أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - اختلال المعايير الوطنية في العراق














المزيد.....

اختلال المعايير الوطنية في العراق


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 21:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في هذا البلد الذي اسمه العراق، ثمة مفارقة لا تحتاج إلى بحث أكاديمي ولا إلى تقارير دولية لتثبت وجودها؛ يكفي أن تفتح نافذة المشهد العام، أو تصغي إلى ضجيج المنابر، لتكتشف أن الخيانة صارت مهنة علنية، وأن العمالة باتت سلوكًا واثقًا لا يعرف الخجل.
الخائن هنا لا يهمس، بل يتكلم بصوت مرتفع. لا يختبئ، بل يتقدم الصفوف. لا يشعر بالحاجة إلى التبرير، لأن المناخ العام تكفل بتطبيع فعلته حتى غدت رأيًا، وربما “وجهة نظر”. يتبجح أمام الملأ، يتنقل بين المنصات، يوزع الاتهامات يمينًا ويسارًا، ويمنح نفسه صكوك الوطنية وكأنه المالك الحصري لها. يبتسم بثقة، لأن أحدًا لم يسأله يومًا: من أين جئت؟ ولمن تعمل؟ ولماذا تقول هذا الآن؟
في المقابل، يقف الوطني الشريف على الهامش. لا لضعف في الحجة، بل لفرط في الخوف. لا لغياب الموقف، بل لكثرة الشهود. يعرف أن الوطنية في هذا الزمن تهمة، وأن النزاهة عبء، وأن الصمت أحيانًا أهون من أن تُحسب عليه كلمة قد تجرّه إلى مساءلة لا تنتهي. ينزوي في زوايا ميتة من الحياة العامة، لا لأنه لا يريد الكلام، بل لأنه يعرف ثمنه جيدًا.
السخرية المؤلمة أن المعادلة انقلبت: الخائن يتهمك بالعمالة، والعميل يزايد عليك في حب الوطن، أما الشريف فيُطلب منه دائمًا أن يثبت براءته، وكأن الوطنية جريمة تحتاج إلى دفاع. هنا لا يُكافأ الصدق، بل يُعاقب، ولا يُحتفى بالموقف، بل يُحاصر.
المشهد لا يخلو من شهود، والجميع يعرف الحقيقة، لكنهم يتصرفون كما لو أن الذاكرة الوطنية مثقوبة، وكأن الخيانة لا سجل لها، ولا تاريخ، ولا آثار. يتم إعادة تدوير الوجوه، وتلميع الخطاب، وتبديل الشعارات، بينما الجوهر واحد: الإفلات من المحاسبة، وشيطنة كل من يرفض السير في القطيع.
في العراق، لا يخاف الخائن لأنه محمي بالصمت العام، ولا يتوارى العميل لأنه مطمئن إلى هشاشة المعايير. أما الوطني، فيخاف لا لأنه جبان، بل لأنه وحيد. يعرف أن الوقوف مستقيمًا في زمن الانحناء فعل مكلف، وأن الشهادة للحقيقة قد تتحول إلى حكم بالإقصاء.
هذه ليست شكوى، بل توصيف ساخر لواقع يعرفه الجميع، ويتجنبون تسميته. واقع تصبح فيه الجرأة مرادفًا للوقاحة، وتغدو الوطنية عبئًا أخلاقيًا لا يحتمله إلا من قرر أن يدفع ثمنها بصمت. وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا بلا إجابة: متى يصبح الخائن خائفًا، والوطني مطمئنًا؟
سؤال لا يحتاج إلى أسماء، لأن الشهود كُثر، والوقائع أوضح من أن تُنكر.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعالي… قبل أن أتعافى منك
- ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء


المزيد.....




- مصر.. الداخلية تكشف حقيقة فيديو بتعدي أفراد شرطة على شخص بمس ...
- موبي ديك: رواية القرن التاسع عشر التي تحدت خوف الإنسان من ال ...
- سوريا تدين ضربة إسرائيلية قرب بيت جن وسط تصاعد التوتر بين إس ...
- محمد بن سلمان في باريس: شراكة تتجاوز العلاقات الثنائية في زم ...
- تقرير فرنسي: المغرب طلب مروحيات -كاراكال- وطلبياته الدفاعية ...
- فيليبو: وقف الدعم الفرنسي قد يعجل برحيل زيلينسكي
- مسلحون ينفذون أكثر من 30 هجوما في جنوب تايلاند (فيديو)
- مرشحة رئاسية أمريكية: زيارة أعضاء الكونغرس إلى روسيا ستساعد ...
- بيانات تكشف قفزة قياسية في الدين الخارجي لأوكرانيا منذ 2013 ...
- استخدام الهاتف واللاب توب لساعات طويلة.. 5 نصائح تحميك من آل ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - اختلال المعايير الوطنية في العراق