أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية














المزيد.....

الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8569 - 2025 / 12 / 27 - 12:19
المحور: الادب والفن
    


في الحكايات الشعبية، لا يُسأل الراوي عن عدالته، بل عن قدرته على الإقناع. هكذا وُلد الذئب شريرًا، لا لأنه افترس، بل لأنه وُضع دائمًا في موقع المتهم الجاهز. وحين تلعب الحكومات دور «ليلى» في قصة ليلى والذئب، فإنها لا تفعل ذلك ببراءة الطفولة، بل بدهاء السلطة؛ تتقن ارتداء ثوب الضحية بينما هي في الحقيقة من عاثت بالغابة تدميرًا، وقطعت الأشجار، وسمّمت المياه، ثم صرخت بأعلى صوتها: الذئب فعلها.
في النسخة الحكومية من الحكاية، الذئب هو الفساد الصغير، الموظف الهش، المواطن المتمرّد، أو حتى “الظرف الخارجي”. أما ليلى ــ أي السلطة ــ فهي دائمًا بريئة، ساذجة، مخدوعة، لا تعرف كيف تحوّلت الغابة إلى خراب. كل محاولات الذئب، إن وُجدت، لتصحيح المسار أو التحذير من الانهيار، تُفسَّر بوصفها نوايا عدوانية. فالنصيحة تُعد تهديدًا، والاحتجاج يُصنَّف فوضى، والكلمة الحرة تُؤوَّل كعضّة.
هذا الانقلاب في السرد ليس جديدًا. فالتاريخ نفسه متواطئ مع هذه الخدعة. أولاد يعقوب لم يقولوا لأبيهم: نحن خنّاه وبعناه، بل اختصروا الجريمة في جملة واحدة: أكله الذئب. منذ تلك اللحظة، صار الذئب وظيفة سردية، لا كائنًا حيًا. وظيفة تمتص الذنب وتُريح الضمير الجمعي من مواجهة الحقيقة. وهكذا توارثنا الذئب كشماعة أخلاقية نعلّق عليها فشلنا، وخيانتنا، وسوء إدارتنا.
الفلسفة هنا لا تُدافع عن الذئب بوصفه بريئًا مطلقًا، بل تسأل السؤال الأخطر: من يملك حق تعريف الشر؟ هل الشر هو من يكشف الخراب، أم من يصنعه ثم يخفيه؟ هل الذئب شرير لأنه يفترس ليعيش، أم ليلى أكثر شراسة حين تدمّر الغابة ثم تطلب التصفيق؟ في منطق السلطة، الشر ليس فعلًا، بل صفة تُلصق بالآخر. وحين تُلصق الصفة، تُلغى الحاجة إلى الدليل.
المجتمع الذي يصدّق هذه الحكاية يعيش في طفولة دائمة. يفضّل قصة بسيطة على حقيقة معقّدة، وعدوًا واضحًا على مسؤولية جماعية. ولذلك تستمر الحكومات في لعب دور ليلى، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها تعرف أن الجمهور تعلّم أن يبكي مع ليلى، لا أن يسألها: لماذا كنتِ وحدكِ في الغابة؟ ومن قطع الطريق؟ ومن باع الأشجار؟
إن أخطر ما في هذه الحكايات ليس تشويه صورة الذئب، بل تدريب الوعي على قبول الكذب الجميل. حينها يصبح الذئب رمزًا لكل من يُراد إسكاتُه، وتصبح ليلى رمزًا لكل سلطة تتقن فن لعب الضحية. وفي النهاية، لا يبقى من الغابة سوى حكايات، ولا من الحقيقة سوى سؤال مُحرِج:
كم جريمة أخرى سنرتكبها باسم الذئب، قبل أن نعترف أن ليلى لم تكن بريئة يومًا؟



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هكذا تُربّى الأجيال: حين يقف التلميذ لأن الفساد جلس مكانه
- تشريح خطاب السلطة ولغة الجسد
- القيادة الحقيقية : عندما يتفوق الوعي على السلطة
- عن اي شيء سيسجل التاريخ ؟
- تأملات في معنى الطبخة السياسية
- كيف خنتُ ضميري لأرفع وهماً ؟
- حضور باهت
- حين يصبح الهيام قدَرًا لا يُقاوَم
- كن صديقي
- تأملات في بؤس المشهد الثقافي
- كل الطرق تؤدي اليك
- قربكِ يؤذيني
- الوعي كألمٍ ناعم
- بين الطيبة والانفعال: سقوط الصورة الجميلة
- تعلموا النسيان .. وتركوا لنا الذنب كاملاً
- عدتِ متأخرة… فوجدتِ الخراب منظّماً
- عودة الشخص الآخر… عودة الحياة بطعم العتاب
- إمرأة من خيال
- همسة تصل… فتُزهر الروح
- الإنسان بعد انتهاء صلاحيته: قراءة في عنف التصنيف


المزيد.....




- التعليم العالي:جامعة القاهرة تطلق منصة رقمية للملكية الفكرية ...
- احتجاجات في مدن مغربية رفضاً لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي م ...
- من وراء الشاشات إلى المتاحف.. كيف تخطط عصابات الجريمة لسرقة ...
- موسيقي روسي: زوار روسيا يكتشفون حقيقة مختلفة بعيدا عن الصور ...
- -رسائل ممنوعة-.. رواية سعيد أبو غزة عن الحب في وجه الموت وال ...
- تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل ...
- كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟
- خبيرة روسية تسلط الضوء على جهود صون التراث الثقافي غير الماد ...
- استمرار ترميم أكثر من 500 موقع تراثي في موسكو ضمن أكبر برنام ...
- تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية