أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك














المزيد.....

بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 14:00
المحور: الادب والفن
    


كلما هممتُ أن أضع في نهاية السطر نقطةً وأقول: انتهى، أجدني أقف عاجزاً أمام دهشةٍ قديمة تتجدّد. ليست المسألة مسألة كلماتٍ تتمنّع عن الطاعة، بل حكاية قلبٍ يرفض أن يعلن استسلامه، وروحٍ ما زالت ترى في الكتابة شكلاً من أشكال النجاة. كأن الحروف، في حضرتكِ ، لا تعترف بالنهايات، ولا تؤمن بالختام، بل تُصرّ على أن تكون بدايةً أخرى، أكثر عمقاً، وأكثر انكشافاً.
أحاول كثيراً أن أكتبكِ بوصفكِ ذكرى، فأكتشف أنك ما زلتِ حضوراً. أضعك في خانة الماضي، فتخرجين منها بهدوءٍ مدهش، وتجلسين في تفاصيل يومي، في قهوتي الصباحية، في صمتي الطويل، في تلك اللحظة التي أحدّق فيها في الفراغ وكأنني أبحث عن وجهك بين المسافات. أنتِ لا تشبهين فكرةً عابرة، ولا سطراً عاطفياً يمكن تجاوزه، بل تشبهين سؤالاً مفتوحاً، كلما ظننت أنني اقتربتُ من إجابته، ازداد اتساعه.
الكتابة عنكِ ليست ترفاً لغوياً، ولا نزوة شاعرٍ يبحث عن استعارة جديدة. إنها حالة وجودية، أشبه باعترافٍ مؤجل، أو صلاةٍ سرّية أؤديها دون أن يلحظني أحد. أكتب لأنني أخشى الصمت، وأخشى أكثر أن يفضحني الصمت. ففي الصمت، تتكاثر صورتك، وتعلو نبرة حضورك، حتى يصبح السكوت ضجيجاً لا يُحتمل.
كنت أظن أن النقطة في نهاية الجملة إعلان نضج، أو علامة اكتمال، لكنني تعلّمت معكِ أن بعض الجمل لا تكتمل، وبعض القصص خُلقت لتبقى ناقصة، لا نقصاً في معناها، بل وفرةً في شعورها. معكِ، تتحوّل النقطة إلى فاصلة، والفاصلة إلى نفسٍ طويل، والنفس الطويل إلى شوقٍ لا يعرف كيف يتوقّف.
أنتِ لستِ امرأةً في نصّ، بل حالة تعيد ترتيب اللغة داخلي. بسببك تغيّر شكل الحروف في عيني، وصار للكلمات وزنٌ مختلف، ورائحة مختلفة، ووجع مختلف. حتى أبسط المفردات، حين تمرّ بقرب اسمكِ، تكتسب مسحة من الحنين، وكأنها خرجت لتوّها من قلبٍ متعب.
كل محاولة لإنهائك تشبه محاولة إقناع البحر أن يتخلّى عن موجه، أو إقناع الليل أن ينسى عتمته. أنتِ جزء من بنيتي الداخلية، من ذلك الركن الخفي الذي لا أزوره إلا حين أكون في أقصى حالات الصدق مع نفسي. هناك، أجلس مع صورتك، بلا أقنعة، بلا ادّعاء قوة، وأعترف بأنني ما زلت أكتب لأنك ما زلتِ تسكنينني.
لستُ حزيناً بالمعنى التقليدي للحزن، ولستُ سعيداً بالمعنى الواضح للسعادة. أنا في منطقة رمادية، تشبه الوقوف بين رغبة النسيان وعجزه، بين قرار الرحيل وحنين البقاء. وهذه المنطقة، على قسوتها، صارت وطني المؤقت، لأنكِ تقيمين فيها.
ربما كان قدري أن أظل أضع نقطة النهاية كل مرة، ثم أعود فأمحوها. ليس لأنني متردّد، بل لأن بعض القلوب لا تُجيد الوداع، وبعض العلاقات لا تنتهي، حتى لو انتهت في الواقع. إنها تبقى حيّة في اللغة، في الذاكرة، وفي تلك المسافة الغامضة بين ما كان وما كان يجب أن يكون.
هكذا أكتبكِ اليوم، لا لأستعيدكِ، ولا لأقنعكِ بشيء، بل لأحافظ على توازني الهش. أكتبكِ لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها أن أتنفّس دون أن ينهار صدري. أكتبكِ لأنكِ الحقيقة التي لم أستطع إنكارها، حتى وأنا أزعم العكس.
وفي كل مرة أصل فيها إلى نهاية السطر، وأمدّ يدي نحو النقطة، أعرف مسبقاً أنني سأخون قراري. ستعود حروفي، كما اعتادت، لتكتبكِ من جديد. لا عناداً، بل حبّاً. لا ضعفاً، بل وفاءً لذاكرةٍ ما زالت ترى فيكِ أجمل ما كُتب… وأصعب ما يُنسى.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طيف عابر المسافات
- أحبكِ كما يليق بالخسارات الكبيرة
- ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق
- وهم الكتابة
- عودة الى المربع الأول
- ماراثون الحكومة مع الرواتب… إدارة تلهث وشعب ينتظر
- كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الر ...
- الشيب بوصفه سيرة خفية للألم
- وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسان ...
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية
- اختلال المعايير الوطنية في العراق
- تعالي… قبل أن أتعافى منك


المزيد.....




- اختتام فعاليات ملتقى -زمن الأبطال- للأفلام الوثائقية في عمّا ...
- -واحد من الجمهور-.. مسرحية تنبثق من رحم الشارع الجزائري
- باراماونت تحول لعبة سايبربانك 2077 إلى فيلم سينمائي
- آن كارسون: شاعرة كندية -جريئة ومبتكرة- تفوز بجائزة نوبل في ا ...
- -زمن الأبطال- يناقش تحويل قصص الواقع إلى أعمال سينمائية
- تنويه خاص لفيلم فلسطيني و-نينا روزا- يفوز بجائزة مهرجان فانك ...
- وفاة نانا باتيكار.. أحد أبرز وجوه السينما الهندية عن 75 عاما ...
- مسرحية -سلمى حبي أنا-: عندما نعتقد أن الكارثة لن تطالنا...
- أخلاقيات صناعة الأفلام في ورشة متخصصة ضمن -زمن الأبطال-
- بن أفليك ومات ديمون يعودان إلى البدايات بصندوق للسينما المست ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك