أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - الوجع الجميل في الذاكرة














المزيد.....

الوجع الجميل في الذاكرة


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 00:46
المحور: الادب والفن
    


في كل مرة أمني النفس بالعودة، لا أفعل ذلك بدافع الأمل الخالص، بل بدافع الحاجة إلى إقناع القلب بأن الخسارة لم تكن نهائية. أقول: ماذا لو عادت؟ ثم لا ألبث أن أبتسم بمرارة، لأن الحقيقة أكثر قسوة من الخيال؛ سنتحدث الاحاديث ذاتها، نتبادل الكلمات ذاتها، ونرتكب الأخطاء نفسها، ثم ننهض مثقلين بقطيعة جديدة، أشد قسوة من سابقتها، كأن الفراق يتقن التمرين علينا حتى الإتقان.
ما الذي يصيب الحب في مساره؟ ولماذا يتعكر سريانه بلا مقدمات واضحة، كأن في داخله صدعًا خفيًا لا يُرى إلا بعد الانهيار؟ كيف يتحول من طمأنينة دافئة إلى قلق دائم، ومن يقين جميل إلى شك ينهش التفاصيل؟ لا شيء أكثر إيلامًا من حب لا يُهزم دفعة واحدة، بل يتآكل ببطء، بانزلاقات نفسية صغيرة، غير مرئية، تقوده في النهاية إلى وادٍ سحيق من العتمة، حيث لا صدى للكلمات ولا جدوى للعتاب.
كنت أعتقد أن اللقاء شمس لا تخون، فإذا به شمس شتاء، تظهر خجولة، قصيرة العمر، بالكاد تمنح الدفء، ثم تنسحب سريعًا، تاركة خلفها بردًا مضاعفًا. لماذا لا تطيل اللقاءات أعمارها؟ لماذا لا تتواطأ معنا ضد الزمن؟ لماذا كلما اقتربنا من اكتمال الفرح، عاجلنا الغياب، وكأن للحب قانونًا قاسيًا يمنع استقراره طويلًا؟
الحب، في جوهره، ليس وعدًا بالسعادة الدائمة، بل امتحان مستمر للقدرة على الاحتمال. هو تلك الحالة التي ترفعك إلى أقصى النشوة، ثم تتركك معلقًا بين الرجاء والخوف. هو المسافة الهشة بين قلبين يعرفان بعضهما جيدًا، ويعجزان، في الوقت نفسه، عن إنقاذ ما بينهما. نحب بصدق، ثم نفشل بصدق أكبر، لأن الصدق لا يكفي دائمًا، ولأن المشاعر، مهما كانت عظيمة، لا تحسن وحدها إدارة الخراب.
أدرك الآن أن العودة ليست حلًا، وأن التمني ليس شجاعة. بعض العلاقات لا تنكسر لأنها ضعيفة، بل لأنها استُهلكت أكثر مما تحتمل. أُنهكت بالأسئلة المؤجلة، وبالكلمات التي قيلت في غير وقتها، وبالسكوت الطويل الذي كان ينبغي أن يُكسر. هكذا يتحول الحب من ملاذ إلى عبء، ومن شغف إلى ذاكرة موجعة.
لهذا، في هذه المرة، لن أطلب الحضور. لن أستدعي اللقاء كمن يستدعي جرحه ليطمئن أنه ما زال ينزف. سأكتفي بالخيال، فهو أقل قسوة من الواقع، وبالذكريات، لأنها – على وجعها – أكثر رحمة من تكرار الفشل. في الذاكرة يبقى الحب نقيًا، بلا تشوهات جديدة، وبلا خيبات إضافية. هناك فقط أستطيع أن أراكِ كما أحببتك أول مرة، بلا حسابات، وبلا خوف من النهاية.
الحب الذي لا يُعاش حتى نهايته العادلة، يتحول إلى حزن راقٍ، حزن لا يصرخ، بل يقيم في الداخل بهدوء مؤلم. يعلّمك الكثير عن نفسك، عن هشاشتك، وعن قدرتك على التعلق، ثم يتركك تمضي أكثر وعيًا، وأقل براءة. وربما هذا أقسى ما يفعله الحب: أنه لا يرحل فارغ اليدين، بل يأخذ جزءًا منك، ويترك لك جزءًا منه، لتتعلم كيف تعيش بنقص دائم، وحنين لا يهدأ.
سأمضي إذن، لا منتصرًا ولا مهزومًا، بل متصالحًا مع فكرة أن بعض القصص خُلقت لتبقى ناقصة، وأن بعض القلوب تلتقي لتفترق، لا لعيب فيها، بل لأن اكتمالها مستحيل. وسأترك للحب مكانه اللائق في الذاكرة: موجعًا، جميلًا، صادقًا… ومنتهيًا.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا
- حين يصبح الحب وزنًا لا جناحًا
- بين النار والثلج : سيرة انسان
- الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية


المزيد.....




- -محمد بن عيسى.. حديث لن يكتمل- فيلم وثائقي عن مسار رجل متعدد ...
- حكاية مسجد.. -المؤيد شيخ- بالقاهرة من سجن إلى بيت لله
- ثقافة العمل في الخليج.. تحديات هيكلية تعيق طموحات ما بعد الن ...
- محمد السيف يناوش المعارك الثقافية في -ضربة مرفق-
- دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن
- -عفريتة- السينما المصرية.. رحيل -كيتي- نجمة الاستعراض في زمن ...
- 11 رمضان.. إعادة رسم الخرائط من خراسان لأسوار دمشق
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية ...
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - الوجع الجميل في الذاكرة