أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - تدريب عنيف على الخسارة














المزيد.....

تدريب عنيف على الخسارة


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 09:47
المحور: الادب والفن
    


تسألني في كل مرة: ماذا تريد؟ حدّد أهدافك معي.
وتضع الصداقة عنوانًا عريضًا، وتطالب بأن يكون كل شيء تحته واضحًا، مضبوطًا، محدد السلوكيات، كأن العلاقة ملف إداري، أو عقدٌ يحتاج إلى بنود تفسيرية وهوامش قانونية. لكنك لا تنتبهين إلى أن بعض العلاقات لا تُدار باللوائح، ولا تُقاس بالمصطلحات، ولا تنصاع لفكرة “التحديد” مهما بدا ذلك عقلانيًا ومريحًا.
أنا حين أُسأل عمّا أريد، أكتشف أن السؤال ذاته مربك. لأن الرغبة في العلاقات الإنسانية ليست خيارًا جاهزًا يُسحب من قائمة، بل حالة شعورية تتشكل ببطء، ثم تستقر، ثم تفرض نفسها دون استئذان. أنا لا أعرف ماذا أريد بالصيغة التي تطلبينها، لكنني أعرف ماذا لا أستطيع. لا أستطيع أن أكون محايدًا في حضرة من أحب، ولا قادرًا على ارتداء دور الصديق بينما القلب يعمل بكامل طاقته كحبيب.
أن نكون أصدقاء، تقولين، وتحت هذا العنوان يكون كل شيء واضحًا. لكن أي وضوح هذا الذي يُطلب من قلبٍ تعوّد أن يرى أبعد مما يُقال؟ الصداقة هنا ليست براءة كاملة، بل صيغة مخففة من الحب، محاولة عقلانية لاحتواء شعورٍ فائض دون الاعتراف به. هي صداقة بطعم الحب، ورائحة الحب، وقلق الحب، لكنها بلا حقوقه ولا دفئه ولا أمانه. وهذا بالضبط ما يجعلها موجعة.
الصداقة حين تأتي بعد الحب، أو على حافته، لا تكون صداقة خالصة. تكون اختبارًا يوميًا للقوة، ومحاكمة صامتة للذات. أن أراك وأكتم، أن أسمعك وتفيض الكلمات داخلي ولا تُقال، أن أفرح لك وكأن شيئًا في داخلي لا ينكسر. تلك ليست صداقة، بل تدريب قاسٍ على الخسارة المؤجلة.
تقولين: إن لم تكن حبيبًا، فكن صديقًا. وكأن الأمر انتقالٌ سلس من غرفة إلى أخرى. لكن الحقيقة أن الحبيب لا يستطيع أن يُنزِل نفسه درجة دون أن يتأذى، ولا أن يغيّر لغته الداخلية بسهولة. الحبيب يرى التفاصيل التي لا يراها الصديق، ويتأثر بما لا يُفترض أن يؤثر فيه. ولهذا، فإن مهمة أن تكون صديقًا وأنت ما زلت تحب، هي من أصعب المهام الإنسانية، لأنها تتطلب خيانة شعورية للذات باسم النضج.
أنا لا أرفض الصداقة لأنها قليلة القيمة، بل لأنها هنا تُطلب كبديلٍ غير متكافئ، كحلٍ وسط لا يرضي القلب ولا يُنهي الأسئلة. أرفضها لأنها تُبقيني معلّقًا: لا قريبًا بما يكفي، ولا بعيدًا بما يحميني. لأنني حين أكون صديقًا لك، سأظل أتصرف بتهذيبٍ زائد، بصمتٍ مدروس، بانتباه لا يليق إلا بحبيب، ثم أعود وحدي لأدفع ثمن هذا الانضباط القاسي.
الوضوح الذي تطلبينه مفهوم، وربما ضروري لكِ، لكن وضوحي مع نفسي يقول شيئًا آخر: إما أن أكون حاضرًا بكامل حقيقتي، أو أن أبتعد بكرامة. المنتصف في المشاعر ليس مكانًا آمنًا، بل منطقة استنزاف بطيء، نخسر فيها أنفسنا باسم العقل.
لهذا، حين أقول إنني لا أعرف ماذا أريد، فأنا أقول الحقيقة كاملة. لكنني أعرف أنني لا أريد علاقة تُجبرني على تصغير قلبي ليتناسب مع تعريفٍ مريح. لا أريد صداقة تُطالبني بأن أكون أقل مما أشعر، ولا حبًا مؤجلًا تحت مسمى آخر. ولا أي شيء يبعدني عن شعوري الحقيقي .
أحيانًا، أقسى القرارات ليست أن نختار، بل أن نعترف بأن بعض الصيغ لا تناسبنا، مهما بدت ناضجة ومنطقية. وأحيانًا، يكون الابتعاد الصادق أرحم من القرب الملتبس. لأن الصداقة، حين تُفرض على قلبٍ عاش الحب، تتحول من نعمة إلى امتحان، ومن مساحة أمان إلى ساحة صراع صامت. ومن الحقيقة الى التزلف والزيف . بعض القلوب لاتقبل تقسيم مشاعرها او تبديل هويتها .



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا
- حين يصبح الحب وزنًا لا جناحًا
- بين النار والثلج : سيرة انسان
- الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية
- هكذا تُربّى الأجيال: حين يقف التلميذ لأن الفساد جلس مكانه
- تشريح خطاب السلطة ولغة الجسد
- القيادة الحقيقية : عندما يتفوق الوعي على السلطة
- عن اي شيء سيسجل التاريخ ؟
- تأملات في معنى الطبخة السياسية
- كيف خنتُ ضميري لأرفع وهماً ؟
- حضور باهت
- حين يصبح الهيام قدَرًا لا يُقاوَم
- كن صديقي
- تأملات في بؤس المشهد الثقافي
- كل الطرق تؤدي اليك
- قربكِ يؤذيني


المزيد.....




- فيديو.. ضربة قاضية مزدوجة تنهي نزالا للفنون القتالية المختلط ...
- عباس بيضون للجزيرة نت: لستُ القارئ المنشود لشعري.. والكتابة ...
- مايكل بي. جوردان يقول إن مشاهدة فيلم -Sinners- أبكته
- أحزان فيروز تتجدد في جنازة هلي الرحباني.. أمومة استثنائية خل ...
- -الطوفان العظيم-.. سينما الكارثة حين تتحول المياه إلى مرآة ل ...
- وثائق كنسية تعزز -أطلس القدس المصور- وتنصف العثمانيين
- الفيلم السعودي -رهين-.. فوضى سينمائية تقع في فخ الكوميديا ال ...
- وداعاً -ابن رشد العصر-.. جدل مراد وهبة لن يموت أبداً!
- عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير ...
- مارلين بوث تحصد جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية 2025 ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - تدريب عنيف على الخسارة