أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عماد الطيب - المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن














المزيد.....

المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 22:58
المحور: قضايا ثقافية
    


لم تكن خصومة الحكومة مع المثقف وليدة اللحظة، ولا يمكن اختزالها في إجراء إداري أو تأخير منحة، كما هو حاصل اليوم مع منحة المثقف العراقي التي يفترض أن تُعدّ حقاً مشروعاً لا منّة فيه. ما يجري ليس تفصيلاً عابراً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من القطيعة المتراكمة بين السلطة والمثقف، قطيعة لها جذور عميقة في بنية الحكم ونظرته إلى المعرفة والنقد.
تاريخياً، تنظر السلطات المتعاقبة إلى المثقف بوصفه عنصراً مقلقاً لا شريكاً في البناء. فالمثقف بطبيعته يمارس السؤال، ويعيد تفكيك المسلّمات، ويضع السلطة تحت مجهر النقد، وهي وظيفة تتعارض جوهرياً مع عقلية الحكم التي تفضّل الطاعة على التفكير، والتبرير على المحاسبة. لهذا كان المثقف، في أغلب المراحل، إما مُهمَّشاً أو مُلاحقاً أو مُستأنساً داخل مؤسسات رسمية تُفرغ دوره من مضمونه.
في العراق، تتجلى هذه الخصومة بوضوح عبر شواهد لا يمكن إنكارها. من التضييق على حرية التعبير في حقب سابقة، إلى عسكرة الثقافة وتسخيرها للدعاية السياسية، وصولاً إلى مرحلة ما بعد 2003 حيث كان يُفترض أن يستعيد المثقف مكانته الطبيعية في الفضاء العام. غير أن الواقع كشف عن استمرار النظرة ذاتها ولكن بأدوات مختلفة: إهمال، تسويف، ووعود لا تتحقق. ومنحة المثقف مثال صارخ على ذلك؛ فهي تُطرح إعلامياً بوصفها دعماً للثقافة، لكنها عملياً تُدار بعقلية بيروقراطية تُهين القيمة المعنوية للمثقف قبل أن تمسّ وضعه المعيشي.
اللافت أن هذا التجاهل يحدث في بلد يعاني أزمات مركبة: سياسية، اجتماعية، واقتصادية. وفي مثل هذه الظروف، تكون الحاجة إلى المثقف أشد من أي وقت مضى، لا بوصفه كاتباً أو شاعراً او صحفيا او فنانا فحسب، بل كفاعل نقدي قادر على تشخيص الخلل، وطرح الأسئلة المؤلمة، والمساهمة في إنتاج وعي جمعي يحصّن المجتمع من الانهيار. لكن السلطة، بدلاً من استثمار هذا الدور، تتعامل معه كعبء أو ترف يمكن الاستغناء عنه.
الشاهد الآخر على عمق هذه الخصومة يتمثل في غياب السياسات الثقافية الواضحة. فلا توجد استراتيجية حقيقية لدمج المثقف في عملية صنع القرار، ولا مؤسسات مستقلة تحميه من التسييس والاحتواء. وحتى الاتحادات والنقابات الثقافية غالباً ما تُترك بلا دعم فعلي، أو تُستعمل واجهات شكلية لا تمتلك تأثيراً حقيقياً. هذا الفراغ لا يعكس ضعفاً إدارياً فحسب، بل يكشف عن خوف مزمن من العقل النقدي.
إن تجاهل منحة المثقف ليس قضية مالية بقدر ما هو مؤشر رمزي على موقع الثقافة في سلّم أولويات الدولة. فالسلطة التي تحترم المثقف لا تساوم على حقوقه، ولا تجعله ينتظر طويلاً ليُثبت استحقاقاً بديهياً. والسلطة التي تؤمن بدور الثقافة لا تتعامل معها كملف هامشي يُفتح عند الحاجة ويُغلق عند أول أزمة.
في المحصلة، يمكن القول إن خصومة الحكومة مع المثقف ليست حدثاً طارئاً، بل انعكاس لبنية سياسية لم تتصالح بعد مع النقد والمعرفة. وطالما بقي المثقف خارج معادلة الفعل الحقيقي، ستظل الثقافة مُعلّقة بين الخطاب الرسمي والواقع المهمل. أما استعادة الثقة، فلا تبدأ بمنحة مؤجلة، بل بإرادة سياسية تعترف بأن المثقف ليس خصماً للسلطة، بل ضمير المجتمع الذي لا غنى عنه.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا
- حين يصبح الحب وزنًا لا جناحًا
- بين النار والثلج : سيرة انسان
- الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية
- هكذا تُربّى الأجيال: حين يقف التلميذ لأن الفساد جلس مكانه
- تشريح خطاب السلطة ولغة الجسد
- القيادة الحقيقية : عندما يتفوق الوعي على السلطة
- عن اي شيء سيسجل التاريخ ؟
- تأملات في معنى الطبخة السياسية


المزيد.....




- -لم أعش قط بمكان جميل كهذا-.. كيف غيّر انتقال أمريكية إلى أل ...
- روسيا ترد على فرنسا وبريطانيا: أي قوات أجنبية في أوكرانيا -أ ...
- الإمارات: عبدالله بن زايد يُعيّن مبعوثاً لمكافحة التطرف والإ ...
- سان تروبيه تودع بريجيت باردو
- روسيا: أي قوات غربية في أوكرانيا -هدف مشروع-.. واتهام لواشنط ...
- اليمن- مصادر سعودية تتحدث عن فرار الزبيدي للإمارات.. والانتق ...
- غضب في مصر بسبب برنامج للأطفال يحاكي برنامج مواعدة للكبار
- لأول مرة.. الرئيس الألماني يوجه انتقادات لاذعة للسياسة الخار ...
- محمود ممداني يتحدث للجزيرة نت عن سم أفريقيا البطيء
- المبعوث الأممي إلى اليمن يلتقي العليمي ويواصل جولة إقليمية


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عماد الطيب - المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن