أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟














المزيد.....

وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 11:31
المحور: الادب والفن
    


في السينما، منذ أفلام الأبيض والأسود وحتى أكثر الإنتاجات حداثة، ثمة عقد غير مكتوب بين العمل والمتلقي: الخير قد يتعثر، يُجلد، يُهان، لكنه في المشهد الأخير ينتصر. يخرج الشر مهزومًا أو مقتولًا أو معزولًا، وتُغلق الستارة على تصفيق داخلي يعيد ترميم إيماننا بالعالم. هذه النهاية ليست تفصيلاً فنياً بريئاً، بل ضرورة نفسية؛ فالمتفرج لا يريد فقط قصة، بل عزاءً أخلاقيًا، يريد أن يصدق أن هذا الكون، رغم قسوته، يعمل وفق ميزان عادل ولو متأخرًا.
لكن ما إن نغادر قاعة العرض، حتى نصطدم بسؤال فادح: أين ينتصر الخير في الواقع؟ ولماذا تبدو الحياة اليومية نقيضًا فجًّا لتلك الحكايات؟ لماذا نرى الشر أكثر تنظيماً، أعلى صوتًا، أوسع نفوذًا، وأطول نفسًا، فيما يبدو الخير مرتبكًا، فرديًا، هشًّا، وغالبًا بلا حماية؟
السينما، في جوهرها، لا تعكس الواقع كما هو، بل كما نحتاجه أن يكون. هي إعادة كتابة للعالم وفق منطق العدالة الشعرية، لا العدالة التاريخية. في الواقع، لا يُهزم الشر لأنه شر، بل يُهزم فقط إذا فقد أدواته: القوة، المال، السلاح، الخطاب، أو التحالفات. الأخلاق وحدها لا تسقط طاغية، ولا تمنع حربًا، ولا توقف مجزرة. التاريخ شاهد قاسٍ: كم من طاغية مات في سريره؟ كم من مجرم تحول إلى رمز؟ كم من فاسد خرج من المحاكمة مكرمًا؟ وكم من صاحب حق قضى عمره يطالب، ثم مات قبل أن يسمع كلمة “أنصفناك”؟
نعيش في عالم لا تُكافأ فيه النوايا بل النتائج، ولا يُحاسَب فيه الشر لأنه شر، بل فقط إذا أخطأ الحساب. الشر، بخلاف ما تصوره الأفلام، ليس دائمًا وحشًا كاريكاتوريًا بملامح واضحة. غالبًا ما يكون أنيقًا، قانونيًا، يتكلم بلغة المؤسسات، يرفع شعارات سامية، ويتخفى خلف مفردات مثل “المصلحة العامة”، “الأمن”، “الاستقرار”، “الواقعية السياسية”. أما الخير، فغالبًا ما يظهر عاريًا من الأدوات، معتمدًا على أخلاقه فقط، وكأن الأخلاق درع كافٍ في معركة تُدار بالدبابات والبنوك والإعلام.
في الأفلام، الشر فرد، والخير جماعة. في الواقع، كثيرًا ما يكون الشر منظومة كاملة، والخير مجرد أفراد متناثرين. منظومة تعرف كيف تحمي نفسها، كيف تعيد إنتاج ذاتها، كيف تحول الجرائم إلى أخطاء إدارية، والضحايا إلى أرقام، والجلادين إلى “رجال مرحلة”. أما الخير، فغالبًا ما يُطلب منه أن يكون نقيًا إلى حد العجز، صبورًا إلى حد الموت، ومتسامحًا إلى حد التواطؤ القسري.
خذ شواهد الواقع المعاصر دون عناء بحث طويل: حروب تُشن بذريعة نشر الخير، فتخلّف أنهار دم. أنظمة ترفع رايات القانون، وتدوسه عند أول اختبار. شركات تدمّر البيئة ثم تموّل حملات “الاستدامة”. إعلام يصنع من القاتل بطلاً، ومن الضحية عبئًا على الرواية الرسمية. في كل ذلك، الشر لا ينتصر لأنه أقوى أخلاقيًا، بل لأنه أكثر براغماتية، أقل ترددًا، وأكثر استعدادًا لاستخدام كل الوسائل، بما فيها الكذب، القمع، والشراء.
