أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - الألم في مهنة المتاعب














المزيد.....

الألم في مهنة المتاعب


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 01:45
المحور: الصحافة والاعلام
    


لم يكن تشخيص الطبيب مفاجئاً بقدر ما كان صريحاً إلى حد القسوة؛ قلبٌ أنهكه التوتر، وذاكرةٌ مثقلةٌ بقلقٍ مزمن، وجسدٌ لم يعد قادراً على مجاراة إيقاع مهنةٍ لا تعرف التهدئة. لكن المفارقة أن هذا “المرض” لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاج علاقة طويلة ومتشعبة بين الصحفي ومهنته، علاقة تبدأ بالشغف وتنتهي غالباً بالاستنزاف.
في مهنة الصحافة، لا يكون القلب مجرد عضوٍ بيولوجي يضخ الدم، بل يتحول إلى غرفة أخبارٍ مصغّرة، تستقبل النبضات كما تستقبل الوقائع، وتتعامل مع كل خبر بوصفه حدثاً داخلياً لا مجرد مادة للنشر. ومع تراكم الأحداث، يصبح الجسد ساحةً لتقاطع الضغوط: ضغط الزمن، ضغط الحقيقة، ضغط السبق، وضغط الضمير.
الصحفي لا يكتب فقط، بل يعيش ما يكتب. كل جملةٍ هي انفعال، وكل فقرةٍ هي انخراط عاطفي، وكل تقريرٍ هو اشتباك مع الواقع. ولهذا فإن التوتر لا يكون عرضاً طارئاً، بل جزءاً بنيوياً من المهنة. حين يقول الطبيب “خذ قسطاً وافراً من الراحة”، فهو يتحدث بلغة الجسد، بينما يعيش الصحفي بلغة المعنى، والمعنى لا يهدأ.
الراحة في الصحافة ليست غياب العمل، بل غياب الحدث، وهذا مستحيل. فالعالم لا يتوقف، والحروب لا تنتظر، والناس لا تكف عن إنتاج القصص. وهنا يتشكل التناقض الجوهري: كيف يمكن للصحفي أن ينجو بصحته في مهنةٍ تقوم على ملاحقة القلق؟ وكيف يمكن للقلب أن يستقر وهو معتادٌ على الارتجاف مع كل خبر عاجل؟
إن ما يكشفه هذا الحوار مع الطبيب ليس مجرد حالة فردية، بل ظاهرة أوسع تتعلق بطبيعة العمل الصحفي في زمنٍ متسارع. فالمشكلة لا تكمن فقط في الجهد، بل في الإحساس الدائم بالمسؤولية، ذلك الإحساس الذي يجعل الصحفي في حالة تأهبٍ نفسي مستمر، كأنه يعيش على حافة حدثٍ لم يقع بعد.
الأدوية التي تُصرف لتنظيم ضربات القلب قد تنجح في تهدئة الإيقاع الجسدي، لكنها تعجز عن تهدئة الإيقاع المهني. فكيف يمكن لحبوبٍ صغيرة أن تُقنع عقلاً اعتاد الركض خلف الحقيقة أن يتوقف؟ وكيف يمكن لمسكنٍ أن يُخدر شغفاً تشكل عبر سنوات من اللهاث خلف التفاصيل؟
ربما تكمن الإجابة في إعادة تعريف العلاقة مع المهنة، لا في الهروب منها. فبدلاً من أن يكون الصحفي أسيراً لإيقاع العمل، يمكنه أن يحاول خلق مسافةٍ واعية بينه وبين الحدث، مسافة لا تُفقده حسه المهني، لكنها تحميه من الاحتراق الداخلي. إنها معادلة صعبة، لكنها ضرورية.
في النهاية، الصحافة ليست مجرد مهنة متاعب، بل مهنة حياة. لكنها حين تتحول إلى نمطٍ وجودي يبتلع الجسد، يصبح من الضروري التوقف لا لتركها، بل لإنقاذ القدرة على الاستمرار فيها. فالقلب الذي يضطرب مع كل جملة، يحتاج أحياناً إلى أن يصمت قليلاً، لا ليكف عن النبض، بل ليعيد ترتيب إيقاعه… قبل أن يتحول الخبر الأخير إلى خبرٍ شخصي.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مفارقة السرد العسكري: بين إسقاط الطائرة وإنقاذ الطيار
- شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات
- برودة الوداع
- ذاكرة متأخرة
- حين يذبل العمر ويبقى العطر
- بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة
- عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع
- بين الحلم والبندقية: سيرة عشقٍ لا ينجو من قدره
- انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى
- وطنٌ يتقاسمه الجراح ويُحاصرُهُ
- ظلٌّ في زاوية المكان
- ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة
- بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك
- طيف عابر المسافات
- أحبكِ كما يليق بالخسارات الكبيرة
- ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا


المزيد.....




- ستارمر يكشف عن ما بحثه هاتفيا مع ترامب بشأن دول الخليج وإيرا ...
- ترامب يتهم إيران بـ- ابتزاز العالم- ويهدد بشن هجمات جديدة ضد ...
- من هي الأسماء الأمريكية والإيرانية التي ستشارك في مفاوضات إس ...
- كيف ينظر الإسرائيليون إلى وقف إطلاق النار مع إيران؟
- هكذا تنظر الصين إلى مفاوضات باكستان بشأن حرب إيران
- كاتب ببلومبيرغ: إيران تلقِّن ترمب درسا قاسيا لكنه لن يتعلم أ ...
- لوّح به ترمب.. ماذا يعني سحب القوات الأمريكية من أوروبا؟
- الجيش الكويتي يعلن تدمير 7 مسيّرات بآخر 24 ساعة.. وبيان للحر ...
- إسرائيل: صاروخ من حزب الله ينطلق من لبنان ويصيب صفد ويجرح عد ...
- إيران تربط المفاوضات بلبنان والأصول المجمّدة.. وترامب: سنمزّ ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - الألم في مهنة المتاعب