أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - حين يُسحب المايكروفون من العالم.. وتُمنح الأضواء للسياسي!














المزيد.....

حين يُسحب المايكروفون من العالم.. وتُمنح الأضواء للسياسي!


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 17:24
المحور: الصحافة والاعلام
    


ليست كل الوقائع التي تحدث في أروقة المؤتمرات العلمية عابرة، وليست كل التفاصيل الصغيرة التي قد يتعامل معها البعض بوصفها مجرد تصرفات تنظيمية تستحق الصمت والتجاهل. فبعض المشاهد تختصر أزمة أعمق تتعلق بثقافة المؤسسات، واحترافية الإعلام، واختلال ترتيب الأولويات في فضاء يفترض أن تكون المعرفة فيه هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة.
ما حدث مع البروفيسور الدكتور سلمان الرواف، العالم العراقي الذي راكم تجربة علمية وإدارية وأكاديمية استثنائية في بريطانيا، حين جرى سحب المايكروفونات من أمامه عقب إلقاء وزير التعليم العالي والبحث العلمي كلمته، مشهد يستحق التوقف عنده طويلاً، ليس دفاعاً عن شخص بعينه، وإنما دفاعاً عن قيمة العلم ومكانة العلماء، وعن المعنى الحقيقي للمؤتمر العلمي.
نحن نتحدث عن شخصية أكاديمية ليست طارئة على ميادين المعرفة، ولا ضيفاً جاء ليملأ مقعداً في قاعة احتفالية. نحن أمام بروفيسور يمتلك تجربة طويلة في إدارة وتطوير الخدمات الصحية البريطانية، إذ تولى مسؤوليات تنفيذية في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، وعمل مديراً للصحة في لندن، إلى جانب موقعه الأكاديمي أستاذاً للصحة العامة في إمبريال كوليدج لندن، فضلاً عن رصيد علمي يتجاوز ستمائة بحث ودراسة. هذه ليست سيرة عابرة، بل تجربة إنسانية وعلمية كان يفترض أن تكون محور اهتمام الإعلاميين، وأن تحظى بما تستحقه من إنصات وأسئلة وحوار.
لقد حضر الرجل ليتحدث عن ضرورة تطوير المناهج التعليمية، وعن أهمية جعلها منسجمة مع التحولات العلمية والتخصصية المتسارعة، أي إنه جاء حاملاً خلاصة تجربة دولية يمكن أن تفتح نوافذ واسعة أمام مؤسساتنا التعليمية، وتضع أمامها أسئلة جوهرية عن مستقبل التعليم ومناهجه ومخرجاته. لكن، ويا للمفارقة، يبدو أن المايكروفونات كانت أكثر اهتماماً بالكلمة السياسية منها بالمعرفة العلمية التي جاء المؤتمر من أجلها!
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
إن بعض من يمارسون العمل الإعلامي في المؤتمرات العلمية ما زالوا يخلطون بين قيمة المنصب وقيمة الفكرة، وبين حضور المسؤول وأهمية العالم، وكأن الإعلام تحول في بعض المناسبات إلى طابور من المجاملات، تتجه فيه العدسات والميكروفونات نحو الشخصية السياسية، بينما يُترك أصحاب الخبرة والاختصاص في الهامش. إنهم يحتفون بالمسؤول لأنه مسؤول، لا بما يقوله أو يقدمه، ويبحثون عن تصريح عابر أو صورة تذكارية، أكثر مما يبحثون عن معلومة رصينة أو فكرة قادرة على إحداث تغيير.
والأكثر إيلاماً أن بعض هذه الممارسات لا يمكن تفسيرها دائماً بضعف التقدير أو غياب المهنية وحدهما، إذ تثير أحياناً تساؤلات عن المصالح الشخصية والمجاملات والعلاقات التي قد تجعل بعض اللقاءات الإعلامية وسيلة للتقرب من أصحاب النفوذ، بدلاً من أن تكون ممارسة مهنية غايتها نقل الحقيقة وإضاءة الأفكار ومساءلة أصحاب القرار.
