحثين في تبسيط المعرفة وتوجيهها لتمنيع الفضاء العام وتحصينه ضد متلازمة الهزال الفكري.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحن بحاجة إلى ليبية التطوير والتحصين: نقد لأوهام الرتق الجزئ ...
- ديناميكيات الاحتجاجات الشبكية لجيل زد: من التعبئة الخوارزمية ...
- الجامعات الليبية بين سراب التصنيفات الدولية وأولويات غائبة ف ...
- الذكاء الاصطناعي وتحولات البحث السوسيولوجي: نحو سوسيولوجيا خ ...
- أثر مخرجات التعليم في السلوك الاحتجاجي الطلابي : قراءة سوسيو ...
- قياس الأثر في الجامعات العربية: من المنهجية الواحدة إلى مرون ...
- وهم تصنيف ستانفورد: لماذا تحتاج العلوم الاجتماعية في العالم ...
- الذكاء الاصطناعي تسونامي معرفي: مقاربة سوسيولوجية في الإكراه ...
- هل الجامعات العربية مستعدة لجامعات المستقبل؟
- 7 أكتوبر بين الاختزال النفسي والزلزال الجيوسياسي: مراجعة فكر ...
- غابات المشكلات وبذور التحول المؤجل
- كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟
- المناهج التعليمية في ليبيا بين وهم الجودة وسوسيولوجيا التشظي ...
- اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم ...
- ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2 ...
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...
- الجودة والاعتماد في المؤسسات التعليمية الليبية : الإشكاليات، ...


المزيد.....




- أزياء نانسي عجرم في حفل بدبي.. روح الروك ولمسات -كوتور- عصري ...
- -تبدو بحال يرثى لها-.. ترامب يهاجم صحفيًا بعد سؤاله عن صحته ...
- فستان جريء وحذاء غير تقليدي.. هكذا أطلّت تشارليز ثيرون في لو ...
- قبيل انطلاق العملية الإنسانية.. وصول 50 مراسلا أجنبيا إلى أل ...
- لابيد: فزنا -بالنقاط لا بالضربة القاضية-.. ومهمة تشكيل الحكو ...
- ملحمة سيفاستوبول.. 250 يوما من الصمود
- تنزانيا وأنغولا تتفقان على ربط ممرّي المحيطين الهندي والأطلس ...
- تقارير: واشنطن تنقل 10 طائرات لإسرائيل استعدادا للهجوم على إ ...
- بيسكوف يجيب عن سؤال حول تصرف بوتين في حال اتصل به زيلينسكي و ...
- الأمن الروسي يعتقل شابا في سيفاستوبول بتهمة الخيانة العظمى


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - علم الاجتماع العربي بين الوعد المفقود والاثر السوسيولوجي