لماذا إذن نصرّ على حكاية انتصار الخير؟ لأن الاعتراف العلني بأن الشر ينتصر غالبًا سيكون إعلان إفلاس معنوي. الإنسان لا يستطيع العيش طويلًا وهو يؤمن أن العدل وهم كامل. لذلك نخترع مساحات بديلة للعدالة: الفن، الدين، الأسطورة، الذاكرة. نؤجل الحساب إلى الآخرة، أو إلى “التاريخ”، أو إلى “ضمير الإنسانية”. لكن التاريخ نفسه يكتبه المنتصرون، وضمير الإنسانية غالبًا ما يستيقظ متأخرًا، بعد أن تكون المقابر قد امتلأت.
السينما لا تكذب بقدر ما تُخدّر. تمنحنا جرعة أمل محسوبة، كي نحتمل واقعًا لا يعمل وفق منطقها. المشكلة ليست في الأفلام، بل في تصديقنا أنها تمهّد لنا فهمًا صحيحًا للعالم. حين نُسقط سردية الشاشة على الشارع، نصاب بالصدمة. نكتشف أن الخير لا ينتصر تلقائيًا، وأن الصمت فضيلة سينمائية لكنه في الواقع شريك غير مباشر للشر، وأن الحياد ليس دائمًا موقفًا أخلاقيًا بل أحيانًا راحة ضمير زائفة.
القول الصادم الذي نتحاشاه هو هذا: الخير لا ينتصر لأنه خير، بل فقط إذا امتلك أدوات الصراع. دون تنظيم، دون قوة، دون وعي سياسي واجتماعي، يتحول الخير إلى قصة جميلة تُروى بعد الهزيمة، لا إلى فعل يغير مجرى الأحداث. الشر ينتصر لأنه يفهم قواعد اللعبة كما هي، لا كما نتمنى.
لعل القيمة الحقيقية للأفلام ليست في نهاياتها السعيدة، بل في سؤالها غير المعلن: ماذا لو لم نكتفِ بالتصفيق؟ ماذا لو خرجنا من القاعة ونحن نعرف أن النهاية لم تُكتب بعد، وأن الواقع لا يمنح نهايات مجانية؟ عندها فقط، يصبح الإيمان بالخير موقفًا شجاعًا لا وهمًا مريحًا، ويصبح السعي لانتصاره فعلًا واعيًا لا انتظارًا ساذجًا لمشهد أخير قد لا يأتي.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا
- حين يصبح الحب وزنًا لا جناحًا
- بين النار والثلج : سيرة انسان
- الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية
- هكذا تُربّى الأجيال: حين يقف التلميذ لأن الفساد جلس مكانه
- تشريح خطاب السلطة ولغة الجسد
- القيادة الحقيقية : عندما يتفوق الوعي على السلطة
- عن اي شيء سيسجل التاريخ ؟
- تأملات في معنى الطبخة السياسية
- كيف خنتُ ضميري لأرفع وهماً ؟
- حضور باهت
- حين يصبح الهيام قدَرًا لا يُقاوَم
- كن صديقي
- تأملات في بؤس المشهد الثقافي
- كل الطرق تؤدي اليك
- قربكِ يؤذيني
- الوعي كألمٍ ناعم


المزيد.....




- -تسويق إسرائيل-.. كتاب يكشف دور الهاسبارا في -غسيل الدماغ- ...
- أولو وترينشين: عاصمتا الثقافة الأوروبية لعام 2026
- بابا نويل في غزة.. موسيقى وأمل فوق الركام لأطفال أنهكتهم الح ...
- من تلة في -سديروت-.. مأساة غزة تتحوّل إلى -عرض سينمائي- مقاب ...
- بالصور.. دول العالم تبدأ باستقبال عام 2026
- -أبطال الصحراء-.. رواية سعودية جديدة تنطلق من الربع الخالي إ ...
- الانفصاليون اليمنيون يرفضون الانسحاب من حضرموت والمهرة
- سارة سعادة.. فنانة شابة تجسد معاناة سكان غزة عبر لوحاتها وسط ...
-  متاهات سوداء
- الصور الفوتوغرافية وألبوماتها في نصوص الأدب والشعر


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