إن الإعلامي الذي يدخل مؤتمراً علمياً ينبغي أن يعرف لماذا عُقد المؤتمر، ومن هم أصحاب الاختصاص فيه، وما الأفكار التي يناقشها، وما الذي يمكن أن يضيفه المتحدثون إلى المجتمع. فليس دوره أن يتحول إلى مرافق إعلامي للمسؤول، ولا أن يتعامل مع حضوره بوصفه الحدث الأهم لمجرد أنه يحمل لقباً سياسياً أو منصباً تنفيذياً. بل إن مسؤوليته المهنية تقتضي أن يمنح العالم حقه، وأن يذهب إلى جوهر الموضوع، وأن يدرك أن قيمة المؤتمر لا تقاس بعدد الصور التي يظهر فيها المسؤول، وإنما بحجم المعرفة التي يخرج بها المجتمع.
وليس في هذا النقد انتقاص من مكانة وزير أو مسؤول، فالمناصب الرسمية لها احترامها، والكلمات الافتتاحية جزء من تقاليد المؤتمرات، لكن الاحترام لا يعني مصادرة المساحة المخصصة للعلماء، ولا تحويل المنصة العلمية إلى منصة بروتوكولية، ولا جعل أصحاب التجارب البحثية في مرتبة تالية لمن حضر لافتتاح المؤتمر أو إلقاء كلمة فيه.
إنها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة تنظيم، وأزمة فهم لرسالة الإعلام قبل أن تكون مشكلة ميكروفون سُحب من أمام متحدث. فالميكروفون هنا ليس قطعة من معدات الصوت، بل رمز للمساحة التي ينبغي أن تُمنح للفكرة، وللحق في التعبير، وللمعرفة التي يحتاج إليها المجتمع.
كم نحن بحاجة إلى إعلاميين يدركون أن العالم الذي يحمل ستمائة بحث علمي ليس أقل أهمية من مسؤول يحمل حقيبة وزارية، وأن التجربة العلمية المتراكمة لا ينبغي أن تتراجع أمام بريق المنصب، وأن المؤتمرات التي تُعقد باسم العلم لا يجوز أن تتحول إلى مناسبات لاستعراض النفوذ وتبادل المجاملات.
إن الأمم التي تحترم مستقبلها تفتح الميكروفونات لعقولها، وتصغي إلى علمائها، وتمنح أصحاب الخبرة مكانتهم، لا أن تسارع إلى إطفاء أصواتهم بمجرد انتهاء الكلمة الرسمية.
فالمؤسف ليس أن يُسحب المايكروفون من أمام عالم بحجم سلمان الرواف فحسب، بل أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها صوت المنصب أعلى من صوت المعرفة، وتصبح المجاملة أكثر حضوراً من المهنية، ويغدو العالم ضيفاً ثانوياً في مؤتمر يفترض أن يكون العلم سيده.
وحين يحدث ذلك، لا نكون قد أسأنا إلى عالم واحد، بل نكون قد أسأنا إلى قيمة العلم نفسها.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد آخر توقيع... تبدأ عزلة العمر
- غرور العشرين... وحكمة الستين
- هكذا نموت... ولا تكتمل صورتنا
- آخر معاقل العافية
- صرخة كاتب
- لقد كبرتُ أكثر مما ينبغي
- وصية
- صولة الفجر.. هل هي حرب على الفساد أم إعادة تدوير للخداع؟
- حين عجزت الأرض… تكفّلت السماء
- أنا الذي لم أعد أنا
- على انقاض الخيبة يقف الكبرياء
- التعليم الذي انتهت صلاحيته
- عشقت كل النساء لأجلك ..
- اسألوا كبار السن عن الحب
- أوجاعٌ تحت الحصار
- حكمة الابواب المغلقة
- أجملُ ما اقترفتهُ المصادفة
- انا الخراب الوحيد
- وجع العمر الأخير
- اريد ذكرى دافئة .. لا مجلس عزاء


المزيد.....




- -ليس معاداة للمسلمين-.. نائبة ديمقراطية تدعم المنافس الجمهور ...
- تل أبيب تستعرض صور المقاتلات الحربية وطائرات التزود بالوقود ...
- زاخاروفا تعلق على الأزمة الدستورية في بولندا
- حزب -الليكود- بزعامة نتنياهو يهاجم إيزنكوت وشركاءه وبينيت يع ...
- ترامب يتوعد باستخدام الفيتو ضد مشاريع الديمقراطيين في حال سي ...
- ميركل تحذر من محاولات إحداث انقسام في المجتمع الألماني
- دعوات في إيران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي تصل قب ...
- صراع توسيع الشراكات بين نتنياهو وآيزنكوت
- القناة 12: ترامب ونتنياهو يبحثان المفاوضات مع إيران في محادث ...
- تحذيرات صحية وشتاء قاس يثيران سخط سكان كييف


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - حين يُسحب المايكروفون من العالم.. وتُمنح الأضواء للسياسي!