عماد الطيب
كاتب
الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 06:44
المحور:
سيرة ذاتية
كلُّ شيءٍ بخير… إلا أنا.
أنا الكارثةُ الوحيدة التي نجت من نفسها بصعوبة. أنا التعبُ الذي لا ينام، والحزنُ الذي كبر حتى صار وطناً كاملاً في صدري.
العيدُ جاء… وأنا ما زلتُ عالقاً في آخرِ ليلةٍ انهزمتُ فيها ولم يشعر بي أحد.
الناسُ يضحكون، الشوارعُ مزدحمة، الأطفالُ يركضون خلف الفرح، والأغاني ترتفع من البيوت كأن الدنيا بخير فعلًا… إلا أنا، أقفُ في زاويةِ العمر كشيءٍ زائدٍ عن الحاجة، كروحٍ نسيتها الحياة خلفها ومضت.
أقسمُ أنني تعبت.
تعبتُ من تمثيلِ دور الإنسان القوي، من قول: "أنا بخير" بينما الخرابُ يأكلني من الداخل كالنار. تعبتُ من إخفاءِ هذا الحزن الذي صار أوضح من وجهي، وأثقل من أيامي، وأقدم من قدرتي على الاحتمال.
أيُّ عيدٍ هذا وأنا أشعر أنني جثةٌ تؤدي واجباتها الاجتماعية؟ أيُّ فرحٍ هذا وأنا بالكاد أستطيع حمل قلبي؟
أشتاقُ لنفسي… تلك النسخة القديمة مني، التي كانت تضحك بعفوية، وتحلم بلا خوف، وتنام دون أن يوقظها القلق في منتصف الليل.
أين اختفيتُ؟ ومتى تحولتُ إلى هذا الإنسان البارد المتعب الذي يخاف من الكلام لأن داخله مليءٌ بالصراخ؟
أنا لا أريد عيداً… أريدُ روحاً جديدة. أريدُ قلباً لا يرتجف كلما تذكر ما خسره. أريدُ يوماً واحداً لا أشعر فيه أنني مهزوم.
كم مرةً بكيتُ بصمت حتى صار الصمتُ مهنتي؟ وكم مرةً ابتلعتُ الكلام لأن لا أحد كان مستعداً لسماع الحقيقة؟
الحقيقة أنني لستُ بخير. ولم أكن بخير منذ وقتٍ طويل.
أنا مجردُ إنسان أكلته الخيبات ببطء، حتى لم يبقَ منه إلا هذا الوجه الهادئ الذي يخدع الجميع.
في داخلي حربٌ كاملة، مدنٌ محترقة، وأمنياتٌ مقتولة، وطفلٌ صغير ما زال ينتظرُ شخصاً يأتي لينقذه، ولا أحد يأتي.
يا الله… كم يبدو الأمرُ مرعباً حين يعتاد الإنسانُ حزنه إلى درجة أنه لا يعود يعرف نفسه من دونه.
العيدُ هذه المرة ليس سوى تذكيرٍ قاسٍ بأنني وحيد، وأن كلَّ الذين وعدوني بالبقاء تركوا قلبي ورحلوا.
أرثي نفسي، لأنها حاولت كثيراً. لأنها صبرت أكثر مما ينبغي. لأنها كانت دائماً الطرف الذي يخسر في النهاية.
وأبكيها… لأنها لم تجد أحداً يقول لها: "كفى… تعالَ وارمِ هذا الحزن عن كتفيك."
كلُّ شيءٍ بخير… إلا روحي، فهي متعبةٌ إلى حدٍّ لا تصفه الكلمات، وحزينةٌ إلى درجة أن العيد نفسه يمرُّ عليها كذكرى جنازة.
#عماد_الطيب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