أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - الهجر حين يفقد دهشته














المزيد.....

الهجر حين يفقد دهشته


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 13:53
المحور: الادب والفن
    


حين افترقنا هذه المرة، لم يهبط ذلك الإحساس الثقيل بالغربة كما كان يفعل سابقًا. لم تتكاثف الوحشة في صدري، ولم أشعر بأن الأرض انسحبت من تحت قدمي. كان الفراق أقل رهبة، أخف وطأة، كأنه خبر قديم يُعاد تلاوته بلا دهشة. ربما لأن القلب، قبل العقل، كان يعرف مسار الأيام، وكان قد تعلّم — بصمت موجع — كيف يهيّئ نفسه للهجر قبل وقوعه.
ثمة فراقات لا تأتي صادمة، بل تأتي مألوفة على نحو مخيف. فراقات لا تُسقطك دفعة واحدة، بل تضعك أمام مرآة تعبك الطويل. عندها لا تبكي لأنك فقدت الآخر، بل لأنك أدركت أنك فقدته منذ زمن، وأن ما حدث الآن ليس سوى إعلان رسمي لخسارة كانت مكتملة في الداخل. القلب، حين يعتاد الغياب، يفقد قدرته على الفزع، ويكتسب قدرة باردة على الاحتمال.
كنت أعلم، في زاوية خفية من روحي، أن هذا الهجر سيعود سريعًا، لا لأن الحب انتهى، بل لأننا اعتدنا الفقد كما يعتاد الجسد الألم المزمن. يصبح الوجع جزءًا من الإيقاع اليومي، لا يلفت الانتباه إلا حين يغيب. وهكذا، لم يكن الفراق هذه المرة حدثًا استثنائيًا، بل حلقة أخرى في سلسلة انسحابات صغيرة، متكررة، أنهكت المشاعر قبل أن تقتلها.
الغربة الحقيقية لا تبدأ حين نبتعد عن من نحب، بل حين نألف ابتعادهم. حين لا نندهش من غيابهم، ولا نرتبك من صمتهم، ولا نعدّ الأيام انتظارًا لعودتهم. عندها فقط ندرك أن القلب استقال من موقع الدهشة، وأنه صار يتعامل مع الفقد كحقيقة مستقرة، لا ككارثة مؤقتة.
ربما كان هذا أخطر ما في الأمر: أن نفترق دون ضجيج داخلي، دون انهيار، دون ذلك الذعر الذي كان يرافق الرحيل في المرات الأولى. أن نغادر ونحن نحمل في داخلنا طمأنينة حزينة، طمأنينة من يعرف أن الألم لن يفاجئه بعد الآن، لأنه أصبح جزءًا من ذاكرته العاطفية، لا طارئًا عليها.
هكذا تركنا بعضنا، لا كغرباء، بل كمن أنهكهم التكرار. تركنا بعضنا والقلب يعرف طريق الهجر كما يعرف طريق العودة، لكنه لم يعد يثق بكليهما. ففي النهاية، أقسى ما يصيب الحب ليس الفراق ذاته، بل اعتياد الفراق… حين يصبح الهجر مألوفًا، وتغدو الخسارة أقل إيلامًا، وأكثر حزنًا.
وما يزيد هذا المشهد قسوة أننا، في لحظة ما، سنعاود استكمال أيامنا التي سبقت الهجر، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن القلوب لم تُستنزف، وكأن الكسور الصغيرة لم تترك شروخها الخفية. سنضحك بالطريقة ذاتها، ونتبادل الكلمات نفسها، لكن بشيء من البرود الذي لا يُرى. غير أن الأيام، ببطئها الماكر، ستتكفل بما تبقى؛ ستسحب هذه الحكاية من مركز الذاكرة إلى أطرافها، وتضعها في خانة النسيان الهادئ، ككتاب انتهيت من قراءته بعناية، أغلقت صفحته الأخيرة دون ندم، ثم وضعته على رف بعيد، لا لأن قصته لم تكن مهمة، بل لأنها أدت دورها كاملًا ولم يعد لها ما تضيفه. هناك، في ذلك الرف البعيد، ستستقر الذكرى بلا وجع، بلا شغف، مجرد عنوان مرّ ذات يوم من هنا.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا
- حين يصبح الحب وزنًا لا جناحًا
- بين النار والثلج : سيرة انسان
- الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية
- هكذا تُربّى الأجيال: حين يقف التلميذ لأن الفساد جلس مكانه
- تشريح خطاب السلطة ولغة الجسد
- القيادة الحقيقية : عندما يتفوق الوعي على السلطة
- عن اي شيء سيسجل التاريخ ؟
- تأملات في معنى الطبخة السياسية
- كيف خنتُ ضميري لأرفع وهماً ؟
- حضور باهت
- حين يصبح الهيام قدَرًا لا يُقاوَم
- كن صديقي
- تأملات في بؤس المشهد الثقافي
- كل الطرق تؤدي اليك


المزيد.....




- سيرة حياة نبيّة من القرن الـ18.. أماندا سيفريد في فيلم مليء ...
- أحمد عبد اللطيف: روايتي -أصل الأنواع- تنتمي للكتابات التي يح ...
- -إن غاب القط-.. عندما تقتحم أفلام السرقة شوارع القاهرة
- جائزة الشيخ حمد للترجمة تفتح باب الترشح لدورتها الـ12
- فرنسا: أيقونة السينما الفرنسية بريجيت باردو ستدفن بمقبرة على ...
- الشبكة العربية للإبداع والابتكار توثق عامًا استثنائيًا من ال ...
- شطب أسماء جديدة من قائمة نقابة الفنانين السوريين
- الشهيد نزار بنات: حين يُغتال الصوت ولا تموت الحقيقة
- التجربة القصصية لكامل فرعون في اتحاد الأدباء
- -جمعية التشكيليين العراقيين- تفتح ملف التحولات الجمالية في ا ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - الهجر حين يفقد دهشته